تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر دخول أبى طاهر القرمطى الكوفة ورجوعه

كان أبو طاهر قد كتب إلى الخليفة المقتدر بالله- بعد اطلاق أبى الهيجاء بن حمدان- يطلب منه البصرة والأهواز، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من هجر في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة يريد الحاج عند توجههم إلى الحجاز، وكان جعفر بن ورقاء الشيبانى يتقلّد أعمال الكوفة وطريق مكة، فسار مع الحاج خوفا عليهم من أبى طاهر، ومعه ألف رجل من بنى شيبان، وسار مع الحجاج من أصحاب

السلطان ثمل صاحب البحر وغيره في ستة آلاف رجل، فلقى أبو طاهر الجيش فانهزموا منه، وردّت القافلة الأولى هم وعسكر الخليفة بعد أن انحدروا من العقبة، وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة وبها يومئذ جنىّ الصفوانى، كان الخليفة قد أنفذه في جيش عظيم إلى الكوفة، وبها أيضا ثمل في جيش عظيم، وأقبل أبو طاهر حتى نزل بظاهر الكوفة في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة، وأقبل جنىّ إلى خندق الكوفة في عشية هذا اليوم، وأهل البلد والعامّة منتشرون على الخندق، وجعفر بن ورقاء في بنى شيبان نازل على القنطرة التى على الخندق مما يلى دور بنى العبّاس، ونمل على القنطرة التى تليها، وجنىّ مما يلى ذلك من ناحية يمنة الكوفة، فناوشه الناس، وخرج أبو محمد الحسن بن يحيى بن عمر العلوى فطارد بعض فرسانه، وانكفأ أبو طاهر راجعا، وبات الناس على تلك الحال وقد قوى الطمع فيه، فلما كان الليل ورد كتاب السلطان يخاطب أبا محمد بن ورقاء في تدبير الجيش، فعمل على لقاء جنىّ الخادم ليعرّفه ذلك، فأشير عليه ألا يفعل فأبى ذلك، تم ركب يعرّف جنيّا ما كتب به إليه، فأنف جنىّ أن يكون تابعا وأسرّ ذلك في نفسه، وباكرهم القرمطى بالقتال بعد أن أضحى النهار، فدخلت الرجّالة وراء الفرسان بجيش خرس عن الكلام صمت وحركات خفيّة، والبارقة فيهم ظاهرة في ضوء الشمس، وهم يزفون عسكرهم زفا، حتى إذا وصلوا إلى عسكر السلطان مالوا على جيش ابن ورقاء وهو في ميسرة الناس، فما تمهّل بنو شيبان حتى انهزموا راجعين، فعبروا القنطرة التى على الخندق إلى جانب الكوفة وتبعوهم، فصاروا من وراء جنىّ وثمل فوضعوا السيف

في الناس، وجنى جالس قبل ذلك على كرسى حديد يبيّن أنّه لا يقاتل وكأنّه يريد قتاله بعد الناس فأسروه، وقاتله ثمل وقاومه وهو منهزم على محاملة ومدافعة، إلى أن تخلصّ وسلم جعفر بن ورقاء وكثير من أصحابه، وقتل كثير من العامّة وغيرهم في الطرقات، ووصل أبو طاهر إلى البلد فرفع السيف ونهب منازل الناس، وأقام بالكوفة ستة أيام بظاهرها يدخل البلد نهارا ويقيم بجامعها إلى الليل، ثم يخرج فيبيت بعسكره، وحمل منها ما قدر على حمله، ودخل المنهزمون بغداد ولم يحجّوا في هذه السنة، وخاف أهل بغداد وانتقل الناس إلى الجانب الشرقى.

قال: ورحل أبو طاهر عن الكوفة في يوم الاثنين لعشر بقين من ذى القعدة، وقتل يوم دخوله أبو موسى العبّاسى صاحب صلاة الكوفة ورحل مؤنس المظفر من بغداد بجيش السلطان عند اتّصال الأخبار ببغداد، فسار منها حتى دخل الكوفة، فكان وصوله إليها بعد رحيل القرامطة عنها، فأقام بها ثلاثة أيام ثم رحل عنها، ثم عاد القرمطى في سنة خمس عشرة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.