من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر انهزام هارون من عسكر الموصل
كان المعتضد بالله قد سار إلى ماردين في سنة إحدى وسبعين، وخلّف بالموصل نصر القشورى يجبى الأموال ويعين العمّال على جبايتها فخرج عامل معلثايا إليها ومعه جماعة من أصحاب نصر، فوقع عليهم طائفة من الخوارج فاقتتلوا إلى أن أدركهم الليل ففرّق بينهم، وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر، وهو من أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه ذلك وأمر أصحابه أن يفسدوا في البلاد، فكتب نصر القشورى إلى هارون يتهدّده بقرب الخليفة، وأنّه إن همّ به أهلكه وأصحابه، فلا يغتر بمن سار إلى حربه فعاد عنه بمكره وخديعته، فأجابه هارون بجواب غليظ، من جملته وإنّا وإياك كما قيل:
فلا توعدونا باللقاء وأبرزواإلينا سوادا نلقه بسواد
فبعث نصر جواب هارون إلى المعتضد بالله فجدّ في قصده، وولّى الحسن بن علىّ كورة الموصل وأمره بقصد الخوارج، وأمر كافّة مقدّمى الولايات والأعمال بطاعته، فجمعهم وسار إلى أعمال الموصل وخندق على نفسه، وأقام إلى أن رفع الناس غلّاتهم، ثم سار إلى الخوارج وعبر نهر الزاب إليهم، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانكشف الخوارج عنه، ليفرّقوا جمعيته ثم يعطفوا عليه، فأمر الحسن أصحابه بلزوم مواقفهم ففعلوا، ورجع هارون وأصحابه وحملوا سبع عشرة حملة، فانكشفت ميمنة الحسن وثبت هو، فحمل عليه
الخوارج حملة رجل واحد وهو ثابت، وضرب على رأسه عدّة ضربات فلم تؤثر فيه، فلما رأى أصحابه ثباته رجعوا إليه وقاتلوا وصبروا، فانهزم هارون ومن معه وقتل خلق كثير، وكانت هذه الوقعة في سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فتحيّر هارون في أمره فقصد البريّة، ونزل عند بنى تغلب ثم عاد إلى معلثايا، ورجع إلى البريّة ثم رجع إلى دجلة، وتكرّر ما بين ذلك، فلما رأى أصحابه قوّة دولة الخليفة المعتضد بالله راسلوا الخليفة في طلب الأمان، فأمّنهم فأتاه ثلاثمائة وستون رجلا، وبقى مع هارون بعضهم، وهو يجول في البلاد إلى أن قتل.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع