من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر عود يعقوب الى بلاد فارس والحرب بينه وبين محمد بن واصل
كان سبب ذلك أن محمد بن واصل كان قد تغلّب على فارس وقتل الحارث بن سيما، فأضاف المعتمد على الله فارس والأهواز والبصرة والبحرين واليمامة إلى موسى بن بغا مع ما كان إليه، فوجّه موسى، عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز، وولاه إيّاها مع فارس وأضاف إليه طاشتمر، فقاتله محمد بن واصل برام هرمز، فانهزم عبد الرحمن وأخذ أسيرا وقتل طاشتمر، وغنم ما كان في عسكرهما، فأرسل الخليفة إلى محمد بن واصل في إطلاق عبد الرحمن، فلم يفعل وقتله وأظهر أنّه مات، وسار ابن واصل من هذه الوقعة- وقد أظهر أنّه يريد واسط- لحرب موسى بن بغا، فلما رأى موسى شدّة الأمر استعفى من ولاية فارس؛ فلما بلغ ذلك يعقوب- وكان بسجستان، تجدّد طمعه في ملك بلاد فارس، وأخذ ما غنمه ابن واصل من الخزائن والسلاح من عبد الرحمن بن مفلح وطاشتمر، فسار يعقوب حتى نزل البيضا من أرض فارس، فبلغ ابن واصل خبره وهو بالأهواز، فعاد منها لا يلوى على شىء، وأرسل خاله أبا بلال مرداسا إلى يعقوب فوصل إليه وضمن له طاعة محمد بن واصل، فأرسل يعقوب إلى محمد كتبا ورسلا في المعنى فحبسهم ابن واصل، وسار يطلب يعقوب
والرسل معه، وهو يريد بذلك أن يخفى خبر مسيره، وأن يصل بغتة فينال منه غرضه ويوقع به، فسار في يوم شديد الحرّ في أرض صعبة المسلك، وهو يظن أن خبره قد خفى عن يعقوب، فلما كان وقت الظهر تعبت دوابّهم، فمات من أصحاب ابن واصل أكثر الرجّالة جوعا وعطشا وتعبا، وبلغ خبرهم يعقوب فجمع أصحابه وأعلمهم الخبر، وقال لأبى بلال: إنّ ابن واصل قد غدر بنا وحسبنا الله ونعم الوكيل، وسار يعقوب إليه فلما قاربه ضعفت نفوس أصحاب ابن واصل عن مقاومته، فلما صار بينهما رميه سهم انهزم أصحاب ابن واصل من غير قتال، وتبعهم أصحاب يعقوب وأخذوا منهم جميع ما غنموه من عسكر عبد الرحمن، واستولى يعقوب على بلاد فارس ورتّب بها أصحابه وأصلح أحوالها، ومضى ابن واصل منهزما وأخذ أمواله من قلعته، وكانت أربعين ألف ألف درهم، وأوقع يعقوب بأهل زم لأنهم أعانوا ابن واصل، وحدّث نفسه أنّه يستولى على الأهواز وغيرها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع