من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ملكه قلعة بعرين وهزيمة الفرنج
وفى سنة إحدى وثلاثين وخمسماية حصر عماد الدين زنكى حمص، وهى لصاحب دمشق، فلم ينل منها غرضا. فرحل عنها إلى بعرين وهى للفرنج، فحاصرها فى شوال، وهى من أمنع الحصون وأحصنها، وزحف عليها، فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم وساروا بملوكهم وقمامصتهم وكنودهم ليرحلوه عنها. فالتقوا واقتتلوا واشتد القتال، فأجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل ناحية، فاحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن بعرين لقربه، فحصرهم. فدخل القسوس والرهبان إلى بلاد الفرنج والروم وما ولاها من بلاد النصرانية مستنفرين على المسلمين، وقالوا:
«إن المسلمين ليس لهم همة إلا قصد البيت المقدس» فاجتمعت ملوك النصرانية وصاروا على الصعب والذلول وقصدوا الشام، وجدّ عماد الدين فى الحصار، فقلت الأقوات عندهم، فسألوا الأمان على أن يتركهم يتوجهوا إلى بلادهم. فلم يجب إلى ذلك، إلى أن بلغه أن ملك الروم قد أقبل بجموع الفرنج والنصرانية، فآمنهم على تسليم الحصن وخمسين ألف دينار. ففعلوا ذلك. فلما فارقوا
الحصن بلغهم اجتماع الروم والفرنج بسببهم، فندموا على تسليمه وفتح عماد الدين فى مقامه المعرة وكفر طاب من الفرنج.
ولما فتح المعرة حضر إليه أهلها أرباب الأملاك، وطلبوا أملاكهم فطلب منهم كتبها فاعتذروا أنها عدمت عند ما ملكها الفرنج، فأمر بإحضار دفاتر الديوان بحلب، وكشف منها فمن وجد باسمه خراج فيها عن ملك سلمه إليه أو لعقبه إن كان قد مات. وأعاد الأملاك بهذه الطريق. وهذه غاية فى الإحسان وفى تسهيل البر والخير ونهاية فى العدل وفيها سار [عماد الدين] إلى دقوقا وملكها بعد قتال شديد
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع