من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر استيلاء جنكزخان على بخارا
قال: ولما استولى جنكزخان على أترار وقتل النائب بها، ورتب الحيلة التى أوقع بها بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه وأخواله على ما قدمناه فى أخبار الدولة الخوارزمية، تقدم إلى بخارا، وقصد بذلك أن يقطع بين السلطان وبين عساكره المتفرقة، حتى أنه لو أراد جمعهم لعجز عن ذلك فلما انتهى إليها حاصرها، وقدم بين يديه رجال أترار، وداوم الحصار والقتال ليلا ونهارا وكان بها
الأمير اختيار الدين كشلى أمير آخور وأغلى حاحب الملقب بإينانج خان فى ثلاثين ألف فارس، فلما رأوا أنها قد أشرفت على الأخذ تخاذلوا، وأجمعوا على الهزيمة، فخرجوا وحملوا على التتار حملة رجل واحد، فأفرجوا لهم وانهزموا أمامهم حتى كادت الهزيمة تكون على جنكزخان، وظن أنهم يعودون للقتال. فلما علم جنكزخان أن مقصدهم الهرب أرسل فى آثارهم من أكابر التتار من يتبعهم ويتخطفهم إلى أن وصلوا إلى حافة نهر جيحون، فلم ينج منهم إلا إينانج خان فى شرذمة يسيرة، وشمل القتل معظم ذلك الجيش وغنم التتار ما معهم.
قال: ولما فارق العسكر الخوارزمى بخارا طلب أهلها الأمان فآمنهم وكان قد بقى من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم فاعتصموا بالقلعة، وفتحت أبواب المدينة بالأمان، وذلك فى يوم الثلاثاء رابع ذى الحجة سنة ست عشرة وستمائة. فدخل التتار بخارا ولم يتعرضوا إلى أحد بل قالوا لهم: أخرجوا إلينا جميع ما هو متعلق بالسلطان من الذخائر وغيرها، وساعدونا على قتال من بالقلعة، وأظهروا لهم العدل وحسن السيرة. ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى فى البلدان أن لا يتخلف أحد ومن تخلف قتل. فحضروا بأجمعهم وأمرهم بطم الخندق فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك، حتى كان التتار يأخذون المنابر وربعات القرآن فيلقونها فى الخندق.
ثم تابعوا الزحف على القلعة وبها أربعماية فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم ومانعوا اثنى عشر يوما يقاتلون جميع الكفار وأهل البلد، فما زالوا كذلك إلى أن وصل النقابون إلى القلعة. واشتد الأمر ورمى المسلمون بجميع ما عندهم من حجارة وسهام ونار ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وملك جنكزخان القلعة، فلما فرغ من أمر القلعة أمر بجمع رؤساء البلد، فجمعوا وعرضوا عليه فقال لهم:
«أريد منكم النقرة التى باعكم خوارزم شاه فإنها لى وأخذت من أصحابى» فأحضر كل من كان عنده شىء منها ما عنده، ثم أمرهم بالخروج من البلد مجردين فخرجوا ليس مع أحد منهم غير ثيابه التى عليه، ونهب التتار البلد وقتلوا من تخلف فيه. وأحاطوا بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم ففعلوا ذلك وأصبحت بخارى خاوية؛ على عروشها، وارتكب التتار من الفساد العظيم والناس ينظرون إليهم ولا يستطيعون ردهم. فمنم من لم يرض بذلك واختار الموت وقاتل حتى قتل، ومنهم من استسلم وأسر. وألقوا النار فى البلد والمدارس والمساجد وعذبوا الناس بأنواع العذاب فى طلب الأموال ثم ساروا إلى سمرقند.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع