تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ملكهم مدينة خوارزم

قال شهاب الدين المنشى: كان حصار خوارزم فى ذى القعدة سنة عشرين وستماية، واستيلاؤهم عليها فى صفر. قال: لما انفصل جلال الدين وإخوته عن خوارزم كما ذكرناه فى أخباره، وافى التتار تخومها، وأقاموا بالبعد منها حتى تكاملت عدتهم وآلات الحصار.

ثم تقدموا إليها. فأول من وصل إليها منهم باجى ملك فى عسكر كثيف ثم بعده أوكتاى بن جنكزخان وهو الذى انتهت إليه

القانية فيما بعد ثم سير جنكزخان بعدهم حلقته الخاصة ومقدمها بقرجن نوين وأردفهم بابنه جغطاى ومعه طولن نوين واستون نوين وقاضان نوين فى مائة ألف فارس. وطفقوا يستعدون للحصار ويستعملون آلاته من المجانيق والدبابات وغير ذلك. ولما رأوا خوارزم وبلدها خالية من حجارة المنجنيق وجدوا هناك من أصول التوت الغلاظ ما استعملوه بدلا من الحجارة، فكانوا يقطعونها وينقعونها فى الماء فتصير كالحجارة ثقلا وصلابة، فتعوضوا بها عن الحجارة.

ثم وصل دوشى خان بن جنكزخان إلى بلاد ماوراء النهر فراسلهم فى الأمان وقال: إن جنكزخان قد أنعم عليه بها وأنه لا يؤثر تخريبها ويضن به ويحرص على عماراتها. قال: ومما يدل على ذلك أن العساكر مدة مقامهم بالقرب منها ما تعرضوا إلى الغارات على رساتيقها فمال ذووا النباهة من أهلها إلى المسالمة، فغلب عليهم السفلة وامتنعوا، فعند ذلك ساق إليها دوشى خان، وأخذ يطويها محلة محلة، فكلما أخذ واحدة منها التجأ الناس إلى أخرى، وهم يحاربون أشد حرب إلى أن أعضل الأمر، ولم يبق معهم إلا ثلاث محال تراكمت الناس فيها متزاحمين. فأرسلوا إلى دوشى خان

الفقيه علاء الدين الخياطى محتسب خوارزم- وكان من أهل العلم والعمل- مستعطفا له؛ فأمر دوشى خان باحترامه، وأن تنصب له خيمة. ثم أحضره فأدى رسالته فقال فى جملة ما قال: إننا قد شاهدنا هيبة الخان وقد آن أن نشاهد مرحمته. فاستشاظ غضبا وقال: «ماذا رأوا من هيبتى وقد أفنوا رجالى؟ فأما أنا فشاهدت هيبتهم وها أنا أريهم هييتى.» وأمر بإخراج الناس ونودى فيهم بانفراد أرباب الصنائع وانعزالهم على حدة، فمنهم من فعل ونجا، ومنهم من اعتقد أن أرباب الحرف تساق إلى بلادهم وغيرهم يترك فى وطنه فلم ينفرد، ثم وضع السيف فيهم فقتلوا جميعا وحكى ابن الأثير فى تاريخه الكامل أن التتار بعد ذلك فتحوا السكر الذى يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق جميعه وتهدمت الأبنية ولم يسلم من أهله أحد البتة، فإن الذين اختفوا من التتار غرقهم الماء وقتلهم الهدم. وهذا ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان ولا حديثه.

ثم عاد التتار إلى جنكزخان وهو بالطالقان..

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.