من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
واستهلت سنة تسع عشرة وستمائة
فى هذه السنة- فى أولها- وصل الملك الأشرف إلى القاهرة إلى أخيه الملك الكامل، وأمر بعمارة تربة لوالدته بالقرافة. وعاد فى شعبان من السنة.
وفيها ظهر بالشام جراد كثير، لم يعهد مثله. فأكل الزرع والشجر.
فأظهر الملك المعظم أن ببلاد العجم طائرا، يقال له: السّمرمر يأكل الجراد.
فأرسل الصدر البكرى محتسب دمشق، ورتّب معه صوفيّة، وقال:
تمضى إلى العجم. فهناك عين يجتمع فيها السّمرمر، فتأخذ من مائها قوارير، وتعلقه على رءوس الرماح، فكلما رآه السمرمر يتبعك! وكان قصد الملك المعظم فى إرسال البكرىّ أن يتوجه إلى السلطان:
جلال الدين خوارزم شاه ويتفق معه، لما بلغه إتفاق الملك الكامل والأشرف عليه. فتوجه البكرى، واجتمع بالسلطان جلال الدين، وقرر معه الأمور، وجعله سندا للملك المعظم. وكان الجراد قد قلّ، فلما عاد البكرى كثر وولاه الملك المعظم مشيخة الشيوخ مضافة إلى الحسبة.
وفيها نقل الملك العادل فى تابوته من قلعة دمشق إلى مدرسته، التى أنشأها عند دار العقيقى. وأخرجت جنازته من القلعة، وعليها مرقعته، وأرباب الدولة حوله. ودخلوا من باب البريد إلى الجامع، ووضع فى صحن الجامع، قبالة حائط النّسر. وصلى عليه الخطيب الدّولعى. ثم حملوا جنازته وخرجوا من باب البطّاقين، خوفا من ازدحام الناس فى الطريق. فلم يصل إلى تربته إلا بعد جهد، لضيق المسلك. وتردّد القراء والفقهاء مدة إلى التربة، غدوة وعشية. ولم تكن كملت عمارتها.
ثم درس فيها قاضى القضاة جمال الدين المصرى، قبل كمال عمارتها.
وحضر السلطان الملك المعظّم، وتكلم فى الدرس مع الجماعة.
وكان الإجتماع بالإيوان الشمالى بالمدرسة. وجلس عن يمين السلطان إلى جانبه- الشيخ جمال الدين الحصيرى شيخ الحنفية، ويليه شيخ الشافعية:
الشيخ فخر الدين بن عساكر، ثم القاضى شمس الدين الشّيرازى، ثم القاضى محيى الدين بن الزّكى. وجلس عن يسار السلطان، الى جانبه، مدرّس المدرسة قاضى القضاة، والى جانبه سيف الدين على الآمدى، ثم القاضى شمس الدين يحيى بن سنىّ الدولة، ثم القاضى نجم الدين خليل قاضى العسكر. ودارت حلقة صغيرة، والناس وراءهم متصلون ملء الايوان. وكان فى تلك الحلقة أعيان المدرسين والفقهاء. وقبالة السلطان الشيخ تقىّ الدين بن الصّلاح وغيره. وكان مجلسا جليلا، لم يقع مثله إلا فى سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع