تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أخذ بلاطنس وخبرها

كانت بلاطنس جارية فى مملكة الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، فلما دخل التتار البلاد استولى عليها الأمير مظفر الدين عثمان صاحب صهيون، فطلب السلطان منه رد هذا الحصن، فصار يدافع ويقول: «أنا من جملة النواب». فلما توجه السلطان إلى أنطاكية سير إليه هدية ردها السلطان عليه، وسيّر جماعة من عسكر حلب أغاروا عليها. فتوالت رسله بالإذعان بالتسليم ويطلب قرية توقف عليه، فعين السلطان له قرية الحلمة من بلد شيزر، ووقفها عليه وعلى أولاده، وقرر أن يعطى صاحب بلاطنس شيئا من بلد صهيون فقرر له السلطان منها بلادا تغل ثلاثين ألف درهم، وتسلمت بلاطنس منه فى سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وستين وستمائة.

وهذا الحصن من جملة معاقل الإسلام الحصينة لأنه برى بحرى سهلى، ما أخذ بالسيف قط، بناه رجال يعرفون ببنى الأحمر من أهل الجبال وحصنوه، فلما سمع بهم قطبان أنطاكية المسمى ببقيطا عاجلهم قبل إتمامه فملكه بالأمان، وأخذ فى تحصينه وإتمام بنائه، وذلك فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. فلما كان

فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة، خرج روجار صاحب انطاكية فدوخ بلاد الإسلام، وقصد حصن بلاطنس وفيه بنو ضليعة أولاد أخى القاضى شرف الدين، فنزل على بلاطنس فى يوم الثلاثاء ثامن عشرين ذى الحجة من السنة، وأجلب عليه فتسلمه فى يوم السبت ثانى عشر المحرم سنة ثنتى عشرة، وعوضهم عنه بأنطاكية ثلاث قرى. فلما كان فى يوم السبت سابع وعشرين شعبان سنة ثلاثين وخمسمائة وثب أهل بلاطنس على من فيه من الفرنج فقتلوهم، فاحتمت عليهم القّلة. فأرسل أهل الجبال إلى منكجك التركمانى صاحب بكسرائيل يستنجدونه فأتاهم وأقام يحاصرها مدة. فعمل الفرنج الذين بها حيلة عليه، وراسلوه وبذلوا له تسليمها على شرط أن يخفر نساءهم وأولادهم حتى يصلوا إلى جبلة أو إلى صهيون. فإذا جاءت لهم العلامة بوصولهم سالمين سلموها له، فلما وصلهم امتنعوا من التسليم.

وكان ذلك حيلة منهم، فإن الأقوات ضاقت عندهم وضاقت الغلة عليهم، فاستراحوا بخروجهم عنهم وقويت نفوسهم. واتصل الخبر بأنطاكية فسيروا إليها عسكرا دفعه عنها. واستقرت بأيديهم إلى أن ملكها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على ما قدمناه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.