من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر غزوتى النوبة الأولى والثانية
كانت الغزوة الأولى فى سنة ست وثمانين وستمائة. وذلك أن السلطان الملك المنصور، جهز الأمير علم الدين سنجر المسرورى، المعروف بالخياط، متولى
القاهرة والأمير عز الدين الكورانى، وجماعة من أجناد الولايات، بالوجه القبلى والقراغلامية. وجرد الأمير عز الدين أيدمر السيفى، السلاح دار، متولى الأعمال القوصية، بعدته ومن عنده من المماليك السلطانية، المركزين بالأعمال القوصية، وأجناد مركز قوص، وعربان الإقليلم وهم: أولاد أبى بكر، وأولاد عمر، وأولاد شريف، وأولاد شيبان، وأولاد الكنز، وجماعة من العربان الريسية وبنى هلال. فتوجه الأمير علم الدين الخياط بنصف الجيش من البر الغربى. وتوجه الأمير عز الدين ايدمر بالنصف الثانى من البر الشرقى، وهو الجانب الذى فيه مدينة دنقلة. وكان متملك النوبة فى ذلك الوقت اسمه سمامون، وكان ذادهاء ومكر وبأس، بالنسبة إلى أمثاله.
فلما وصل الجيش إلى أطراف البلاد، أخلا سمامون البلاد، وأرسل إلى نائبه بجزائر ميكائيل وعمل الدّر، وهو جريس - ويسمى من يتولى هذه الولاية، عند النوبة، صاحب الجبل - فأمره بإخلاء البلاد التى تحت يده أمام الجيش.
فكانوا يرحلون أمام الجيش منزلة بمنزلة، إلى أن انتهوا إلى متملك النوبة بدنقلة.
فأقام بها إلى حيث وصل الأمير عز الدين ومن معه، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم سمامون، وقتل من أصحابه خلق كثير. واستشهد من المسلمين أناس قلائل.
ولما انهزم [سمامون]، تبعه الجيش إلى مسيرة خمسة عشر يوما من دنقلة، فادركوا جريس، فأخذوه، وأخذوا ابن خاله متملك النوبة، وهو من أعيان أصحابه، وممن يرجع إليه الملك. فرتب الأمير عز الدين، ابن أخت الملك ملكا، ورتب جريس فى النياية عنه، وجرد معهما جماعة من العسكر، وقدر عليهما قطيعة، يحملونها إلى الأبواب السلطانية فى كل سنة. وعاد الجيش [بعد أن] غنموا غنائم كثيرة من الرقيق، والخيل، والجمال، والأبقار، والأكسية.
ولما فارق الجيش النوبة وعاد، وتحقق سمامون عودهم، رجع إلى دنقلة، وقاتل من بها، وهزمهم واستعاد البلاد. فحضر الملك المستجد وجريس، ومن كان معهما من العسكر المجرد، إلى الأبواب السلطانية، وأنهوا ما اتفق من سمامون. فغضب السلطان لذلك، وجرد جيشا كثيفا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع