من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر فتوح طرابلس الشام (٢)
كان فتح طرابلس، فى الساعة السابعة، فى يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وثمانين وستمائة، عنوة. وذلك أن السلطان الملك المنصور توجه إلى الشام، فى شهر المحرم من هذه السنة، وعزم على غزو طرابلس.
لأن أهلها كانوا قد نقضوا قواعد الصلح، ونكثوا أسباب الهدنة. فكتب
السلطان إلى النواب بالممالك الشامية، والحصون الإسلامية، بتجهيز الجيوش إليها، وإنفاذ المجانيق وآلات الحصار.
ووصل السلطان إلى دمشق، بعساكر الديار المصرية، فى يوم الاثنين ثالث عشر صفر من هذه السنة. وتوجه منها فى العشرين من الشهر، ونازل طرابلس بالجيوش وحاصرها. ووالى الزحف والحصار والرمى بالمجانيق. وعملت النقوب، فنقبت الأسوار، وافتتحت عنوة فى التاريخ المذكور. وكانت مدة المقام عليها، أربعة وثلاثين يوما. وكانت عدة المجانيق التى نصبت عليها، تسعة عشر منجنيقا، وهى فرنجية ستة، [و] قرابغا ثلاثة عشر. وعدة الحجارين والزراقين ألف وخمسمائة نفر.
ولما فتحت المدينة، فرت طائفة من الفرنج إلى جزيرة تعرف بجزيرة النخلة، حيال طرابلس فى البحر، لا يتوصل إليها إلا فى المراكب. فكان من
السعادة الأزلية للمسلمين، أن البحر زجر وانطرد عن طرابلس فظهرت للناس المخائض.
فعبر الفارس والراجل إلى هذه الجزيرة، وأسروا وقتلوا من فيها، وغنموا ما كان معهم. وكان جماعة من الفرنج قد ركبوا فى مركب وتوجهوا، فألقتهم الريح إلى الساحل، فأخذهم الغلمان والأوشاقية. وقتل منهم خلق كثير وغنم المسلمون غنائم كثيرة.
وكان السلطان أمر بإبقاء المدينة، وإنزال الجيش بها. فأشير عليه أن هدمها أولى من بقائها، فأمر بهدمها فهدمت. وكان عرض سورها بمقدار ما يسوق عليه ثلاثة فرسان بالخيل. ووصل إلى الزرد خاناة السلطانية من الأسرى، ألف أسير ومائتا أسير. واستشهد عليها من المسلمين ممن يعرف، الأمير عز الدين معن، والأمير ركن الدين منكورس الفارقانى، ومن الحلقة.
خمسة وخمسون نفرا، رحمهم الله تعالى.
وحكى الشيخ قطب الدين اليونينى فى تاريخه قال: ولما فتح السلطان طرابلس، تسلم أنفة، وأمر بإخراب حصنها، وكان حصنا منيعا. وأبقى على أخت البرنس صاحب طرابلس قريتين من قراها.
قال، وحضر إلى السلطان، وهو بظاهر طرابلس ولد سيركى صاحب جبيل، وكان صاحب طرابلس قتل أباه فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. فخلع السلطان عليه، وأقر جبيل عليه، على سبيل الإقطاع، وأخذ منه معظم أموالها.
وتسلم السلطان البترون، وجميع ما بتلك الخط من الحصون والمعاقل. ثم عاد السلطان بعد النصر إلى دمشق، وكان من خبره ما نذكره، إن شاء الله تعالى فى حوادث السنين.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع