تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر وفاة قاضى القضاة بهاء الدين بن الزكى وشىء من أخباره

وفى هذه السنة، فى يوم الاثنين، حادى عشر ذى الحجة، توفى بدمشق قاضى القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف، ابن قاضى القضاة محيى الدين أبى الفضل يحيى، ابن قاضى القضاة محيى الدين أبى المعالى محمد، ابن قاضى القضاة، ركن الدين أبى الحسن على ابن قاضى القضاة، مجد الدين أبى المعالى محمد ابن قاضى القضاة ركن الدين أبى الفضل يحيى بن على بن عبد العزيز العثمانى الأموى القرشى، المعروف بابن الزكى، قاضى قضاة الشافعية بدمشق. اجتمع فيه وله ما لم يجتمع فى غيره، ولا له. كان من أحسن الناس صورة،

وأكملهم قواما، وهيئة وهيبة. وكان من العلماء الفضلاء فى المذهب وعلم الأصولين والعربية، والمنطق، وعلم الكلام، والحساب، والفرائض، والنظم، وعلم البيان، وحل المترجم، والكتابة الجيدة الحسنة، مع الذكاء المفرط. وكان له دنيا عريضة من المال والعقار. وكانت داره بباب البريد، من أحسن الدور بدمشق وبستانه بالسهم الأعلى من أصح الغوطة وأطيبها هواء. وضيعته الملك قرية الميدانية، من غوطة دمشق. [وكانت] زوجته من أحسن النساء صورة و [كان] أولاده تامّين الصورة. وجمع له من المدارس بدمشق أجلها، وهى العزيزية والتقوية والفلكية والعادلية والمجاهدية والكلّامسة وغيرها. وأنظار أوقاف كثيرة، وقضاء قضاة دمشق وسائر أوقافها. فلما كمل له ذلك. أتاه الموت الذى لا حيلة فيه ولا دافع له، رحمه الله تعالى.

وفيها، توفى الأديب الفاضل، الشاعر المجيد، شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن يوسف بن أحمد الأنصارى اليمنى المحتد المصرى الدار والمولد، الشافعى الصوفى، المعروف بابن الخيمى، الشاعر المشهور، المبرز على نظرائه. وكانت وفاته بالقاهرة المعزية، بمشهد الحسين، فى التاسع والعشرين من شهر رجب الفرد، سنة خمس وثمانين وستمائة. ومولده تخمينا فى سنة اثنتين

وستمائة. روى عن ابن باقا، وسمع من ابن البنا وغيره، وحدّث. وكان يعانى الخدم الديوانية، وله نظم كثير جيد. فمنه قصيدته المشهورة البائية، التى ادعاها الشيخ نجم الدين بن اسرائيل. وقد رأينا أن نذكر هذه القصيدة، وما وقع فى أمرها، وما قيل فى وزنها ورويها، وكيف حكم بها للمذكور. وأول القصيدة:

يا مطلبا ليس لى فى غيره أربإليك آل التقصى وأنتهى الطلب
وما طمحت لمرأى أو لمستمعإلا لمعنى إلى علياك ينتسب
وما أرانى أهلا أن تواصلنىحسبى علوا، بأنى فيك مكتيب
لكن ينازع شوقى تارة أدبىفأطلب الوصل، لما يضعف الأدب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
ولست أبرح فى الحالين ذا قلقباد وشوق له فى أضلعى لهب
وناظر كلما كفكفت أدمعهصونا لحبك يعصينى وينسكب
ويدعى فى الهوى دمعى مقاسمتىوجدى وحزنى ونجوى وهو مختضب
كالطرف يزعم توحيد الحبيب ولايزال فى ليله للنجم يرتقب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
يا صاحبى قد عدمت المسعدين فماعدنى على وصبى لا مسّك الوصب
بالله إن جزت كثبانا بذى سلمقف بى عليها، وقل لى هذه الكتب
ليقضى الخد فى أجراعها وطرامن تربها وأؤدى بعض ما يجب
ومل إلى البان من شرقى كاظمةفلى إلى البان من شرقيها طرب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
وخذ يمينا لمغنى تهتدى بشذانسيمه الرطب إن ضلت بك النجب
حيث الهضاب وبطحاها يروضهادمع المحبين لا الأنداء والسحب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
اكرم به منزلا تحميه هيئتهعنى وأنواره لا السمر والقضب
دعنى أعلل نفسا عزّ مطلبها فيهـ، وقلبا لعذر ليس ينقلب
ففيه عاهدت قدما حب من حسنتبه الملاحة واعتزت به الرتب
دان وأدنى وعز الحسن يحجبهعنى وذلى والإجلال والرهب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
أحيا إذا مت من شوق لرؤيتهلأننى لهواه فيه منتسب
ولست أعجب من حبى وصحتهمن صحتى إنما سقمى هو العجب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
يا لهف نفسى لو يحدى تلهفهاعونا ووا حربا، لو ينفع الحرب
يمضى الزمان وأشواقى مضاعفةيا للرجال ولا وصل ولا سبب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
هبت لنا نسمات من ديارهملم يبق فى الركب من لا هزه الطرب
كدنا نطير سرورا من تذكرهمحتى لقد رقصت من تحتنا النجب
يا بارقا بأعالى الرقمتين بدالقد حكيت ولكن فانك الشنب
أما خفوق فؤادى فهو عن سببوعن خفوقك قل لى ما هو السبب
ويا نسيما سرى من جو كاظمةبالله قل لى كيف البان والعذب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
وكيف جيرة ذاك الحى هل حفظواعهدا أراعيه إن شطوا وإن قربوا
أم ضيعوا ومرادى منك ذكرهمهم الأحبة إن أعطوا وإن سلبوا
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
إن كان يرضيهم ابعاد عبدهمفالعبد منهم بذاك البعد مقترب
والهجر إن كان يرضيهم بلا سببفإنه من قبيل الوصل محتسب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة

ولما بلغت هذه القصيدة نجم الدين محمد بن إسرائيل، ادعاها لنفسه.

فاجتمع هو وابن الخيمى بعد ذلك بحضرة جماعة من الأدباء، وجرى الحديث فى ذلك، فأصر ابن إسرائيل على أنهاله. فتحا كما إلى الشيخ شرف الدين عمر ابن الفارض، ﵀، وكان يومئذ هو المشار إليه فى معرفة الأدب ونقد الشعر. فأشار أن ينظم كل واحد منهما أبياتا على الوزن والروى فنظم ابن الخيمى:

لله قوم بجرعاء الحمى غيبجنوا علىّ، ولما أن جنوا عتبوا
يا قوم هم أخذوا قلبى فلم سخطواوانهم غصبوا عيشى هام غضبوا
هم العريب بنجد مذ عرفتهملم يبق لى معهم مال ولا نسب
شاكون للحرب لكن من قدودهموفاترات اللحاظ السمر والقضب
فما ألموابحى أو ألم بهمإلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا
عهدت فى دمن البطحاء عهد هوىإليهم وتمادت بيننا حقب
فما أضاعوا قديم العهد بل حفظوالكن لغيرى ذاك العهد قد نسبوا
من منصفى من لطيف فيهم غنجلدن القوام لاسرائيل ينتسب
مبدل القول ظلما لا يفى بمواعيد الوصال ومنه الذنب والغضب
فى لثغة الراء منه صدق نسبتهوالمّن منه برور الوعد والكذب
موحد فيرى كل الوجود لهملكا ويبطل ما يقضى به النسب
فعن عجائبه حدث ولا حرجما ينتهى فى المليح المطلق العجب
بدر ولكن هلالا لاح اذهوبالوردىّ من شفق الخدين منتقب
فى كاس مبسمه من حلو ريقتهخمر ودر ثناياه بها حبب
فلفظه أبدا سكران يسمعنامن معرب اللحن ما ينسى له الأدب
تجنى لواحظه فينا ومنطقهجنايه يجتنى من مرّها الضرب
قد أظهر السحر فى أجفانه سقماالبرء منه إذا ما شاء والعطب
حلو الأحاديث وألفاظ ساحرهاتلقى إذا نطق الألواح والكتب
لم يبق منطقه قولا يروق لنالقد شكت ظلمه الأشعار والخطب
فداؤه ما جرى فى الدمع من مهجوما جرى فى سبيل الحب محتسب
ويح المتيم شام بارق من أضمفهزه كاهتزاز البارق الحرب
واسكن البرق من وجد ومن كلففى قلبه فهو فى أحشائه لهب
فكلما لاح منه بارق بعثتقطر المدامع من أجفانه سحب
وما أعادت نسيمات الغوير لهأخبار ذى الأثل إلا هزهّ الطرب
واها له أعرض الأحباب عنه وماأجدت وسائله الحسنى ولا القرب

ونظم الشيخ نجم الدين محمد بن اسرائيل [رحمه الله تعالى].

لم يقض من حبكم بعض الذى يجبقلب متى ما جرى تذكاركم يجب
ولى، وفىّ لرسم الدار بعدكمدمع متى جاد ضنت بالحيا السحب
أحبابنا والمنى تدنى مزاركموربما حال من دون المنى الأدب
ما رابكم من حياتى بعد بعدكموليس لى فى حياة بعدكم أدب
قاطعتمونى فأحزانى مواصلةوحلتم فحلالى فيكم التعب
[رحتم بقلبى وما كادت لتسلبهلولا قدودكم الخطّية السلب]
يا بارقا ببراق الحزن لاح لناأأنت أم أسلمت أقمارها النقب
ويا نسيما سرى والعطر يصحبهأجزت حين مشين الخرد العرب

أقسمت بالمقسمات الزّهر يحجبها»

سمر العوالى والهندية القضب

لكدت تشبه يرقا من ثغورهممادر دمعى لولا الظلم والشنب
وجيرة جار فينا حكم معتدلمنهم ولم يعتبوا لكنهم عتبوا
ما حيلتى قربونى من محبتهموحال دونهم التقريب والخبب

وعرضتا على الشيخ شرف الدين بن الفارض. فأنشد مخاطبا لابن اسرائيل عجز بيت من أبيات ابن الخيمى:

لقد حكيت ولكن فاتك الشنب

وحكم بالقصيدة لابن الخيمى. واستحسن بعض من حضر المجلس من الأدباء أبيات ابن اسرائيل، وقال: من ينظم مثل هذه الأبيات، ما الحامل له على ادعاء ما ليس له؟. فقال ابن الخيمى: هذه سرقة عادة، لا سرقة حاجة.

وانفصل المجلس. وفارق الشيخ نجم الدين بن إسرائيل من وقته الديار المصرية، وتوجه إلى الشام. ولما بلغت هذه الواقعة القاضى شمس الدين أحمد بن خلكان وهو إذ ذاك يتولى نيابة الحكم بالقاهرة، خلافة عن قاضى القضاة بدر الدين السنجارى، رحمهما الله تعالى، أرسل إلى الشيخ شهاب الدين ابن الخيمى، يطلب منه الأبيات التى نظمها، وادعاها ابن اسرائيل، فذيلها بأبيات وهى:

إن كان يرضيهم إبعاد عبدهمفالعبد منهم بذاك البعد مقترب
والهجر إن كان يرضيهم بلا صببفإنه من لذيذ الوصل محتسب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
وإن هم احتجبوا عنى فإن لهمفى القلب مشهور حسن ليس يحتجب
قد نزه اللطف والإشراق بهجتهعن أن تمنعها الأصتار والحجب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
لا ينتهى نظرى منهم إلى رتبفى الحسن إلا ولاحت فوقها رتب
وكلما لاح معنى من جمالهملبّاه شوق إلى معناه منتسب
للشاعر ابن خاتمة الأندلسي، اقرأ القصيدة
أظل دهرى ولى من حبهم طربومن أليم اشتياقى نحوهم حرب
فالقلب يا صاح منى بين ذاك وذاقلب لمعروف شمس الدين منتهت
إن الحديث شجون فاستمع عجباحديث ذا الحبر حسنا كله عجب

وشرع فى مدحه وذكر أوصافه. إلى نهاية سبعة وثلاثين بيتا، تركنا ايراد بقيتها اختصارا. وشعره، رحمه الله تعالى، كثير جيد مشهور. فلنرجع إلى سياق أخبار الدولة المنصورية.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.