من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وصول صاحب حصن كيفا [٤] إلى الأبواب السلطانية، وعوده إلى بلاده، وخبر مقتله وملك أخيه
وفى يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية فى قلعة الجبل المحروسة الملك الصالح صلاح الدين يوسف بن
الملك الكامل سيف الدين أبى بكر شادى ابن الملك الموحّد تقى الدين عبد الله بن الملك المعظم غياث الدين طورانشاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وهو صاحب حصن كيفا.
وكان سبب حضوره أنه أقام مدة سنين لا ينزل من الحصن إلى نواب الملك أبى سعيد إذا حضروا إلى البلاد على جارى عاداتهم، بل يرسل إليهم الهدايا والتقادم الجارية بها العادة، وتحصن بالحصن، ثم شرع بنهب من ينفرد من التتار، ويتعرض إلى إقطاع الأمير الذى أقطع له أعمال حصن كيفا، فشكاه الأمير المقطع إلى الملك أبى سعيد، وقال: إنه يأخذ أكثر ما يتحصل من إقطاعه، وأنهى إلى الملك أنه عصى بالحصن، وأنه لا ينزل إلى نائب الملك إذا وصل، فكتب أبو سعيد إلى نائبه فى تلك الجهة يستعلم منه: هل هو فى الطاعة على عادته أو خرج عنها؟ فأجابه النائب أنه على عادته فى الطاعة، وأنه ينزل إليه إذا حضر إلى جهة الحصن، وأرسل النائب إلى الملك الصالح المذكور يعرفه ما ورد عليه، وما أجاب به، وقدم إليه تقادم كثيرة بسبب ذلك، وواعده أنه إذا وصل إلى الحصن ينزل إليه، ثم خاف على نفسه أنه إن نزل إليه قبض عليه، فحضر إلى الأبواب السلطانية، وأشاع أنه إنما حضر بسبب الحج. أخبرنى بذلك المحقق للحال، وهو الأمير علاء الدين على بن الملك الموحّد، وهو عم الملك الصالح.
ولما وصل الملك الصالح إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية شمله الإنعام السلطانى بتشريف طردوحش بقصب وكلّوته بزركش، وحياصة ذهب،
وثلاثين ألف درهم، ورسم له بعوده إلى مملكته بحصن كيفا، وكتب على يده كتابا إلى الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد يتضمن الوصية به، والإحسان إليه، وأعاده فى العشر الأوسط من الشهر على خيل البريد إلى دمشق المحروسة، وتوجه/ منها على خيله بمن حضر معه من إلزامه، وكتب السلطان إلى نائب السلطنة بحلب المحروسة أن يجرد معه من العسكر الحلبى خمسمائة فارس ومائتى فارس من العربان- من كلاب- إلى أن يصل إلى مأمنه، فتوجهوا معه إلى أن شارف بلاده وأعادهم وحال وصوله إلى الحصن وثب عليه أخوه شقيقه الملك العادل محيى الدين فقتله، وملك الحصن بعده، وكتب إلى الملك أبى سعيد، وأنهى إليه أنه إنما قتله لأنه كان باغيا، وتوجه إلى الديار المصرية، وحضر إلى البلاد بعسكر، وقصد إفساد البلاد، فأقره الملك أبو سعيد على الحصن، وطالع الملك العادل محيى الدين هذا الأبواب السلطانية [بذلك]، واعتذر عن قتله، وجهّز مختصرا يتضمن سوء سيرته، وطالع نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس أيضا بمثل ذلك، وسأل الصفح عنه فيما فعل، وأنه إنما قتل لسوء سيرته، ومن قتله من أهله، فسكن الحال فى ذلك.
وفيها فى يوم الخميس خامس شوال توجه الأمير سيف الدين أرغن الناصرى نائب السلطنة الشريفة إلى الحجاز الشريف هو وأولاده وابنة السلطان زوجة ولده، الأمير سيف الدين وأولاده، وكان استقلال ركابه من قلعة الجبل فى الثالثة من هذا اليوم.
وفيها- فى يوم الجمعة خامس ذى القعدة- قرىء بالجامع على المنابر بالقاهرة ومصر مثال شريف سلطانى، مضمونه الإعفاء من المظالم، وطرح الأصناف على التجار والمبعثين، ومنع الولاة من الضرب بالمقارع، وإبطال المقدمين من أبواب الولاة.
/
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع