تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبر إجراء الماء إلى مكة شرفها الله تعالى

وفى هذه السنة أجريت عين إلى مكة شرفها الله تعالى، وكان وصول الماء إليها فى الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وسبعمائة وذلك أن الأمير جوبان/ نائب الملك أبى سعيد صاحب العراقين وخراسان اهتم بهذا الأمر اهتماما عظيما، وأرسل بعض التجار بجملة كثيرة من المال، يقال: إنه نحو ثلاثمائة ألف درهم، فبذلها فى إجراء الماء إلى مكة، ويسر الله تعالى ذلك له، وحصل الظفر بآثار العيون القديمة التى كانت أجريت فيما سلف من السنين، وقطع التراب الذى كان يمنع جريان الماء، ونظف فجرت العين بماء كثير.

وهذه العين قد كانت قديمة، وقد ذكر الشيخ أبو الوليد محمد بن [عبد الله] الأزرقى فى (أخبار مكةما أجرى فى الحرم من العيون، فقال:

ما ملخصه - وبعضه بمعناه-: أن رجلا من بنى سليم قال لعمر بن الخطاب

رضى الله عنه بمكة: يا أمير المؤمنين، أقطعنى حيف الأرين حتى أملأه عجوة، فقال له عمر: نعم، فبلغ ذلك أبا سفيان بن حرب، فقال: دعوه فليملأه ثم لينظر [أينا يأكل جناه]، فبلغ ذلك السلمى فتركه، فكان أبو سفيان يدعيه، ثم كان معاوية هو الذى عمله وملأه عجوة، وذلك أنه أجرى فى الحرم عيونا عشرة، واتخذ لها أخيافا، فكانت حوائط فيها النخل والزرع، ذكرها أبو الوليد فى كتابه، قال أبو الوليد: واتخذت بعد ذلك ببلدح عيون سواها، ومنها: عين سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ببلدح، وحائط سفيان، والخيف الذى أسفل منه.

قال ثم انقطعت عيون معاوية تلك وذهبت، فأمر أمير المؤمنين/ هارون الرشيد بعيون منها فعملت وأحييت وصرفت فى عين واحدة يقال لها الرشاد؛ لتسكب فى المأجلين اللّذين أحدثهما الرشيد بالمعلى، ثم تسكب فى البركة التى عند المسجد الحرام، ثم كان الناس بعد تقطع هذه العيون فى شدّة الماء، وكان أهل مكة والحاج يلقون من ذلك المشقة، حتى أن الرواية لتبلغ فى الموسم عشرة دراهم وأكثر وأقل.

فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبى الفضل جعفر بن المنصور، فأمرت فى سنة أربع وتسعين ومائة بعمل بركتها التى بمكة، فأجرت لها عينا من الحرم، فجرت بماء قليل لم يكن فيه رى لأهل مكة، وغرمت فى ذلك غرما عظيما، فبلغها ذلك، فأمرت [جماعة من] المهندسين أن يجروا/ لها عيونا من الجبل، فأرسلت بأموال عظيمة، ثم أمرت من نزف عينها الأولى، فوجدوا فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها، وأبطلت تلك العين، وعملت هذه العين بأحسن ما يكون من العمل، حتى بلغت ثنية جبل، وإذا الماء لا يظهر فى

ذلك الجبل إلا بعمل شديد، وضرب فى الجبل، فأمرت بالجبل فضرب فيه، وأنفقت فى ذلك من الأموال ما لا يمكن أن تطيب به نفس كثير من الناس حتى أجراها الله ﷿ لها، وأجرت فيها عيونا من الحلّ منها: عين من المشاش واتخذت لها بركا تجتمع فيها السيول إذا جاءت، ثم أجرت لها عيونا من حنين، واشترت/ حائط حنين، فصرفت عينه إلى البركة، وجعلت حائطه سدا يجتمع فيه السيل، فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها.

قال: ثم إن أمير المؤمنين أمر صالح بن العباس فى سنة عشرين ومائتين أن يتخذ لها بركا من السوق خمسا، لئلا يتعنّى أهل أسفل مكة والثّنيّة وأجيادين والوسط إلى بركة أم جعفر، فأجرى عينا من بركة البطحاء عند شعب ابن يوسف من وجه دار ابن يوسف، ثم تمضى إلى بركة عند الصّفا، ثم تمضى إلى بركة عند الحنّاطين، ثم تمضى إلى بركة بفوّهة سكة الثنية دون دار أويس، ثم تمضى إلى بركة عند سوق الحطب بأسفل مكة، ثم تمضى فى سرب ذلك إلى مأجل أبى صلاية، ثم إلى المأجلين اللذين فى حائط ابن طارق بأسفل مكة، فهذه العين التى أجريت الآن إنما هى من ذلك الأصل القديم.

وكان السلطان الملك الناصر قد عزم على إجراء هذه العين، فصرفه بعض أرباب الأمر من أتباعه عنها، وقال: «إن هذا متعذر الإمكان» فلما أجريت الآن تألّم السلطان من كون هذه الحسنة العظيمة لم تجر على يديه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.