من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المقصد الأول في بيان وجه احتياج الكاتب إلى ذلك
قال في «حسن التوسل»: لا بد للكاتب من حفظ الكثير من الأحاديث النبوية، والآثار المروية عن الصحابة رضوان الله عليهم؛ وخصوصا في السير، والمغازي، والأحكام؛ وتأمل فصاحتها، والنظر في معرفة معانيها وغريبها، وفقه ما لا بد من معرفته من أحكامها لينفق منها على سعة، ويستشهد بكل شيء في موضعه، ويحتج بمكان الحجة، ويستدل بموضع الدليل، ويتصرف عن علم بموضوع اللفظ ومعناه، ويبني كلامه على أصل لا يزلزل، ويسوق مقاصده إلى سبيل لا يضل عنه، فإن الدليل على المقصد إذا استند إلى النص قويت فيه الحجة، وسلم له الخصم، وأذعن له المعاند؛ والفصاحة والبلاغة
إذا طلبت غايتها فإنها بعد كتاب الله في كلام من أوتي جوامع الكلم وقال:
«أنا أفصح من نطق بالضاد».
وقد كان الصدر الأول من الصحابة والتابعيين ﵃ يحتجون بالحديث، ويستدلون به في مواطن الخلاف والنزاع، فينقاد الجموح ويستسهل الصعب، وقد رجع الأنصار يوم السقيفة إلى حديث «الأئمة من قريش» حيث رواه لهم أبو بكر الصديق ﵁، وأذعنوا له، وبايعوه بعد ما اجتمعوا إلى سعد بن عبادة وقالوا: «منا أمير ومنكم أمير». على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله. ورجع عمر ﵁ لحديث النهي عن دخول بلد الطاعون فعاد إلى المدينة بعد أن قارب الشام حين بلغه أن به الطاعون. وقال علي ﵁ في حق الأنصار: «لو زالوا لزلت معهم» لقول رسول الله ﵌: «أزول معكم حيث ما زلتم».
ثم الذي أشار إليه ابن قتيبة في «أدب الكاتب» أن الأحاديث التي ينبغي للكاتب حفظها الأحاديث المتعلقة بالفقه وأحكامه: كقوله ﵌: «البينة على المدعي. واليمين على المدعى عليه. والخراج بالضمان. وجرح العجماء جبار. ولا يغلق الرهن. والمنحة مردودة. والعارية مؤداة.
والزعيم غارم. ولا وصية لوارث. ولا قطع في ثمر ولا كثر. ولا قود إلا بحديدة. والمرأة تعاقل»
الرجل إلى ثلث ديتها. ولا تعقل العاقلة عمدا ولا
عبدا ولا صلحا ولا اعترافا. ولا طلاق في إغلاق، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا. والجار أحق بصقبه. والطلاق بالرجال والعدة بالنساء. وكنهيه في البيوع عن المخابرة والمحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والثنيا، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما لم يقبض، وعن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف، وعن بيع الغرر وبيع المواصفة، وعن الكاليء بالكاليء، وعن تلقي الركبان، وما أشبه ذلك ليغتني بحفظها وتدبر معانيها عن إطالات الفقهاء».
قلت: والتحقيق أن حاجة الكاتب لا تختص بأحاديث الأحكام ودلائل الفقه، بل تتعلق بما هو أعم من ذلك خصوصا الحكم والأمثال والسير وما
أشبه ذلك مما يكثر الاستشهاد به في الكتابة والاقتباس من معانيه. قال في «المثل السائر»: وينبغي أن يكون أول ما يحفظه من الأخبار ما تضمنه كتاب «الشهاب في المواعظ والآداب» للقضاعي، فإنه كتاب مختصر وجميع ما فيه يستعمل لأنه يتضمن حكما وآدابا، فإذا حفظته وتدربت باستعماله، حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما يدخل في الاستعمال وما لا يدخل، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري، ومسلم، والموطأ، والترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وغيرها من كتب الحديث؛ وتأخذ ما تحتاج إليه «وأهل مكة أخبر بشعابها». قال: والذي تأخذه إن أمكنك درسه وحفظه فهو المراد لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة؛ وإن كان لك محفوظات كثيرة: كالقرآن الكريم، ودواوين كثيرة من الشعر، وما ورد من الأمثال السائرة، وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه وما يأتي ذكره، فعليك بمداومة المطالعة للأخبار، والإكثار من استعمالها في كلامك، حتى ترتقم على خاطرك فتكون إذا احتجت منها إلى شيء وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالا، فتأمل ذلك واعمل به. ثم قال: وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر تدخل كلها في الاستعمال، وما زلت أواظب مطالعته مدة تزيد على عشر سنين، فكنت أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة وصار محفوظا لا يشذ منه عني شيء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع