من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المقصد الثالث في كيفية استعمال الكاتب ذكر هذه الوقائع في كلامه
لا يخفى أن الكاتب المترشح للكتابة إذا كان من المعرفة بأيام الحرب، والعلم بتفاصيل أخبارها، ومن يعدّ من فرسان حروبها، ومصاقع خطبائها، ومفلقي شعرائها، وما جرى بينهم في ذلك من الخطب والأشعار والمناقضات، كان مستعدّا لما يستشهد به من واقعة قديمة، أو يرد عليه في مكاتبة، أو شعر: من ذكر أيام مشهورة، أو ذكر فارس معيّن؛ كما قال أبو تمام الطائي يمدح بني شيبان:
إذا افتخرت يوما تميم بقوسهاوزادت على ما وطّدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكمعروش الّذين استرهنوا قوس حاجب
يشير إلى أن حاجب بن زرارة التميميّ وفد على كسرى في سنة جدب، فقال الحاجب من أنت؟ قال رجل من العرب، فلما دخل على كسرى قال له من أنت؟ قال سيد العرب؛- قال ألم تقل بالباب إنك رجل من العرب-؟ قال كنت بالباب رجلا منهم فلما حضرت بين يدي الملك سدتهم؛ فملأ فمه درّا، وشكا إليه محل الحجاز، وطلب منه حمل ألف بعير برّا، على أن يعيد قيمتها،- فقال وما ترهنني على ذلك؟ قال قوسي، فاستعظم همته وقال قبلت، وأعطاه حمل ألف بعير برّا، ومات حاجب فأحضر بنوه المال بعد موته وطلبوا منه قوس أبيهم فافتخرت تميم بذلك. فأشار أبو تمام في بيتيه إلى هذه المنقبة، يقول: يا بني شيبان في يوم ذي قار أبدتم جيوش كسرى الذي استرهن قوس حاجب.
وكما قال أبو نصر «الفتح بن خاقان» في خطبة كتابه «قلائد العقيان»: لو جاوره كليب ما طرق حماه، أو استجار به أحد من الدهر حماه، أو كان بوادي الأخرم، لطاف به ربيعة وأحرم، أو استنجده الكنديّ ما كساه الملاءة، أو كان حاضرا بسطام لما خرّ على الألاءه.
وكما قلت في المفاخرة بين السيف والقلم عند التعرض لذكر المقرّ الزيني أبي يزيد الدوادار الذي من أجله وضعت «فلو لقيه فارس عبس لولّى عابسا. أو طرق حمى كليب لبات من حماه آيسا، أو قارعه ربيعة بن مكدّم لعلا بالسيف مفرقه، أو نازله بسطام لبدّد جمعه وفرّقه».
إلى غير ذلك مما يجري هذا المجرى وينتظم في هذا السلك.
قال في «حسن التوسل»: وإذا لم يكن صاحب هذا الفن عارفا بكل يوم من هذه الأيام، عالما بما جرى فيها، لم يدر كيف يجيب عما يرد عليه من مثلها، ولا ما يقول إذا سئل عنها. قال: وحسبه ذلك نقصا في صناعته، وقصورا عما يتعين عليه من معرفته وحسن الجواب عنه عند السؤال عنه.
وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام فقد قال الوزير «ضياء الدين بن الأثير» ﵀ في «المثل السائر»: إنها كالأمثال في الاستشهاد بها وذكر لها أمثلة، منها قوله من كتاب: ولا يعدّ البرّ برّا حتّى يلحق الغيّب بالحضور، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور؛ فزنة الغائب بالشاهد من
كرم الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله عن يمين عثمان. يشير إلى أنّ النبي ﵌، في بيعة الحديبية كانّ قد أرسل عثمان بن عفّان ﵁ إلى مكة في حاجة، ولم يحضر البيعة، فضرب رسول الله ﵌، بيده الشّمال على اليمين وقال «هذه عن عثمان وشمالي خير من يمينه».
ومنها قوله من تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة: «وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدإ حاله، فإن الأحوال تنتقل بنقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالرّبيع بن زياد.
يشير بذلك إلى أنّ عمر بن الخطاب ﵁ استدعى أبا موسى الأشعريّ ومن يليه من العمال وكان منهم الربيع بن زياد الحارثيّ، فذهب الربيع بن زياد إلى بعض موالي عمر وسأله عما يروج عنده وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش فمضى، ولبس جبّة صوف، وعمامة رثاء، وخفّا مطابقا، وحضر بين يديه في جملة العمّال، فصوّب عمر نظره وصعّده فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم أوصى أبا موسى الأشعريّ به.
ومنها قوله في معارضة كتاب القاضي الفاضل إلى ديوان الخلافة يعدّد فيه مساعي الملك الناصر «صلاح الدين يوسف بن أيوب» وما قاساه في الفتوح من الأهوال وهو: ومن جملتها ما فعل الخادم في الدولة المصرية، وقد قام بها منبر وسرير، وقالت منا أمير ومنكم أمير، فردّ الدّعوة العباسيّة إلى معادها،
وأذكر المنابر ما نسيته بها من زهو أعوادها. يشير بذلك إلى ما تقدّم من اجتماع الأنصار في اليوم الذي مات فيه النبي ﵌، في سقيفة بني ساعدة إلى سعد بن عبادة، وكيف ذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، وقال الحباب بن المنذر: منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: لا، ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء. إلى غير ذلك مما يجري هذا المجرى وينتظم في هذا السّلك:
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع