تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الصنف الأوّل الريح

وهي مؤنثة، يقال هبّت الريح تهبّ هبوبا، وتجمع على رياح، وقد دل الاستقراء على أنها حيث وردت في القرآن الكريم في معرض العذاب، كانت بلفظ الإفراد، وحيث وردت في معرض الرحمة كانت بلفظ الجمع. قال تعالى في جانب العذاب: فأرسلنا عليهم الرّيح العقيم وقال: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً

وقال في جانب الرحمة: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ

رَحْمَتِهِ

وقال جلّت قدرته: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً

إلى غير ذلك من الآيات. ومن ثمّ كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّت الريح قال: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» وقد ورد القرآن الكريم بأن الله تعالى هو الذي يرسلها، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً

وذهبت الفلاسفة إلى أنها تحدث عن الطبيعة، وأن سبب ذلك دخان يرتفع من الأرض فيضربه البرد في ارتفاعه فيتنكّس ويتحامل على الهواء ويحرّكه الهواء بشدّة فيحصل الريح.

وأصول الرياح أربعة:

الأولى «الصّبا»: وهي التي تأتي من المشرق، وتسمّى القبول أيضا، لأنها في مقابلة مستقبل المشرق.

قال في صناعة الكتّاب: وأهل مصر يسمونها الشرقية، لأنها تأتي من مشرق الشمس، وهي التي نصر بها النبيّ ﷺ يوم الأحزاب كما أخبر ﷺ بقوله:

«نصرت بالصّبا».

الثانية «الدّبور»: ومهبّها من مغرب الشمس إلى حدّ القطب الجنوبيّ، وسميت الدّبور لأن مستقبل المشرق يستدبرها، وتسمّى الغربية لهبوبها من جهة المغرب، وبها هلكت عاد كما أخبر ﵇ بقوله: «وأهلكت عاد بالدّبور».

الثالثة «الشّمال»: ويقال فيها شمال وشمأل وشامل وشأمل مهموزا وغير مهموز؛ ومهبّها من حدّ القطب الشماليّ إلى مغرب الشمس، وسميت شمالا لأنها على شمال من استقبل المشرق.

قال في صناعة الكتّاب: وتسمى البحرية لأنها يسار بها في البحر على كل حال.

الرابعة «الجنوبية»: ومهبّها من حدّ القطب الأسفل إلى مطلع الشمس وتسمّى بالديار المصرية: القبليّة، لأنها تأتي من القبلة فيها، وتسمّى بها أيضا المريسيّة لأن في الجهة القبلية بلاد المريس، وهم ضرب من السّودان، وهي أردأ الرياح عند أهل مصر. وقال النحاس: وكل ريح جاءت من مهبّي ريحين تسمّى النّكباء، سميت بذلك لأنها نكبت عن مهابّ هذه الرياح وعدلت عنها.

قال في «فقه اللغة»: وإذا جاءت بنفس ضعيف وروح فهي النسيم، وإن ابتدأت بشدّة قيل لها: النافجة؛ فإن حركت الأغصان تحريكا شديدا وقلعت الأشجار قيل: زعزع؛ فإن جاءت بالحصباء قيل: حاصبة؛ فإذا هبّت من الأرض كالعمود نحو السماء قيل لها: إعصار. وقد ورد بها القرآن في قوله تعالى:

فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ

والعامّة تسميها: الزّوبعة، ويزعمون أن الشيطان هو الذي يثيرها، ومن ثمّ سماها الترك نعيم بك يعني الشيطان؛ فإذا كانت باردة، فهي: الصّرصر. وقد وقع ذكرها في قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً

، فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا، فهي العقيم. وقد قال تعالى في قصة عاد: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ

كانت لا مطر فيها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.