من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الرواية الثانية- ما روي عن العرب العاربة
، وهو أنهم كانوا يقولون في المحرّم: المؤتمر أخذا من أمر القوم إذا كثروا بمعنى أنهم يحرّمون فيه القتال فيكثرون. وقيل أخذا من الائتمار بمعنى أنه يؤتمر فيه بترك الحرب، ويجمع على مؤتمرات ومآمر ومآمير. ويقولون في صفر: ناجر إما من النّجر والنّجار (بفتح النون وكسرها) الأصل، بمعنى أنه أصل للحرب لأنه يبتدأ فيه بعد المحرم؛ وإما من النّجر وهو السّوق الشديد. لشدة سوقهم الخيل إلى الحرب فيه، وإما من النجر، وهو شدّة الحرّ لشدة حرارة الحرب فيه، ويجمع على نواجر. ويقولون في شهر ربيع الأوّل: خوّان (بالخاء المعجمة) لأن الحرب تشتدّ فيه فتخونهم فتنقصهم، ويجمع على خوّانات وخواوين وخواون. ويقولون في ربيع الآخر:
وبصان، أخذا من الوبيص وهو البريق: لبريق الحديد فيه، ويجمع على وبصانات، وحكى قطرب فيه بصان فيجمع على أبصنة وفي الكثرة بصنان.
ويقولون لجمادى الأولى: حنين لأنهم يحنّون فيه إلى أوطانهم لكونه كان يقع في
زمن الربيع، ويجمع على أحنّة وحنن كرغيف ورغف. ويقولون لجمادى الآخرة:
ربّى وربّة لأنه يجتمع به لجماعة من الشهور التي ليست بحرم وهي ما بعد صفر.
قال أبو عبيد: ربّان كل شيء جماعته، ويجمع على ربّيات وربايا مثل حبالى.
ومن قال ربّة جمعه على مآريب. ويقولون في رجب: الأصم لما تقدّم من أنه لا يسمع صوت السلاح ولا الاستغاثات فيه، ويجمع على أصامّ. قال النحاس: ولا تقل صمّ لأنه ليس بنعت كما أنك لو سمّيت رجلا أحمر جمعته على أحامر ولم تجمعه على حمر. ويقولون في شعبان: عادل، بمعنى أنهم يعدلون فيه عن الإقامة لتشعبهم في القبائل ويجمع على عوادل. ويقولون في رمضان: ناتق لكثرة المال عندهم فيه لإغارتهم على الأموال في الذي قبله، ويجمع على نواتق.
ويقولون في شوّال: وعل أخذا من قولهم: وعل إلى كذا إذا لجأ إليه لأنهم يهربون فيه من الغارات لأن بعده الأشهر الحرم فيلجأون فيه إلى أمكنة يتحصّنون فيها، ويجمع على أوعال ككتف وأكتاف، وفي الكثرة وعول. ويقولون في ذي القعدة:
ورنة والواو فيه منقلبة عن همزة أخذا من أرن إذا تحرّك لأنه الوقت الذي يتحرّكون فيه إلى الحج، أو من الأرون وهو الدنوّ لقربه من الحج ويجمع على ورنات ووران كجفان. ويقولون في ذي الحجة: برك، غير مصروف لأنه معدول عن بارك، أو على التكثير كما يقال: رجل حكم وهو مأخوذ من البركة لأن الحج فيه، أو من برك الجمل لأنه الوقت الذي تبرك فيه الإبل للموسم، ويجمع على بركان مثل نغر ونغران.
وفي هذه الأسماء خلاف عند أهل اللغة والمشهور ما تقدّم ذكره.
وقد نظم بعضهم ذلك في أبيات على الترتيب فقال:
بمؤتمر وناجر ابتدأناوبالخوّان يتبعه البصان
وربّى ثم أيّدة تليهتعود أصمّ صمّ به السّنان
[وعادلة وناطلة جميعاوواغلة فهم غرر حسان]
وورنة بعدها برك فتمّتشهور الحول يعربها البيان
ثم للناس في إخراج أوّل الشهر العربي طرق، أسهلها أن تعرف أوّل يوم من المحرّم، ثم تعدّكم مضى من السنة من الشهور بالشهر الذي تريد أن تعرف أوّله وتقسمها نصفين، فإن كان النصف صحيحا أضفت على الجملة مثل نصفه، وإن كان مكسورا كملته وأضفته على الجملة، ثم تبتدىء من أوّل يوم من السنة وتعدّ منه أياما على توالي أسماء الأيام بعدد ما حصل معك من الأصل والمضاف، فحيث انتهى عددك فذلك اليوم هو أوّل الشهر.
مثال ذلك في الصحيح النصف: إن أردت أن تعرف أوّل يوم من شعبان وكان أوّل المحرّم يوم الأحد مثلا فتعدّ من أوّل المحرم إلى شعبان وتدخل شعبان في العدد فيكون ثمانية أشهر فتقسمها نصفين يكون نصفها أربعة فتضيف الأربعة إلى الثمانية تكون اثني عشر، ثم تبتديء من يوم الأحد الذي هو أوّل المحرّم فتعدّ الأحد والاثنين والثّلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت، ثم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس فيكون انتهاء الاثني عشر في يوم الخميس فيكون أوّل شعبان يوم الخميس.
ومثاله في المكسور النصف: إذا أردت أن تعرف أوّل رمضان أيضا وكان أوّل المحرم الأحد كما تقدّم فتعدّ ما مضى من شهور السنة وتعدّ منها رمضان يكون تسعة أشهر فتقسمها نصفين يكون نصفها أربعة ونصفا فتكملها بنصف تصير خمسة فتضيفها إلى الأصل المحفوظ وهو تسعة يكون المجموع أربعة عشر، ثم تبتديء عدد الأيام من أوّل المحرم، وهو الأحد كما تقدّم فيكون انتهاء الرابع عشر
في يوم السبت فيكون أوّل رمضان يوم السبت.
ومن الطّرق المعتبرة في ذلك أن تنظر في الثالث من أيام النسيء من شهور القبط كم يوما مضى من الشهر العربيّ فما كان جعلته أصلا لتلك السنة، فإذا أردت أن تعرف أوّل شهر من الشهور العربية أو كم مضى من الشهر الذي أنت فيه فخذ الأصل المحفوظ معك لتلك السنة، وانظر كم مضى من السنة القبطية شهرا فخذ لكل شهرين يوما، فإن انكسرت الأشهر وجاءت فردا فاجبرها بيوم زيادة حتّى تصير زوجا، وزد على ذلك يومين أصلا أبدا؛ ثم انظركم يوما مضى من الشهر القبطي الذي أنت فيه فأضفه على ما اجتمع معك، وأسقط ذلك ثلاثين ثلاثين فما بقي فهو عدد ما مضى من الشهر العربيّ، ومنه يعرف أوّله.
ومثال ذلك: نظرت في الثالث من أيام النسيء فوجدت الماضي من الشهر العربيّ ثلاثة أيام فكانت أصلا لتلك السنة، ثم نظرت في الشهور القبطية فوجدت الشهر الذي أنت فيه أمشير مثلا فتعدّ من أوّل شهور السنة القبطية (وهو توت) إلى أمشير يكون ستة أشهر فتأخذ لكل شهرين يوما تكون ثلاثة أيام فتضيفها على الأصل الذي معك من أيام النسيء وهو ثلاثة تصير ستة فزد عليها اثنين يصير المجموع ثمانية، ثم تنظر في الشهر القبطي الذي أنت فيه (وهو أمشير) تجده قد مضى منه يومان فتضيفهما على المجموع يكون عشرة، وهو الماضي من الشهر العربي الذي أنت فيه ومنه يعرف أوّله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع