من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الرابعة- الجنوب
(بفتح الجيم) وهي التي إذا استقبلت المشرق كانت على جانبك الأيمن ولم يسمّ بالأيمن كما سمّي مقابله بالشّمال، لأنه لما ذكر الشّمال لم
يبق إلا الجانب الأيمن فاستغني عن ذكره؛ وأهل مصر يسمون هذه الجهة:
القبلية، لوقوعها في جهة قبلتهم ولذلك يبدأون بها في التحديد، وإن كان الأصل الابتداء بالمشرق؛ لأن منه مبدأ حركة الفلك».
ثم كرة الأرض يقسمها خطّ في وسطها بنصفين: نصف جنوبيّ، ونصف شماليّ؛ ويسمّى هذا الخط الاستواء، لاستواء الليل والنهار عنده في جميع فصول السنة، ويقاطعه خطّ آخر يقسمها بنصفين: نصف شرقيّ ونصف غربيّ؛ وتصير الأرض به أربعة أرباع، ويسمى هذا الخط خطّ نصف النهار لمسامتة الشمس له في نصف النهار، وكلّ من هذين الخطين مقسوم بمائة وثمانين درجة، كل درجة ستون دقيقة، وسيأتي تقدير ذلك بالأميال والفراسخ والمراحل والبرد في الكلام على بعد ما بين البلدان فيما بعد إن شاء الله تعالى.
واعلم أن كلّ ما بعد عن أقصى العمارة في المغرب إلى جهة المشرق يعبّر عنه عند علماء الهيئة والميقات بالطّول؛ وقد اختلف في ابتداء ذلك: فالقدماء ابتدأوه من جزائر بالبحر المحيط تعرف بالخالدات، يأتي الكلام عليها في جملة جزائر البحر المحيط، والمحقّقون على ابتداء ذلك من ساحل البحر المحيط
الغربيّ الذي هو أقصى العمارة الآن، وبينهما عشر درج، ونهاية العمارة في المشرق موضع يقال له كندر؛ ومنتصف ما بين الابتداء والنهاية الشرقية يسمّى قبّة أرين، ويعبّر عنه بقبة الأرض؛ وهي على بعد ربع الدّور من المبدإ الغربيّ، ويختلف الحال فيه باختلاف الابتداء من الجزائر الخالدات أو من الساحل. وما بعد عن خط الاستواء المقدّم ذكره يعبّر عنه بالعرض؛ فإن كان في جهة الجنوب فالعرض جنوبيّ، وإن كان في جهة الشمال فالعرض شماليّ. ويعتبر الطّول والعرض في الأمكنة من البلدان وغيرها بالدّرج والدقائق على ما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثم النّصف الجنوبيّ من الأرض لا عمارة فيه إلا فيما قارب خطّ الاستواء في بعض بلاد الزّنج والحبشة، وما والى ذلك مما لا يزيد عرضه على ثلاث درج فيما أورده السلطان عماد الدين صاحب حماه في «تقويم البلدان» أو ستّ عشرة
درجة وخمس وعشرين دقيقة فيما ذكره إسحاق الحارثيّ وغيره. وأكثر المعمور إنما هو في النصف الشّماليّ؛ والعمارة فيه فيما بين خطّ الاستواء إلى نهاية ستّ وستين درجة ونصف درجة في العرض؛ وما وراء ذلك إلى نهاية الشّمال خراب لا عمارة فيه، وغالب العمارة واقع بينما يجاوز عرضه عشر درج إلى حدود الخمسين درجة، وما وراء ذلك في جهة الجنوب إلى خط الاستواء، وفي جهة الشّمال إلى حدّ العمارة غالبه جبال وقفار؛ وغالب العمارة في الطّول من ساحل البحر المحيط الغربيّ إلى تسعين درجة فما دونها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع