تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

القاعدة الثانية القاهرة

(بألف ولام لازمين في أولها وقاف مفتوحة بعدها ألف ثم هاء مكسورة وراء مهملة مفتوحة ثم هاء في الآخر) ويقال فيها القاهرة المعزّيّة نسبة إلى المعزّ الفاطميّ الذي بنيت له، وربما قيل المعزية القاهرة، سميت بذلك تفاؤلا، وهي المدينة العظمى التي ليس لها نظير في الآفاق، ولا يسمع بمثلها في مصر من الأمصار.

بناها القائد جوهر المعزيّ لمولاه المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ بن المنصور أبي الطاهر إسماعيل بن القائم أبي القاسم محمد بن المهديّ بالله أبي محمد عبيد الله الفاطميّ في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، عند وصوله إلى الديار المصرية

من المغرب، واستيلائه عليها، وموقعها شمالي الفسطاط المتقدّم ذكره على القرب منه.

قال في «الروض المعطار»: وبينهما ثلاثة أميال. وكأنه يريد ما كان عليه الحال في ابتداء عمارة القاهرة وهو ما بين سور الفسطاط وسور القاهرة.

أما الآن فقد انتشرت الأبنية واتصلت العمارة حتى كادت المدينتان تتصلان أو اتصلتا.

قال القاضي محي الدين بن عبد الله الظاهر في خطط القاهرة: والذي استقرّ عليه الحال أن حدّ القاهرة من السبع سقايات إلى مشهد السيدة رقيّة عرضا، وكان قبل ذلك من المجنونة.

قال ابن سعيد: وكان مكانها قبل العمارة بستانا لبني طولون على القرب من منازلهم المعروفة بالقطائع. وكيفما كان، فطولها وعرضها في معنى طول الفسطاط وعرضه أو أكثر عرضا بقليل، وكان ابتداء عمارتها أنّ أمر إفريقيّة وغيرها من بلاد المغرب كان قد أفضى إلى المعزّ المذكور، وقوي طمعه في مصر بعد موت كافور الإخشيدي وهي يومئذ والشأم والحجاز بيد أحمد بن علي بن الإخشيد أستاذ كافور وهو صبيّ لم يبلغ الحلم، والمتكلم في المملكة أهل دولته، والحسين بن عبد الله في الشأم كالنائب أو الشريك له، يدعى له بعده على المنابر.

وكانت مصر قد ضعف عسكرها لما دهمها من الغلاء والوباء، فجهز المعزّ قائده جوهر. المتقدّم ذكره، فبرز جوهر إلى مدينة رقّادة من بلاد إفريقيّة في أكثر من مائة ألف وما يزيد على ألف صندوق من المال، وخرج المعزّ لتشييعه، فقال للمشايخ الذين معه: «والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، وليدخلنها

بالأردية من غير حرب، ولينزلن في خرابات ابن طولون، ويبني مدينة تسمّى القاهرة تقهر الدنيا» وكان للمعز غلام ببرقة اسمه أفلح، فكتب إليه المعزّ أن يترجّل لجوهر إذا عبر عليه ويقبل يديه، فبذل مائة ألف دينار على أن يعفى من ذلك، فأبى المعزّ إلا ذلك، فترجّل من مكانه وقبّل يديه، وسار جوهر حتّى دخل مصر وتسلمها لسبع عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ونزل في مناخه من سفره موضع القاهرة الآن ليلا، واختط القصر في بنائه وعمارة القاهرة، واختط الناس حوله.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.