من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
القسم الثاني من الأعمال الحلبية البلاد المتصلة بذيل البلاد المتقدّم ذكرها في الأعمال الحلبية من الشّمال، وهي المعروفة ببلاد الأرمن
قال في «التعريف» في مكاتبة متملك سيس: وهذه البلاد منها بلاد تسمى العواصم، ومنها بلاد كانت تسمى قديما بالثّغور، سميت بذلك لمثاغرتها الروم،
وإلى مثل ذلك أشار في «تقويم البلدان» أيضا.
فالعواصم (بفتح العين المهملة والواو وكسر الصاد المهملة وميم في الآخر). قال ابن حوقل: وهي اسم للناحية وليست موضعا بعينه يسمّى العواصم. قال: وقصبتها أنطاكية. قال: وعدّ ابن خرداذبه العواصم فكثّرها وجعل منها كورة منبج، وكورة تيزين وبالس ورصافة هشام، وكورة جومة وكذا شيزر وأفامية، وإقليم معرّة النّعمان، وإقليم صوران، وإقليم تلّ باشر وكفر طاب، وإقليم سلميّة، وإقليم جوسية، وإقليم لبنان إلى أن بلغ إقليم قسطل بين حمص ودمشق.
قلت: وأول من سماها بذلك الرشيد هارون حين بنى بها مدينة طرسوس الآتي ذكرها في سنة سبعين ومائة، والذي يظهر أنها سميت بذلك لعصمتها ما دونها من بلاد الإسلام من العدو، إذ كانت متاخمة لبلاد الكفر، واقعة في نحر العدو، وعساكر المسلمين حافظة لها.
والثّغور جمع ثغر (بفتح الثاء المثلثة وسكون الغين المعجمة وفي آخره راء مهملة). قال في «المشترك» وهو اسم لكل موضع يكون في وجه العدو؛ قال:
وثغور الشام كانت أذنة وطرسوس وما معهما فاستولى عليها الأرمن.
وذكر السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه: أن الرشيد في سنة سبعين ومائة عزل الثغور كلّها من الجزيرة وقنّسرين وجعلها حيّزا واحدا وسماها العواصم.
قلت: ومقتضى ذلك أن تكون الثغور والعواصم اسما على مسمّى واحد، وعليه ينطبق كلام المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف». وقد حدّد في «التعريف» هذه البلاد بجملتها فقال: وحدّها من القبلة وانحراف للجنوب بلاد
بغراس وما يليها؛ وحدّها من الشرق جبال الدّربندات؛ وحدّها من الشمال بلاد ابن قرمان؛ وحدّها من الغرب سواحل الروم المفضية إلى العلايا وأنطاليا.
وسيأتي الكلام على أصل استيلاء الأرمن على هذه البلاد وانتزاعها منهم وعودها إلى الإسلام في الكلام على مكاتبة متملك سيس، على ما كان عليه الأمر قبل عودتها إلى الإسلام في مكاتبات ملوك الكفر إن شاء الله تعالى.
ويشتمل على عدّة نيابات، بعضها ذكره في «التعريف» وبعضها استجدّ بعد ذلك، وهي على ضربين أيضا:
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع