تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الجملة الثانية في عقيدة جنكز خان وأتباعه في الديانة إلى أن أسلم من أسلم منهم وما جرت عليه عادتهم في الآداب وحالهم في طاعة ملوكهم

أما عقيدتهم فقد قال الصاحب علاء الدين بن عطاء ملك الجويني: إن الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى، وأنه خلق السموات والأرض، وأنه يحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، وأنه على كل شيء قدير، وأن منهم من دان باليهودية، ومنهم من دان بالنصرانية، ومنهم من اطّرح الجميع، ومنهم من تقرّب بالأصنام. قال: ومن عادة بني جنكز خان أن كل من انتحل منهم مذهبا لم ينكره الآخر عليه؛ ثم الذي كان عليه جنكز خان في التديّن وجرى عليه أعقابه بعده الجري على منهاج ياسة التي قررها، وهي قوانين خمنها من عقله وقرّرها من ذهنه، رتب فيها أحكاما وحدّد فيها حدودا بما وافق القليل منها الشريعة المحمدية، وأكثرها مخالف لذلك سماها الياسة الكبرى، وقد اكتتبها وأمر أن تجعل في خزانته تتوارث عنه في أعقابه وأن يتعلمها صغار أهل بيته.

منها أن من زنى قتل، ومن أعان أحد خصمين على الآخر قتل، ومن بال في

الماء قتل، ومن أعطي بضاعة فخسر ثم أعطي ثانيا فخسر ثم أعطي ثالثا فخسر قتل، ومن وقع حمله أو قوسه فمرّ عليه غيره ولم ينزل لمساعدته قتل، ومن وجد أسيرا أو هاربا أو عبدا ولم يرده قتل، ومن أطعم أسير قوم أو سقاه أو كساه بغير إذنهم قتل، إلى غير ذلك من الأمور التي رتبها مما هم دائنون به إلى الآن، وربما دان به من تحلّى بحلية الإسلام من ملوكهم. ومن معتقدهم في ذبح الحيوان أن تلفّ قوائمه ويشق جوفه ويدخل أحدهم يده إلى قلبه فيمرسه بيده حتّى يموت أو يخرج قلبه. ومن ذبح ذبحة المسلمين ذبح.

وأما عاداتهم في الأدب فكان من طريق جنكز خان أن يعظم رؤساء كل ملة ويتخذ تعظيمهم وسيلة إلى الله تعالى؛ ومن حال التتر في الجملة إسقاط المؤن والكلف عن العلويين وعن الفقهاء والفقراء والزهاد والمؤذنين والأطباء وأرباب العلوم على اختلافهم ومن جرى هذا المجرى.

ومن آدابهم المستعملة أن لا يأكل أحد من يد أحد طعاما حتّى يأكل المطعم منه ولو كان المطعم أميرا والآكل أسيرا، ولا يختص أحد بالأكل وحده بل يطعم كل من وقع بصره عليه، ولا يمتاز أمير بالشّبع من الزاد دون أصحابه بل يقسمونه بالسوية، ولا يخطوا أحد موقد نار ولا طبقا رآه، ومن اجتاز بقوم يأكلون فله أن يجلس إليهم ويأكل معهم من غير إذن. وأن لا يدخل أحد يده في الماء بل يأخذ منه ملء فيه ويغسل يديه ووجهه، ولا يبول أحد على الرّماد. ويقال إنهم كانوا لا يرون غسل ثيابهم البتة، ولا يميزون بين طاهر ونجس.

ومن طرائقهم أنهم لا يتعصبون لمذهب، وأن لا يتعرّضوا لمال ميت أصلا،

ولو ترك ملء الأرض، ولا يدخلونه خزانة السلطان.

ومن عاداتهم أنهم لا يفخّمون الألفاظ، ولا يعظّمون في الألقاب حتّى يقال في مراسيم السلطان «القان بكذا» من غير مزيد ألقاب.

وأما حالهم في طاعة ملكهم فإنهم من أعظم الأمم طاعة لسلاطينهم، لا لمال ولا لجاه بل ذلك دأب لهم حتّى إنه إذا كان أمير في غاية من القوة والعظمة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق والمغرب متى أذنب ذنبا يوجب عقوبة وبعث السلطان إليه من أخس أصحابه من يأخذه بما يجب عليه ألقى نفسه بين يدي الرسول ذليلا ليأخذه بموجب ذنبه، ولو كان فيه القتل.

ومن طريق أمرائهم أنه لا يترّدد أمير إلى باب أمير آخر، ولا يتغير عن موضعه المعين له. فإن فعل ذلك عوقب أو قتل، وإذا عرضوا آلات الحرب على أمرائهم وفّوا في العرض حتّى بالخيط والإبرة، ورعاياهم قائمون بما يلزمون به من جهة السلطان طيّبة به نفوسهم، وإن غاب أحد من الرجال قام النساء بما عليهم.

المقصد الثاني في ذكر ممالك بني جنكز خان على التفصيل، وهي مملكتان

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.