تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الحالة الثانية (٣)

-

أن يكون اللقب الأصل لمؤنّث حقيقيّ، كالدّار والسّتارة، والجهة إذا كني بها عن المرأة في الكتابة إليها مثل أن يقال: «الدار الكريمة» و «الستارة الرفيعة» و «الجهة المصونة» ونحو ذلك، فتتبعها الألقاب المفرّعة عليها أيضا في التأنيث إلا أنّ لها معاني تخصها. وهي على ضربين: مفردة ومركبة كما تقدّم في المذكّرة، وإن لم تبلغ شأوها في الكثرة. فأما المفردة فكالشريفة، والكبرى، والعالية، والمعظّمة، والمكرّمة، والمحجّبة، والمصونة، والخاتونيّة، والخوند، وربما قيل الوالديّة اذا كانت والدة حقيقة أو في مقامها، والولدية إذا كانت بنتا حقيقة أو قائمة مقامها، والحاجّيّة إذا كانت حاجّة ونحو ذلك.

ثم الألقاب المفردة تارة تكون مجرّدة عن ياء النسب، كالألقاب المتقدّم ذكرها؛ وقد تلحقها ياء النسب للمبالغة في التعظيم فيما تدخل فيه ياء النسب في

المذكّر، مثل أن يقال: المعظّميّة والمكرّميّة، والمحجّبيّة، وما أشبه ذلك. وهذه الألقاب أكثرها منقول عن المذكر، فيستغنى عن ذكر معانيها وأحوالها؛ وفيها ألقاب لم يتقدّم ذكر مثلها في المذكر كالمحجّبيّة، وهو مأخوذ من الحجاب كأنها محجوبة عن أن يراها الناس؛ ومنها المصونة وهو مأخوذ من الصّيانة، وهي جعل الشيء في الصّوان وقاية له عن مثل النظر والمسّ ونحو ذلك؛ ومنها الخاتون، وهو لفظ تركيّ معناه السيدة؛ ومنها الخوند، وهي لفظة عجمية بمعنى السيادة أيضا.

وأما المركّبة فمثل جلال النساء، وسيدة الخواتين في العالمين، وشرف الخواتين، وجميلة المحجّبات، وجليلة المصونات، وقرينة الملوك والسلاطين، وسليلة الملوك والسلاطين، إذا كانت بنتا لسلطان أو في معناها، وكريمة الملوك والسلاطين إذا كانت أخت سلطان. ومعاني هذه الألقاب ظاهرة معلومة.

[النوع] الصنف الثاني (من الألقاب المفرّعة على الأصول ألقاب من يكتب إليه من أهل الكفر، مما اصطلح عليها لمكاتباتهم)

واعلم أنه لم يكن ملك من ملوك الكفر ممن يكتب له عن الأبواب السلطانية غير النصارى؛ لأنه لم يكن لغيرهم من أهل الملل بالقرب من هذه المملكة مملكة قائمة، بل اليهود ليس لهم مملكة قائمة في قطر من الأقطار بعد غلبة الإسلام، إنما يؤدّون الجزية حيث حلّوا، إذ يقول تعالى في حقهم:

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ

ثم من يلقّب من أهل الكفر في المكاتبات إن كان من متديّنتهم كالباب

والبطرك، ناسبه من الألقاب ما فيه معنى التنسّك والتعبّد، وإن كان من الملوك ناسبه ما فيه معنى الشّجاعة والرّياسة والقيام بأمر دينه وتحمّله أعباء رعيّته وما في معنى ذلك. فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل: «من محمّد رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم» وفي كتب السيرة أنه ﷺ كتب إلى كسرى:

«من رسول الله إلى كسرى عظيم فارس» وأنه كتب إلى المقوقس: «من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط» فعبّر عن كلّ من الملوك الثلاثة بعظيم قومه لمناسبة ذلك لهم.

وبالجملة فالألقاب التي تكتب إليهم على ضربين:

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.