تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الحالة الثانية (٤)

-

أن يكون اللقب الأصل لمؤنّث حقيقيّ بأن يكون لامرأة كما إذا كانت ملكة في بعض ممالكهم، على قاعدة الأعاجم في إسناد الملك إلى بنات الملوك، فيؤتى بألقابها المفردة والمركّبة مؤنثة، فيكتب مثلا «الملكة الجليلة المكرّمة المبجّلة الموقّرة المفخّمة المعزّزة فلانة العادلة في مملكتها، كبيرة دين النّصرانية، نصرة الأمّة العيسوية، حامية الثّغور، صديقة الملوك والسلاطين» وما أشبه ذلك، ومعاني هذه الألقاب معلومة مما تقدّم.

قلت: قد أتيت من ألقاب أهل الإسلام وألقاب أهل الكفر: المفردة والمركّبة على ما تضمنه «التعريف بالمصطلح الشريف» للمقرّ الشهابي بن فضل الله، و «عرف التعريف» في الإخوانيّات له، و «تثقيف التعريف» للقاضي تقيّ الدين ابن ناظر الجيش إلا ما شرد عنه القلم، مع ما ضممته إلى ذلك مما وجدته في غيرها من الدساتير المجموعة في السلطانيات والإخوانيات المصريّة والشامية جاريا على عرفهم مما استعمله أهل الزمان ومن قاربه؛ والكاتب الماهر إذا فهم أصلها وعرف طرقها، اخترع ما شاء من الألقاب والنّعوت؛ والضابط في وضع الألقاب أن يراعى فيها أحوال المكتوب له، فيؤتى منها بما يناسب حاله في الوظيفة والرّياسة وسائر أوصاف المدح اللائقة به، فيؤتى لصاحب السيف

بالألقاب المقتضية للشّجاعة والبسالة مثل المجاهديّ والمثاغريّ والمرابطيّ وما أشبه ذلك. وربما أضيف له بعض الألقاب المقتضية للعلم والصّلاح، كالعالميّ والعامليّ ونحو ذلك، لاشتراك الناس في المدح بمثل ذلك. ويؤتى للعالم والقاضي ونحوهما بالألقاب المقتضية للعلم كالعالميّ والمحقّقيّ ونحو ذلك. وربما أضيف إليها الألقاب المقتضية للصّلاح لتمدّح العلماء به. ويؤتى للصوفية وأهل الصّلاح بالألقاب المقتضية للصلاح والتعبّد كالعابديّ والزاهديّ ونحوهما. ويؤتى لكتّاب الإنشاء بالألقاب المقتضية للبلاغة كالبليغ والمفوّهيّ ونحو هما. ويؤتى للنساء بالألقاب المقتضية للصّيانة والعفّة كالمصونة والمحجّبة وما أشبههما. ويؤتى لأهل الكفر من الملوك ونحوهم بما لا حرج فيه على الكاتب كالشجاعة وما في معناها، والتقدّم على ملوك طائفته وأهل ملّته وما في معنى ذلك. فإن اجتمع في شخص واحد أوصاف متعدّدة من الممادح جمعت له، على أن أكثر ما يستعمله الكتّاب من الألقاب غير موجودة في صاحبها، وإنما هي ألقاب حفظوها لرتب معيّنة لا يسعهم الإخلال بشيء منها وإن كانت كذبا محضا وإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ

. وقد كان في القديم قاعدة مستقرّة: وهو أنه لا يلقّب أحد بلقب ولا يكنى بكنية إلا أن يكون الخليفة هو الذي يلقّب بذلك أو يكني.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.