من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الأمر الأوّل (تقدّمها في الكتابة)
فيجب تقديمها في أوّل الكلام المقصود، من مكاتبة أو ولاية أو منشور إقطاع أو
غير ذلك، تبرّكا بالابتداء بها وتيمّنا بذكرها، وعملا بالأخبار والآثار المتقدمة في الجملة الأولى. على أنه قد اختلف في معنى قوله تعالى حكاية عن بلقيس حين ألقي إليها كتاب سليمان ﵇: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
فذهب بعض المفسرين إلى أن قوله إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
من كلام بلقيس، وإنها حكت الكتاب بقولها: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إلى آخر الآية، فيكون ابتداء الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، ويكون ذلك احتجاجا على وجوب تقديمها. وذهب آخرون إلى أن قوله إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
بداية كتاب سليمان، فيكون سليمان ﵇، قد بدأ في كتابه باسمه. فإن قيل كيف ساغ على ذلك تقديم اسمه على اسم الله تعالى في الذّكر مع أنّ الأنبياء ﵈ أشدّ الناس أدبا مع الله تعالى؟ فالجواب ما قيل: إنه كان عادة ملوك الكفر أنه إذا ورد عليهم كتاب بما يكرهون ربما مزّقوا أعلاه أو تفلوا فيه، فجعل سليمان ﵇ اسمه تقيّة لاسم الله تعالى فذكره أوّلا. ومن هنا اصطلح الكتّاب في الكتب الصادرة عن ملوك الإسلام إلى ملوك الكفر بكتابة ألقاب الملك المكتوب عنه في وصل فوق البسملة، تأسّيا بسليمان ﵇.
أما ما يكتب في طرّة الولايات من العهود والتقاليد وغيرها، فإنه في الحقيقة جزء من المكتوب، فلا يوصف بأنه شيء مقدّم على البسملة. وأما الطغراة التي كانت توضع في مناشير الإقطاعات في وصل بين وصل الطّرّة والبسملة فيها ألقاب السلطان على ما سيأتي في الكلام على كتابة المناشير في موضعه إن شاء الله تعالى، فإنها كتابة أجنبيّة مكتوبة بخطّ غير الكاتب فلم تنسب
في الحقيقة إلى التقديم. على أن ذلك قد بطل في زماننا. وهاتان المسألتان المتعلّقتان بالطّغراة المكتوبة في المناشير ومكاتبات أهل الكفر مما سأل عنه الشيخ جمال الدين بن نباتة في رسالته التي كتبها إلى كتّاب ديوان الإنشاء بالشام، في مباشرة الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، حين بلغه أن بعضهم وقع فيه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع