تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الأوّل- أن يعرف مراتب الدّعاء ليوقعها في مواقعها

، ويوردها في مواردها، ويتأتّى ذلك في عدّة أدعية.

(منها) الدّعاء بإطالة البقاء، والدّعاء بإطالة العمر؛ فالدعاء بإطالة البقاء أرفع من الدّعاء بإطالة العمر؛ وذلك أن البقاء لا يدلّ على مدّة تنقضي لأنه ضدّ الفناء، والعمر يدلّ على مدّة تنقضي؛ ولذلك يوصف الله تعالى بالبقاء ولا يوصف بالعمر. قال في «موادّ البيان»: ومن هنا جعل الدعاء بإطالة البقاء أوّل مراتب الدعاء وخصّ بالخلفاء، وجعل ما يليه لمن دونهم، ويتلوه الدعاء بالمدّ في العمر، فيكون دون الدعاء بالإطالة؛ لأن الوصف بطول الزمان أبلغ من الوصف بالمدّ فيه من حيث إن المدّ قابل للمدّة الطويلة والمدّة القصيرة؛ ولذلك صارت مرتبة الطّول أقرب إلى مرتبة البقاء من مرتبة المدّ.

(ومنها) الدعاء بدوام النّعمة، والدعاء بمضاعفتها؛ فالدعاء بالمضاعفة أعلى؛ لأن الدوام غايته استصحاب ما هو عليه، والمضاعفة مقتضية للزيادة على ذلك.

(ومنها) الدعاء بعزّ الأنصار، وبعزّ النّصر، وبعزّ النّصرة. وقد اصطلح

كتّاب الزمان على أن جعلوا أعلاها الدعاء بعز الأنصار؛ لأن عزّ أنصاره عزّ له بالضرورة مع ما فيه من تعظيم القدر ورفعة الشأن؛ إذ الأنصار لا تكون إلا لملك عظيم أو أمير كبير. والدعاء بعزّ النصر أعلى من الدعاء بعزّ النّصرة؛ لما في الأوّل من معنى التذكير وهو أرفع رتبة من التأنيث. على أنه لو جعل الدعاء بعز النصر أعلى من الدعاء بعز الأنصار، لكان له وجه؛ لما في عزّ النصر من الغناء عن عزّ الأنصار.

(ومنها) الدّعاء بعزّ الأحكام، والدعاء بتأييد الأحكام؛ فالدعاء بعزّ الأحكام أعلى؛ لأن المراد بالتأييد التقوية، فقد توجد القوّة ولا عزّ معها.

وينبغي للكاتب أن يحترز في تنزيل كلّ أحد من المكتوب إليهم منزلته في الدعاء، فلا ينقص أحدا عن حقّه، ولا يزيده فوق حقّه، فقد قال في «موادّ البيان»: إن الملوك تسمح ببدرات المال ولا تسمح بالدّعوة الواحدة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.