من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الأسلوب الثالث (أن تفتتح المكاتبة بلفظ «هذه المكاتبة إلى المجلس»
وهذه نسخة كتاب من هذا الاسلوب بالإخبار بفتح أيلة التي تحت العقبة في ممّر حجّاج مصر. وهي:
هذه المكاتبة إلى المجلس الفلاني أعلى الله سلطانه، وعمر بالنجاح آماله وبالسعادة أوطانه، ولا زالت يد النصر تصرّف يوم اللّقاء عنانه، ويد لطف الله تفيض على الخلق يوم العلياء عنانه، وتمكّن من هام الأعداء ونحورهم سيفه وسنانه؛ (نشعره) أنه لم تزل عوائد الله سبحانه عندنا متكفّلة ما يوجب أن يبدأ الحمد ويعاد، مقرّبة لنا من الآمال كلّ ما كان رهين نأي وبعاد، موافقة لنا بالتوفيق فكأننا وإياه على ميعاد، معينة لنا على ما يعتدّه الغاشّ معاش وعيد معاد. وقد كان ما علم من غزوتنا إلى أيلة التي اتخذها العدو معقلا، وتديّرها منزلا، وعدّها موئلا؛ وغاض بها رونق الجملة، وفاض بها أهل القبلة، وصارت على مدارج الأنفاس، وعلى مراصد الافتراص والافتراس؛ وخصّت الحرمين بأعظم قادح، واشتد عن حادثتها من لطف الله أعظم فاتح؛ ولما توجّهنا إليها، ونزلنا عليها؛ شاهدنا قلعة يحتاج راميها إلى الدّهر المديد، والأمل البعيد، والزاد العتيد، والبأس الشديد؛ تنبو بعطف جامح عن الخطبة، وتعرض بذكر مانع عن الضربة؛ وتعطف بأنف على السّحاب شامخ، وتطلع في الصباح بوجه شادخ، كأنما بينها وبين الأيّام ذمام، وكأنّ نار الحوادث إذا بلغت ماءها برد وسلام؛ فأطفنا بها متبصّرين، ونزلنا من ناحية البرّ بها مفكّرين؛ وبينا نحن نأمر بالحرب أن يشبّ أوارها، وبالخيل أن تسيّر أسرارها، وبنار اللّقاء أن يستطير شرارها، وبقناطير
الموت من القسيّ أن تعقّد أوتارها؛ وبالمجانيق أن تعقد حناياها وتحلّ أزرارها، وبالكواكب أن تذيقهم طعم الصّغار كبارها، إذ نادى مناد من أعلى قمّتها، ورأس قلّتها؛ معلنا بالأمان، ناسخا لآية الكفر بآية الإيمان؛ فأعارته الأسماع إنصاتها، واستحقت القلوب حصاتها؛ وعمدت إليه بنت بحر، عادت باب نصر، وساعة بدهر؛ وبشّرني بغلام على كبر، وبظفر في سفر على قدر؛ فأعطى فرنجها ما طلبوا؛ وأتى اللّطف للمسلمين بما لم يحتسبوا؛ وفي الحال رفعت عليها ألوية الإسلام ونشرت، وأوت إليها فئة الحق وحشرت، وتظاهرت عليها أولياء الله وظهرت؛ وقيل الحمد لله ربّ العالمين.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع