تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الأسلوب الأوّل- أن يكتب تحت البسملة من الجانب الأيمن

«بقوّة الله تعالى» ويكون «بقوة الله» سطرا و «تعالى» سطرا؛ ثم يكتب من الجانب الأيسر: «بإقبال دولة السلطان الملك الفلاني». ويكون «بإقبال دولة» سطرا، وباقي الكلام سطرا ثانيا. ثم يكتب تحت ذلك «كلام فلان» سطرا ثانيا «إلى السلطان فلان» سطرا ثالثا. ثم يؤتى ببعديّة وخطبة، ويؤتى بالمقصود.

وطريقهم فيه على التكلّم عن لسان صاحب مصر بنون الجمع، والخطاب لسلطان إيران بميم الجمع الغائب، مضاهاة لمكاتبتهم الواردة عنهم في جميع ذلك.

وهذه نسخة كتاب، كتب به عن السلطان الملك المنصور قلاوون، صاحب الديار المصرية، في جواب كتاب ورد عن السلطان أحمد القان بإيران في زمانه. يذكر فيه أنّه أسلم، إذ كان أوّل من أسلم من ملوكهم، ويذكر فيه أن أخاه الكبير كان قد عزم على دخول ممالك الديار المصرية قبل موته، وأنه منع ذلك؛ وأنه لا يحب المسارعة إلى القتال، وأن المشير بذلك الشيخ عبد الرحمن: أحد صلحاء بلادهم، وأنه حرّم على عساكره الغارات على البلاد، وتعرّض فيه إلى أمر الجواسيس، وأشار إلى أنّ الاتّفاق فيه صلاح العالم، وأشار إلى أشياء حمّلها لرسله يذكرونها مشافهة، ووقع الجواب عن جميع ذلك على ما

سيأتي ذكره في الكتب الواردة على الديار المصرية. وكتب بخط ناصر الدين شافع ابن عليّ بن عباس: أحد كتّاب الإنشاء، في رمضان سنة إحدى وثمانين وستمائة. والتكلّم بنون الجمع، والخطاب بالجمع الغائب كما تقدّم في الأسلوب الأوّل، وهي:

بسم الله الرّحمن الرّحيم بقوة الله بإقبال دولة تعالى السلطان الملك المنصور كلام قلاوون إلى السلطان أحمد أما بعد حمد الله الذي أوضح بنا ولنا الحقّ منهاجا، وجاء فجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا، والصلاة على سيدنا ونبيّنا محمد الذي فضّله الله على كلّ نبيّ نجّى به أمته وعلى كل نبيّ ناجا، صلاة تنير مادجا؛ فقد وصل الكتاب الكريم، المتلقّى بالتكريم، المشتمل على النّبإ العظيم، من دخوله

في الدّين، وخروجه عمن سلف من العشيرة الأقربين؛ ولما فتح هذا الكتاب بهذا الخبر العلم المعلم، والحديث الذي صحّح عند أهل الإسلام إسلامه وأصحّ الحديث ما روي عن مسلم، توجّهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه في أن يثبّته على ذلك بالقول الثابت، وأن ينبت حبّ حبّ هذا الدين في قلبه كما أنبت أحسن النّبت من أخشن المنابت؛ وحصل التأمّل للفصل المبتدإ بذكره من حديث إخلاصه في أوّل عنفوان الصّبا إلى الإقرار بالوحدانية، ودخوله في الملّة المحمدية، بالقول والعمل والنيّة؛ فالحمد لله على أن شرح صدره للإسلام، وألهمه شريف هذا الإلهام؛ فحمدنا الله على أن جعلنا من السابقين إلى هذا المقال والمقام، وثبّت أقدامنا في كلّ موقف اجتهاد وجهاد تتزلزل دونه الأقدام.

وأمّا إفضاء النّوبة في الملك وميراثه بعد والده وأخيه الكبير إليه، وإفاضة جلابيب هذه النعمة العظيمة عليه؛ وتوقّله للأسرّة التي طهّرها الله بإيمانه، وأظهرها بسلطانه؛ فلقد أورثها الله من اصطفاه من عباده، وصدّق المبشّرات من كرامة أولياء الله وعبّاده.

وأمّا حكاية الإخوان والأمراء الكبار ومقدّمي العساكر وزعماء البلاد في مجمع فوريلياي الذي ينقدح فيه زند الآراء، وأن كلمتهم اتفقت على ما سبقت به كلمة أخيه الكبير في إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب، وأنه قد فكّر فيما اجتمعت عليه آراؤهم، وانتهت إليه أهواؤهم؛ فوجده مخالفا لما في ضميره: إذ قصده الصّلاح، ورأيه الإصلاح؛ وأنه أطفأ تلك النائرة، وسكّن تلك الثائرة؛ فهذا فعل

الملك المتّقي، المشفق من قومه على من بقي؛ المفكّر في العواقب، بالرأي الثاقب؛ وإلا فلو تركوا وآراءهم حتّى تحملهم الغرّة، لكانت تكون هذه هي الكرّة؛ لكن هو كمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فلم يوافق قول من ضلّ ولا فعل من غوى.

وأما القول منه إنه لا يحبّ المسارعة، إلى المقارعة، إلا بعد إيضاح المحجّة، وتركيب الحجّة؛ فبانتظامه في سلك الإيمان صارت حجّتنا وحجته متركّبة، على من غدت طواغيته عن سلوك هذه المحجّة متنكّبة، فإن الله ﷾ والناس كافّة قد علموا أنّ قيامنا إنما هو لنصرة هذه الملة، وجهادنا واجتهادنا إنما هو لله؛ وحيث قد دخل معنا في الدّين هذا الدّخول، فقد ذهبت الأحقاد وزالت الذّحول؛ وبارتفاع المنافرة، تحصل المظافرة؛ فالإيمان كالبنيان يشدّ بعضه ببعض، ومن أقام مناره فله أهل بأهل في كل مكان وجيران بجيران بكلّ أرض.

وأما ترتيب هذه الفوائد الجمّة على إذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن، أعاد الله تعالى من بركاته، فلم ير لوليّ قبله كرامة كهذه الكرامة، والرّجاء ببركته وبركة الصالحين أن تصبح كلّ دار إسلام دار إقامة، حتّى تتمّ شرائط الإيمان، ويعود شمل الإسلام مجتمعا كأحسن ما كان؛ ولا ينكر لمن بكرامته ابتداء هذا التمكين في الوجود، أنّ كلّ حقّ ببركته إلى نصابه يعود.

وأما إنفاذ أقضى القضاة قطب الملة والدين، والأتابك بهاء الدين؛ الموثوق بنقلهما في إبلاغ رسائل هذه البلاغة، فقد حضرا وأعادا كلّ قول حسن من أحوال أحواله، وخطرات خاطره، ومسطّرات ناظره، ومن كلّ ما يشكر

ويحمد، ويعنعن حديثهما فيه عن مسند أحمد.

وأما الإشارة إلى أنّ النّفوس إن كانت تتطلّع في إقامة دليل، تستحكم [به] دواعي الودّ الجميل؛ فلينظر إلى ما ظهر من مآثره، في موارد الأمر ومصادره: من العدل والإحسان، بالقلب واللسان، والتقدّم بإصلاح الأوقات، فهذه صفات من يريد لملكه الدوام؛ فلما ملك عدل، ولم يلتفت إلى لؤم من عدا ولا لوم من عذل.

على أنها وإن كانت من الأفعال الحسنة، والمثوبات التي تستنطق بالدعاء الألسنة؛ فهي واجبات تؤدّى، وهو أكبر من أنه يؤخر غيره أو عليه يقتصر، أوله يدّخر؛ إنما يفتخر الملك العظيم بأن يعطي ممالك وأقاليم وحصون، أو يبذل في تشييد ملكه أعزّ مصون.

وأما تحريمه على العساكر والقراغولات والشحاني بالأطراف التعرّض إلى أحد بالأذى، و [تحتيم] إصفاء موارد الواردين والصادرين من شوائب القذى؛ فمن حين بلغنا تقدّمه بذلك تقدّمنا أيضا بمثله إلى سائر النّوّاب، بالرّحبة وحلب وعينتاب؛ وتقدّمنا إلى مقدّم العساكر بأطراف تلك الممالك، بمثل ذلك؛ وإذا اتحد الإيمان، وانعقدت الأيمان؛ تحتّم إحكام هذه الأحكام، وترتب عليه جميع الأحكام.

وأما الجاسوس الفقير الذي أمسك وأطلق وأنّ بسبب من تزيّا من الجواسيس بزيّ الفقراء قتل جماعة من الفقراء الصّلحاء رجما بالظن، فهذا باب من ذلك الجانب (ستروه، وإلى الاطّلاع على الأمور صوّروه؛ فظفر النوّاب منهم بجماعة فرفع عنهم السيف، ولم يكشف ما غطّته خرقة الفقر ولا كيف) وأما الإشارة إلى أن في اتفاق الكلمة (يكون صلاح العالم، وينتظم شمل بني آدم؛ فلا رادّ لمن طرق باب الاتّحاد، ومن جنح للسلّم فما جار ولا حاد؛ ومن ثنى عنانه عن المكافحة، كمن يريد المصافحة للمصالحة)؛ والصّلح وإن كان سيد الأحكام فلا بدّ من أمور تبنى عليها قواعده، وتعلم من مدلولها فوائده؛ فإن الأمور المسطورة في كتابه (عن كلّيّات لازمة ينعم بها كلّ معنى معلوم) إن تهيأ صلح أو لم، وثمّ أمور لا بدّ أن تحكم، وفي سلكها عقود العهود تنظم؛ قدّ تحمّلها لسان المشافهة التي إذا أوردت أقبلت من معنى دخوله في الدين، وانتظام عقده بسلك المؤمنين؛ وما بسطه من عدل وإحسان، وسيرة مشهورة بكلّ لسان، فالمنّة لله في ذلك فلا يشيبها منه بامتنان؛ وقد أنزل الله تعالى على

رسوله ﷺ في حقّ من امتنّ بإسلامه: قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ

»

ومن المشافهة أنه قد أعطاه الله من العطاء ما أغناه به عن امتداد الطّرف إلى ما في يد غيره من أرض ومال، فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمن حاصل؛ فالجواب أنّ ثمّ أمورا متى حصلت عليها الموافقة، تمّت المصاحبة والمصادقة؛ ورأى الله تعالى والناس كيف يكون (إذلال معادينا، وإعزاز مصافينا)؛ فكم من صاحب وجد حيث لا يوجد الأب والأخ والقرابة، وما تمّ أمر الدين المحمديّ واستحكم في صدر الإسلام إلا بمظافرة الصّحابة؛ فإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتحاد، وحسن الوداد، وجميل الاعتضاد، وكبت الأعداء والأضداد، والاستناد إلى من يشتدّ به الأزر عند الاستناد، فقد فهم المراد ومن المشافهة إذا كانت رغبتنا غير ممتدّة إلى ما في يده من أرض ومال، فلا حاجة إلى إنفاذ المغيرين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود؛ فالجواب أنه لو كفّ كفّ العدوان من هنالك، وخلّي لملوك المسلمين ما لهم من ممالك؛ سكنت الدّهماء، وحقنت الدّماء؛ وما أحقّه بأن لا ينهى عن خلق ويأتي مثله، ولا يأمر بشيء وينسى فعله؛ وقنغرطاب بالرّوم الآن، وبين بلاد في أيديكم خراجها يجبى إليكم، فقد سفك فيها وفتك، وسبى وهتك؛ وباع الأحرار، وأبي إلا التمادي على ذلك والإصرار.

ومن المشافهة أنه إن حصل التصميم على أن لا تبطل هذه الإغارات، ولا يقتصر عن هذه الإثارات؛ فتعيّن مكانا يكون فيه اللّقاء، ويعطي الله النصر لمن يشاء؛ فالجواب عن ذلك أن الأماكن التي اتّفق فيها ملتقى الجمعين مرّة ومرّة ومرة قد عاف مواردها من سلف من أولئك القوم، وخاف أن يعادوها فيعادوه مصرع ذلك اليوم؛ ووقت اللّقاء علمه عند الله لا يقدر، وما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا لمن قدر؛ وما نحن ممن ينتظر فلته، ولا ممّن له إلى غير ذلك لفته، وما أمر ساعة النصر إلا كالساعة التي لا تأتي إلا بغته؛ والله تعالى الموفّق لما فيه صلاح هذه الأمة، والقادر على إتمام كلّ خير ونعمه؛ إن شاء الله تعالى. مستهلّ شهر رمضان المعظم قدره، سنة إحدى وثمانين وستمائة. الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه. حسبنا الله ونعم الوكيل.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.