من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الصنف الثاني- الشّراب
في استهداء مشروب.
أبو الفرج الببغاء:
أنا- أيّد الله سيّدي- ومن سامحني الدّهر بزيارته من إخواني وأوليائه، عضّد الله جمعنا ببقائه، وقوف بحيث يقف بنا اختياره، من القبول والانبساط، ويرتضيه لنا إيثاره من الهمّ والسّرور، لأنّ الأمر في ذلك مما يوليناه من المساعدة بالممكن من المشروب إليه، والاعتماد دون كلّ أحد في اجتماع شمل المسرّة لنا به عليه، فإن رأى أن يكلني إلى أولى الظّنين به وأحقّهما بمأثور فتوّته، فعل.
وله في مثله:
ألطف المنن موضعا، وأجلّها من الأنفس موقعا، ما عمر أوطان المسرّة، وطرد عوارض الهمّ والفكرة، وجمع شمل المودّة والألفة، وأدّى إلى اجتناء ثمرة
اللّذّة، وبذخائرك من المشروب مع هذه الأوصاف [ما] يسترقّ حرّ الشكر، ويحرز قصب السّبق إلى الثناء وجميل الذّكر، فإن رأيت أن تنجد بالممكن منه مروّتي، على قضاء حقّ من أوجب المنّة عليّ بزيارتي، فعلت.
وله في مثله:
من كان للفضل نسبا، ولفلك الفتوّة قطبا، لم تفزع القلوب من الهمّ إلّا إليه، ولم تعوّل الأنفس في استماحة المسارّ إلّا عليه، وقد طرقني من إخواني من كان الدّهر يماطلني بزيارته، وينفس عليّ بقربه ومشاهدته، فصادفني من المشروب معسرا، ووجدت الانبساط في التماسه من غيرك عليّ متعذّرا، وإلى تفضّلك تفزع مروءتي في الإسعاف منه بما يلمّ شعث الألفة، ويجمع شمل المسرّة، ويجعلنا لك في رقّ الاعتداد بالمنّة، ويقضي عني بتفضّلك حقوق المودّة.
عليّ بن خلف:
قد انتظم لنا- أطال الله بقاء سيدي- مجلس واقف بين النّشاط والفتور، والكآبة والسّرور، لغروب نجوم الخمر عن سمائه، وعطله من حليّ نوره ولألائه، وقد عوّلنا في إطلاقه إلى إحدى الجهتين عليه، وجعلنا زمامه بيديه، فإن رأى أن يروّح أفكارنا بشيء من راحه المشابهة عبقا وعتقا لأخلاقه وأعراقه، فعل، إن شاء الله تعالى.
وله في مثله:
أفضل ما أهدى سيدي ما أهدى السرور إلى أحبّته، ونظم شمل المتحقّقين بخدمته، وحسم عنهم هواجس الفكر، وأعداهم على الدّهر، وقد جمعنا مجلس وهبناه للثناء عليه، وزفّت عرائس الخمر إليه، فإن رأى إيثارنا بما
يكمّل نشاطنا، ويتمّم انبساطنا، فليعقر همومنا بشيء من عقاره، وينظم [جمعنا] في سلك أياديه ومبارّه، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع