تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

المرتبة الثالثة (من المذهب الأول من سجلات ولايات الفاطميين أن تفتتح بالتّصدير أيضا

، وهو «من عبد الله ووليه» إلى آخر التصلية على النبي ﷺ وأمير المؤمنين عليّ ﵁؛ ثم يؤتى بالبعدية، لكن من غير تحميد، بل يقال: «أما بعد فإنّ أولى» أو «إنّ أحق» ونحو ذلك؛ ويذكر مناقب المولّى ثم يأتي بالوصايا) واعلم أنّ هذه المرتبة من السّجلّات يشترك فيها أرباب السيوف وأرباب الأقلام من أصحاب الوظائف الدينيّة والوظائف الدّيوانية.

فأما سجلّات أرباب السّيوف فكأصحاب زموم طوائف الرّجال، يعني التّقدمة عليهم والولايات ونحو ذلك، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

وهذه نسخ ولايات لأرباب السيوف بالحضرة من هذه المرتبة.

نسخة سجلّ بزمّ طائفة، من إنشاء القاضي الفاضل، وهي:

من عبد الله ووليّه (إلى آخره).

أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يصطنع من يرتضيه لتأليف عبيده وضمّهم، ويستوقفه للنظر في تقديم رجال مملكته وزمّهم، ويختار من يجتبيه لإحراز مدحهم بالبعد من موجبات ذمّهم، ولا يؤهّل لذلك إلا من توسّل بالغناء وتقرّب، واستقلّ بالأعباء وتدرّب، وأطلق حدّه التوفيق فمضى وتذرّب، وأودع الإحسان فما زايل محلّه ولا تغرّب، ولا بس الأمور ملابسة من فطن وجرّب؛ وقد أيّد الله دولته بفتاه

وأمينه، وعقده وثمينه، السيد الأجلّ الذي غدت آراؤه للمصالح كوافل، وأذكى للتدبير عيون حزم غير ملتفتات عنه ولا غوافل، وأطلع من السّعد نجوما غير غوارب ولا أوافل، وقام بفرائض النّصائح قيام من لم يجوّز فيها رخص النّوافل، وتحدّثت بأفعاله رماحه في المحافل فما راعت الجحافل.

ولمّا مثل بحضرة أمير المؤمنين أجمل ذكرك وأطابه، وقصد بك غرض الاصطناع فأصابه، واستمطر لك الإنعام الغدق السّحاب فأجابه، ووصف ما أنت عليه من شهامة شهدت وشهرت، وصرامة تظاهرت وظهرت، وكفاية برعت وفرعت، ونزاهة استودعت الأمانة فرعت، ومناصحة انفردت بوصفها، وتحلّت واسطة عقد صفّها، وجهاد لم يزل به القرآن مغريا، والصّعب المقاد مذعنا والخطب عابيا في قيادها مدعيا، وقرّر لك الاستخدام في زمّ الطائفة فأمضى تقريره، واستصاب تدبيره، وخرج أمره إليه بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجلّ وإيداعه ما تهتدي به، وتعمل بتأديبه؛ فتقلّد ما قلّدته من ذلك عاملا بالتّقيّة فإنها الحجة والمحجّة، والجنّة، والمدد السليم، والمربح القويم، والنعمة والنّعيم، يقول الله سبحانه في كتابه الحكيم: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى

؛ فانهض بشروط هذا الزّم نهوضا يؤدّي عنك من النّصح مفروضا، ويجعل لك كلّ يوم كتاب شكر مفضوضا، وسس هذه الطائفة بما يوليها دواعي الوفاق، ويحميها من عوادي الافتراق، واجهد في منافعها مجتلبا، ولأخلاف درّها محتلبا، وانتصب لاستشفاف أحوالهم وتعهّدها وملاحظة أفعالهم وتفقّدها؛ فمن ألفيته إلى فرائض الخدمة مسرعا، وبنوافلها متطوّعا، وبكرمه عمّا يشينه مترفّعا، شحذت بصيرته بالتّكرمة، ورشّحت همّته للتّقدمة، ومن وجدته لتلك الصفات الزائنة مخالفا وللصفات الشائنة مؤالفا، ولنفسه عمّا يرفعها صارفا،

قوّمت أوده وثقّفته، وأشرفت به على منهج الصّراط ووقّفته؛ فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى.

وهذه نسخة سجلّ بولاية الفسطاط المعبّر عنها بمصر على نحو ما تقدّم في ولاية القاهرة، وهي:

أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين لما خصّ الله به آراءه من التأييد الذي يسدّد سهامها، ويجزل من التوفيق سهامها، وأطلق به يده من أياد تسبق آماد الآمال وتكاثر أوهامها، وألبس الدّين ببقائه من مهابة تصيّر قلوب أعدائه مهامها، وميّز به عصره من خصائص نصر لا تطيل الأيام استفهامها ولا تخشى استبهامها، ويسّره من نبإدعوته التي طبّقت أنجاد الأرض وتهامها، ورقّاه من محلّ أمانة الإمامة التي لا يظهر أرباب الألباب على أسرار الله ولا اتهامها، وناطه بتدبيره من إيالة البريّة والاعتناء بمصالحها، وأصابه من مراشد اليقين التي تستضيء العقول بمصابحها، وأتى به الأنفس الصالحة من تقواها، وصرف بما صرّفه على لسانه من الحكم عنها مضارّ الشّبه وطواها، وألبسه من هدي النبوّة التي قرّب الله إسناد من رآها وفضل من رواها، يستغزر موادّ التوفيق من خالقه بنصحه في الخلائق، ويقدّم الاستخارة بين يدي أفعاله فهي به أملك الخلال وأخصّ الخلائق، ويعتام للقيام بتكاليف الاستنهاض، ويختار لتقويم الميّاد من اشتهر بالتدبير وجبر المنهاض، ويقدّم لكبار الولايات وعواليها، وخصائص الرّتب وغواليها، من تكافأت في استيعاب المحاسن خلاله، وخطب الخدم المتكثّرة لأولي الحظوظ استقلاله، وعلم استبداده بطيب الذكر وأمن انفصاله، وأوى إلى جنّة مريعة وجنّة منيعة من

الولاء وألحفته ظلاله، واستقام على محجّة واضحة من المخالصة ولم يخف زيغه ولا ضلاله، ومضت ضرائبه في المهمّات مضاء الحسام الذي لا ينبو حدّه ولا يثبت انفلاله، وصحّ بصيرة في المناصحة فما سرّ الأعداء شكّه ولا اعتلاله، وأعطى الخدم حقوقها من إقامة القوانين، ونهض بأعبائها المثقّلة نهضة المشمّرين غير الوانين، واشتدّت وطأة تبادره على المفسدين والجانين، وتظاهرت شواهد ميزته بما يكثّر له الحسّاد ويرغم الشانين، واقتنى من نفائس المحامد ما يعدّه أهل النظر قنية القانين، واستبقى من جميل الأحدوثة ما يبقى ذكره بعد فناء الفانين، ووفّقت في الخدمة مصادره وموارده، وانتظمت درر الذكر بحسن ذكره فأتلفت فوارده، ونشدت ضوالّ الغناء فالتقت عنده غرائبه وشوارده، واختصّت مساعيه بالإبرار على الأنظار، وصحّت خلاله على عيب النقد كما صحّح النار نور الأبصار، ونظر لمن أسند إليه أمره نظرا يعفيه من تطرّق الأكدار والمضارّ، ورعى له ما هو متوسّل به من آثار حقيقة بالإيثار، وكفاية تأخذ للخدم من الفخر بالثار.

ولمّا كنت أيها الأمير المراد بهذا الإيراد، المطّرد إليه هذا الاستطراد، المعدود في أمراء الدولة العلويّة من الأعيان الأفراد، المخلّي سيفه بين المساعي الجميلة ينتقي منها ما اختار ويصطفي ما أراد، المهادى الصّفات الحسنة فلا جاحد من عداته ولا رادّ، المضطلع بما يعيي حمله الحازم المطيق، المستنفد في أفعاله المشكورة أقوال الواصف المنطيق، الواصل بمحمود مساعيه إلى غايات السابقين في مهل، الجامع في تدبير المهمّات بين رأي احتنك وحزم اكتهل المنظور بعين الحزم بآيات دواعيه، المترقّي إلى أمانيّه في درج مساعيه، المجيب دعوة العزم إذا قام فلم يسمع المقصّرون داعيه، المجتهد في تشييد أركان التدبير إذا ارتقب اضطرابه وخيف تداعيه، الممتثل وصايا الأدب الصالح فهو بقلبه راعيه وبسمعه واعيه، الشّهم الذي ينفذ في الأمور نفاذ السّهم، الألمعيّ الذي علا أن يماثل بما أوتي من بسطة الفهم، المتبوّيء من النعمة منزلة شكر لا يروم ضيفها

أن يريمه، ومربع حمد لا يسوم نازلها غير أن يسيمه، المباشر من مأثور السياسة ما استفاض ذكره فلم تتطرّق عليه أسباب الجحد، البالغ بسموّ المساعي ما قصّر الأكفاء عنه ولم يقصّروا عن الجهد، الحالّ من التقدمة في هضابها إذا نزل الأكفاء منها في الوهد، الحامل من أعباء المشايعة ما غدا به من الموفين على الأنظار الموفّين بالعهد، المحقوق من الوسائل بأن يجودها النجاح بأغزر ديمة وأسقى عهد، المؤدّي فيما يسند إليه فروض التفويض، المليّ بأن لا تنوب فرصة حزم إلا كان مليّا باللّحاق والتعويض، المكتفي من وصايا الحزم بما يقوم له مقام التصريح من التعريض، المستوجب أن تجدى إلى استحقاقه وتهدى سحائب الطّول الطويل العريض، المستوعب شرائط الرياسة بالاستيلاء على أدواتها، المتتبّع مظانّ الخطوب بمفاجأة الغرض في مداواتها، المبرّز على القرناء بخلال لا تطمع الهمم في مساماتها ولا مساواتها، الآخذ من كل شيء بأحسنه فأيّ حسنة لم يؤتها ولم ياتها، النافذ الآراء إذا المشكلات لم يتّضح لأرباب الألباب مصمت بيانها، المصيب شواكل الضّرائب فسهام آرائه مدلولة على شواتها، المتبرّج المقاصد لعيان الحمد إذا تحفّزت الأفعال ووارت سوآتها، المعروف بثبوت الجنان، حين يلتبس الشّجاع بالجبان، المشكور في مواقف الحرب بأفواه الجراح ولسان السّنان، المقدّم حيث الأعضاء تتزيّل والأقدام تتزلزل، المقتحم غمرات الهيجاء والأرواح عن ولايات الأجسام تعزل. وقد ولّيت الولايات فاستقللت بها أحسن استقلال، ورفع لك منار العدل فاستدللت منه بأوضح استدلال، وجعلتها على من تؤويه حرما، وعلى من يطرقها حمى، وكنت لجمهور زمانك في المصالح والنّصائح مقسّما، ولحكم التقوى ولو ضفت مشقّاتها دون حكم الهوى محكّما.

وحضر بحضرة أمير المؤمنين فتاه ووزيره السيد الأجلّ الذي حلّ المشكلات من رأيه وراياته بالشمس وضحاها، وتعرّضت له آية الليل من العدا

فجلّاها بسيوفه ومحاها، وثبّت نصاب الملك الفاطميّ حين أدارت الحرب على فتكاته رحاها، واقتاد الأعداء إلى مصارعها بخزائم من العزائم وأعجلها وأوحاها، وقام بنصر أئمة الهدى حين قعد الناس، ورعى الله عزيمته الصابرة في البأساء والضّرّاء وحين الباس، وخاطر في حفظ الدّين بنفس تجري محبتها مع الأنفاس، وحلّ من ملوك الأرض محلّ العين من الراس بل الراس من الحواسّ، وأتعبت الأجسام هممه الجسام، وأعدى الزّمان فتبسّم جذلا بعدله البسّام، وقسّمت المطامع أمواله فحمى المجد الموفّر عليه من الانقسام. فطالع أمير المؤمنين بأخبارك بعد اختبارك، وتوسّلك إلى التقدمة بمرضيّ آثارك، وما أظهره الامتحان من نقاء سريرتك وأسرارك، واستقامتك على مثلى الطريقة واستبصارك، وأن ولاية مصر من أنفس الولايات محلّا، وأثبتها على غيرها فضلا، بمجاورتها للمقام الكريم، وحصولها من استقلال الرّكاب الشريف إليها على الشّرف العظيم، واختصاصها من مجال الخلافة بما جمع لها بين الفخرين الحادث والقديم، وأوجب لها على غيرها من البلاد مزيّة ظاهرة التكريم والتقديم، وما يمتّ به أهلها من شرف الجوار الذي لآمالهم به التخيير في الإحسان والتحكيم، وما رأى من إسناد ولايتها إليك علما أنّك ممن تزكو لديه الصّنيعة، وتروق في جيد كفايته فرائد المنن البضيعة، وتتطامن لاستحقاقه ذروة كلّ مرتبة رفيعة، خرج أمر أمير المؤمنين إليه، بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ لك بالولاية المذكورة؛ فتقلّد ما قلّدك منها مقدّما تقوى الله على كل فعل وقول، متبرئا إليه من طول الحول، معدّا ذخيرتها النافعة ليوم الهول؛ قال الله في محكم الكتاب:

وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ

وانظر في هذه الولاية حاكما بالقسطاس، وساو في الحق بين طبقات

الناس، ولا تميّز فيه رفيعا على حقير، ولا غنيّا على فقير، وأقم الحدود على من وجبت عليه إقامة يرتدع بها المغرور، وتستقيم بها الشّؤون وتنتظم الأمور، وراع من بهذه المدينة المحروسة من شهودها، ومتميّزي أهلها، ففيها الفقهاء والأتقياء، والقرّاء والعلماء، والمتميّزون الأعيان الوجوه، وأهل السلامة الذين يستوجب كلّ منهم نيل ما يأمله وبلوغ ما يرجوه، فاعتمد إعزازهم، وتوخّ تكرمتهم، ووفّهم ما يجب لهم من الحق، والقهم بالوجه المسفر الطّلق، وأمر بالمعروف ونصّ إليه، وانه عن المنكر وعاقب عليه، وتفقّد أحوال المطاعم والمشارب، وحافظ على إجرائها على أحكام الصواب وقضايا الواجب، واحظر في المكاييل والموازين البخس والتّطفيف، وقدّم الإنذار في ذلك والتحذير والتّخويف، وأوعز بتنظيف المسالك والساحات، وامنع من توعير السّبل والطّرقات، واعتمد كلّ ليلة مواصلة التّطواف على أرجاء هذه المدينة وأكنافها، ومتابعة الإطلال على نواحيها وأطرافها، واعمل فيمن تظفر به من عابث وعاد، ومنتهج طريق الفساد، ما يرتدع به سواه، ويجعله موعظة لمن يعدل عن الصّواب ويتّبع هواه، واشدد من المتصرّفين على باب الحكم العزيز في قود أباة الخصوم، لينظر بينهم فيما ينتصف به المظلوم من الظّلوم، وتقدّم بتوقير الجوامع وصيانتها، وحافظ على ما عاد ببهجتها ونظافتها، وخذ المستخدمين من الأرباع بأن يتيقّظ كلّ منهم لما يجري في عمله، وأن يكون كلّ ما يحدث وينهى إليك من قبله، وانظر في الصّناعة المحروسة، وفي عمائر الأساطيل المظفّرة المنصورة، وتوفّر على تدبير أمورها والاهتمام بشؤونها، وحفظ ما فيها من الأخشاب، والحديد والعدد والآلات والأسباب، وابعث المستخدمين على المناصحة فيها، وبذل الجهد في قصد مصالحها وتوخّيها، وأجر أمر هذه الولاية على ما يشهد بحسن أثرك، وجميل ذكرك وطيّب خبرك؛ فاعلم هذا واعمل به، وطالع مجلس النظر السيديّ الأجلّيّ بأمور خدمتك، وما يحتاج إليه من

جهتك؛ إن شاء الله تعالى.

وهذه نسخة سجلّ بولاية الأعمال القوصيّة، وهي بعد التصدير:

أما بعد فإنّ أمير المؤمنين- لموضعه من خلافة الله التي أعمره إياها، وأنار بنظره محيّاها، والإمامة التي أفرعه ذراها، وناط به عراها، وما وكله إليه من القيام، بحفظ الإسلام، الذي رضيه دينا، وألبسه بعدله تحسينا وبذبّه عنه تحصينا، وما استودعه إياه من جوامع الحكم، وعدقه بكفالته من رعاية الأمم، وعضّد به آراءه من التأييد والتوفيق، وأوجبه من فرض طاعته على كلّ مطيق- يصطفي لمعونته على النّهوض بما حمّله الله من أعباء الأمانة، والشّكر على ما اختصّه به من الوجاهة عنده والمكانة، ويستكفي فيما أمر به من إحسان الإيالة في بريّته، وينتخب لتفويض أمورهم والسّلوك بهم مسالك رأفته في سيرته، من يكون اصطفاؤه لرضا الله عنه مطابقا، واجتباؤه لشرائط المراد والاقتراح موافقا، وانتصابه للمهمّات أفضل ما بديء به وقدّم اعتماده، وإسناد الأمر الجسيم إليه أوفى ما عظم بتدبّره شأنه ورفع بنظره عماده، وإن ولّي ولاية، جعلها بمهابته حرما آمنا على أهلها من المخاوف، وغدا حسن سيرته برهانا على فضله يضطّر إلى التصديق به المؤالف والمخالف، وأعاد حميد أثره محلها ربيعا ممرعا، وقرّب حسن ثنائه من المطالب ما كان بعيدا ممتنعا، وإن ندب للجلّى، عاد مظفّر المقاصد، محفوفا بالميامن والمساعد، ساحبا ذيل الفخر، حائزا لكنوز الأجر، مستعينا بتوحيده على العدد الجمّ، والعسكر الدّهم.

وإنّ هذه الأوصاف قد أصبحت لك أيّها الأمير أسامي لم تزدك معرفة،

وخواصّ لمهمّات إلى ملابستك إيّاها متطلّعة متشوّفة، وأفعالك الحميدة قد بنت لك بكلّ ريع منارا، وجعلت لك في كل مكرمة سمات وآثارا، وجميل رأى أمير المؤمنين فيك؛ قد زاد توفيق مساعيك، وضاعف ارتقاء معاليك، وجعل الخيرة مقترنة بمقاصدك ومراميك، وسما بك إلى رتبة من الوجاهة تتذبذب دونها مطارح الهمم، وأحلّك من الثّقة بك منزلة لا تفضي إليها خواطر الظّنن والتّهم، وتحقّق من يقينك ومضاء عزيمتك، وعدل سيرتك وصفاء سريرتك، ما جعل حظّك عنده زائد النّماء، وذكرك بحضرته مكنوفا بالشكر والثّناء، ووسائلك إليه متقبّلة؛ وقد أدركت في ريّق الشباب حزامة الكهول، واستنجحت في مقاصدك بضمير من الولاء مأهول؛ ولك البيت الذي كثر فيه الأمجاد والأفاضل، وأحلّك في دعة الناس من يخافهم المباري والمناضل، وتساوت في اعتقاد تفضيلهم حالتا السّرّ والجهر، وأصلح بعزائمهم ما ظهر من الفساد في البرّ والبحر، وفتّ المطامع بفضيلة هذا النّسب وفضيلة النفس، ودلت مآثرك على ما ظهر من خصائصك دلالة الفجر على الشّمس.

ولما رآك أمير المؤمنين أهلا للعون على استيجابه لطفا لله عنده، والتماس عوائد صنعه الجميل فيمن فارق سعيه ونبذ عهده، انتضى منك حساما حاسما للأدواء، معينا في اللأواء، طبّا بتأليف الأهواء، لا ينبو غراره، ولا يخشى اغتراره، ولا يفلّ حدّه، ولا يؤويه غمده، فانحقنت الدّماء، وسكنت الدّهماء، وعمّ الأمن، وعظم من الله تعالى الطّول والمنّ، وأصبح مكان القول فيك ذا سعة فسيحا، ولسان الإحماد لأفعالك منطلقا فصيحا، وحصلت من الوجاهة عند أمير المؤمنين بحيث قدرك رتبة خطيرة، ولا تنأى عنك بجانبها [منزلة] رفيعة

أثيرة، بل غدت خواصّها فيك لاستجزال حظّها من الجمال بك راغبة، وممتنعاتها لاستكرام الأكفاء طالبة للإفضال بل خاطبة، إذا كان ما يعدم التّتمّة بك لا يعدم شعثا واختلالا، وما حظي منها بمقاربتك يتيه زهوّا بك واختيالا، فإذا أراد أمير المؤمنين أن ينظر إلى عمل من أعمال مملكته ويرفع من محلّه، ويفيض عليه من سحائب رأفته ما يكون ماحيا لآثار جدبه ومحله، ويعمّ بالبركات أقطاره، ويبلّغ كلّا من أهله مآربه من العدل وأوطاره، استند منك إلى القويّ الأمين، والكامل الذي لا يخدع الظنّ فيه ولا يمين، إذا استكفي أمرا حمى حماه بالماضيين: حسامه واعتزامه، وتمسّك في حفظ نظامه بالحسنيين: طاعة الله وطاعة إمامه.

ولما كانت مدينة قوص وأعمالها أمدى أعمال المملكة مسافة، وأبعدها من دار الخلافة، وتشتمل على كثير من أجناس الناس، وأخلاط يحتاج فيهم إلى إحسان السّياسة والإيناس، وعليه معاج المسافرين من كلّ فجّ عميق، وإليه يقصد الحجّاج إلى بيت الله العتيق، رأى أمير المؤمنين وبالله توفيقه أن يردّ ولاية الحرب بها إليك، ويعوّل في تقويم مائدها وضمّ نشرها عليك، وأن يحسم بك داءها ويحسّن بنظرك رواءها، ويعمّ أهلها بك رأفة ومنّا، فخرج أمره إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ بالولاية المذكورة، فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين واعتمد على تقوى الله التي جعلها شرطا في الإيمان، وأمر باعتمادها في السّرّ والإعلان، فقال في كتابه المبين: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وابسط عدل أمير المؤمنين على البادين والحضّر، وأقم الحدود على من وجبت عليه بمقتضى الكتاب والسّنّة، وقم بما أمر الله به من ذلك بأنفذ عزم وأقوى منّة، وساو في الحقّ بين الضعيف والقويّ، وآس بين العدوّ والوليّ [والذميّ] والملّيّ، واجعل من تضمّه هذه الولاية ساكنين في كنف الوقاية، مشمولين بالصّون والحماية، وليكن أربهم في الصلاح في أربك،

فكلّ منهم شاكر لله على النعمة بك، وبثّ في أقطارها ما يحجز النفوس العادية عن التظالم، ويعيد شيمتهم بعد العدوان مخلدة إلى التوادع والتّسالم؛ ومن أقدم على كبائر الإجرام، ولم يتحرّج عن الدّم الحرام؛ فامتثل فيه ما أمر الله به في قوله:

إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ

واعتمد المستخدم في الحكم العزيز والدّعوة الهاديّة- ثبتهما الله- بما يقوّي عزمه، وينفّذ حكمه، وأجزل حظّه من إعزاز الجانب، وتيسير المطالب، وأحسن إليه العون على صون المؤمنين، واجتلاب المستخبثين، والمستخدمون في الأموال من مشارف وعامل وغيرهما فاندبهم في عمارة الأعمال، وبلّغهم في المرافدة كنه الآمال، واشدد منهم في صون الارتفاع، وحفظه من الإفراط والضّياع، وضافرهم على استخراج الخراج، وخذهم بحمل المعاملين على أعدل منهاج. والرجال العسكرية المركزية المستخدمون معك فاستخدمهم في الخدم السانحة، وصرّفهم في المهمّات القريبة والنازحة؛ فمن استقام على طريق الصواب، أجريت أموره على الانتظام والاستتباب، ومن كان للإخلال آلفا، وللواجب مخالفا، قوّمت بالتأديب أوده، وحلّأته عن مورد الفساد الذي تورّده.

هذه درر من الوصايا فابعث على إحضاره الثقة بهدايتك إلى كلّ صواب، واعتلاقك من الديانة والأمانة بأوثق الأسباب، وإحاطة علم أمير المؤمنين باستغنائك بذاتك، وكمال أدواتك، عن الإيقاظ والتنبيه، والإرشاد فيما تنظر فيه؛

والله يوفّقك إلى ما يرضيه، ويجعل الخيرة مكتنفة لما ترويه وتمضيه، فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى.

وهذه نسخة سجلّ بولاية الأعمال الغربيّة، وهي:

أما بعد، فإن أمير المؤمنين- لما فضّله الله به من إمامة البشر وشرّفه، وأناله إيّاه من الخلافة التي نظم بها عقد الدين الحنيف وألّفه، وأمضاه الله له في أقطار البسيطة من الأوامر، ونقله إليه من الخصائص النبويّة التي تجمّلت بذكرها فروق المنابر، ومكّنه له من السلطان الذي تخضع له الجبابرة وتدين، وعضّده به من التأييد الذي أرغم المشركين وخفض منار الملحدين، وآثره به من مزايا التقديس والتمجيد، وألهمه إيّاه من استكمال السّيرة التي أصبح الزمن بجمالها حالي الجيد، وأنجد به ملكه من موالاة النصر ومتابعة الإظفار، وحازه له من مواريث النبوّة المنتقلة إليه عن آبائه الأطهار، واصطفاه له من إيضاح سبل الهدى المعتاد، وألهمه إيّاه من إسباغ ملابس الرحمة على الحاضر من الأمم والباد، ووفّر عليه اجتهاده من استدناء المصالح واجتلابها، وصرف إليه هممه من تمهيد مسالك الأمنة وفتح أبوابها- يتصفّح أمور دولته تصفّح العاني بتهذيب أحوالها، ويتفقّد أعمال مملكته تفقّدا يزيل شعثها ويؤمّن من اختلالها، ويعدق المهمّات الخطيرة بالصدور الأفاضل من أصفيائه، ويزيد في رفع منازل أوليائه إلى الغاية التي تشهد بجلالة مواضعهم من جميل آرائه، ويفيض عليهم من أنوار سعادته ما يظهر سناه للأبصار، ويمنحهم من اصطفائه ما لا يزال دائم الثّبات والاستقرار، ويعوّل في صيانة الرعايا من المضارّ، وحراسة الأعمال المتميّزة من عبث المفسدين والدّعّار، على من تروع مهابته ضواري الآساد، وتكفل عزائمه

بقطع دابر الفساد، ويبدع في السياسة الفاضلة ويغرب، وتعجب أنباؤه في حسن التدبير وتطرب، ويعمّ الرعايا بضروب الدّعة والسّكون، ويشملهم من الأمنة والطّمأنينة بأنواع وفنون، وتقوم كفايته بسدّ الخلل وتقويم الأود، ويبلغ في تيمّنه في اكتساب المحامد إلى أقصى غاية وأبعد أمد، ويعنى بحفظ النّواميس وإقامة القوانين، ويدأب في استعمال السيرة الشاهدة له باستكمال الفضل المبين، ولا يألو جهدا في تقريب الصّلاح واستدنائه، ويقصد من الأفعال الجميلة ما تلهج به الألسن بإطابة ثنائه.

ولمّا كنت أيّها الأمير نجما من نجوم الدين المضيئة المشرقة، وثمرة من ثمرات دوحة العلاء الزّكيّة المورقة، وفذّا في الفضائل البديعة، وفردا في المحاسن التي لم تفز بنظير ذكرها أذن سميعة، وسيفا يحسم داء الفساد حدّاه، وكافيا لا يتجاوزه الاقتراح ولا يتعدّاه، وماجدا حاز المفاخر عن أهل بيته كابرا عن كابر، وعلما في المآثر يهتدي به الأعيان الأكابر، وهماما تملأ مهابته القلوب، وماضيا تلوذ بمضائه الأعمال الخطيرة وتؤوب، وصدرا تقرّ له الرؤساء بارتفاع المنزلة، ومهذّبا أغرته شيمه الرضيّة ببثّ الإنصاف وبسط المعدلة، وحازما لا يخشى اختداعه واغتراره، وعازما لا يكهم عزمه ولا يكلّ غراره. وقد ألقت إليك المناقب قيادها مطيعة، وأحلّتك الرياسة في أشمخ ذروة رفيعة، وتألّفت عندك الفضائل تألّف الجواهر في العقود، وتكفّلت لك مساعيك المحمودة بتضاعف الميامن وترادف السّعود، وتكاملت فيك الخلال المطابقة لكرم أعراقك، واستعملت الأفعال الشاهدة بمبالغتك في ولاء أئمتك وإغراقك، وحصل لك من الانتماء إلى البيت الصالحي الكريم ما كسبك فخرا لا يبرح ولا يريم، وخصّك في كلّ زمن بمضاعفة التفخيم والتقديم، وأنالك من الإقبال غاية الرّجاء، وجعل وجاهتك فسيحة الفناء، وسيعة الأرجاء. ولك المهابة التي تغني غناء الجيوش المتكاثرة العدد، والشجاعة التي تسلّط قوارع الدّمار على من كفر وعند، والعزم

الذي استمدّت السيوف الباترة من مضائه، وعزّ جانب التوحيد بانتضائه لجهاد أعداء الله وارتضائه، والإقدام الذي تلوذ منه أسود الوقائع بالفرار، والبأس الذي لا يعصم منه الهرب ولا ينجّي من بوادره الحذار.

وحضر بحضرة أمير المؤمنين فتاه ووزيره، وصائن ملكه وظهيره، السيد الأجلّ الذي فأثنى عليك ثناء طال وطاب، وحرّر في ذكر مناقبك ومحاسنك القول والخطاب، وذكر مالك [من الأعمال] في الأعمال الغربية، التي أعادت الأمنة على الرعية، وما استعملت فيهم من السّيرة العادلة، والسياسات الفاضلة، وقرّر لك الخدمة في ولاية أعمال الغربيّة؛ فخرج أمر أمير المؤمنين إليه بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ لك بالولاية المذكورة؛ فتقلّد ما قلّدته عاملا بتقوى الله سبحانه الذي إليه تصير الأمور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور؛ وقال الله جلّ من قائل في كتابه المكنون: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ

فاعمم بالعدل من تشتمل عليه هذه الولاية، وانته في حياطتهم وكلاءتهم إلى الغاية، وصنهم من كلّ أذى يلمّ بساحتهم، وتوفّر على ما عاد باستتباب مصلحتهم، واخصص أهل الستر والسلامة بما يصلح أحوالهم، ويشرح صدورهم ويبسط آمالهم، وقابل الأشرار منهم بما يدوّخ شرّتهم، ويكفّ عن ذوي الخير مضرّتهم، واشدد وطأتك على الدّعّار وأهل العناد، وتطلّبهم حيث كانوا من البلاد، واقصد حماية السّبل والطّرقات، وصنها من غوائل المفسدين على ممرّ الأوقات؛ ومن ظفرت به من المجرمين فاجعله مزدجرا لأمثاله، وموعظة لمن يسلك مسلك ضلاله؛ والمقدمون على سفك الدّم الحرام، والمرتكبون لكبائر الذّنوب والإجرام، فامتثل فيهم ما أمر الله تعالى به في كتابه الكريم، إذ يقول: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ

فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ

وأجزل حظّ النّواب في الحكم العزيز من عنايتك، واجعل لهم نصيبا وافرا من اهتمامك ورعايتك، وعاضدهم على إقامة منار الشرع، وأجر أحوالهم على أجمل قضيّة وأحسن وضع. والمستخدمون في الأموال، تشّد منهم شدّا يبلّغهم الآمال، ويقضي بتزجية الارتفاع وتثمير الاستغلال، وعاضدهم على عمارة البلاد، ووازرهم على ما تكون به أحوالها جارية على الاطّراد. والرجال المركزيّة والمجرّدون فاستنهضهم في المهمّات القريبة والبعيدة، وخذهم بلزوم المناهج المستقيمة السّديدة، وقابل الناهض منهم بما يستوجبه لنهضته، وقوّم المقصّر بما يوزع من يسلك مسلكه ويقتفي طريقته، فاعلم هذا واعمل به وطالع، إن شاء الله تعالى.

وهذه نسخة سجلّ بولاية ثغر الإسكندرية، كتب به لابن مصّال، من إنشاء القاضي الفاضل، وهي:

أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين- لما أكرمه الله به من شرف المنصب والنّصاب، وأجار العباد بآبائه الطاهرين من عبادة الأوثان والأنصاب، وأوردهم من موارد حكمه التي كلّ صادر عن ريّ قلبه منها صاد، وسخّره بأمره من رياح الصواب التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، وأصمى بسهام عزائمه، من مقاتل الباطل، وحلّى بأنوار مكارمه، من أجياد الأمانيّ العواطل، وأنجزه على يد أياديه من وعود سعود تظلّ السّحب المواطر بمثلها هواطل، وتوحّده به من الإمامة التي أعزّ بها أحزاب

التوحيد، وأجراه من بركاته التي لا تقول الآمال لها هل من مزيد، وأوراه من فتكاته التي لا تقول لها الآجال هل من محيد، وأجدّ به من إرادته لأزمة الأيام فهي بين إنعامه وإسقامه تفيد وتبيد، وأحدثه له من معجزات التأييد التي تملك أحاديثها رقّ التأبيد، وشرّف به قدره في ملكوت السموات والأرض والملائكة له أنصار والملوك له عبيد، وألهمه من إيداع جليّ صنائعه حيث لا ينكر المقلّد ولا يستغرب التقليد، وأنطق به لسان كرمه من بدائع إحسان تروق بين التّرديد والتوليد- ينظر بنور الله فيمن ينظر به للجمهور، ويجلو عقائل المكارم على من هو ماهر في تقدمة المهور، ويربح الذين يرجون بولائه تجارة لن تبور، ويقتدح الأنوار المودعة في سواد الشّباب كما يودع في سواد العين بياض النّور، ويرفع رتب الأعيان حتّى إذا تعاطاها سواهم ضرب بينه وبينها بسور، وتعود أياديه إلى بيوت النّعم فكلّ بيت تولّاه كالبيت المعمور، وتهدي السرور بهم إلى صدور الثّغور، والابتسام إلى ثغور الصّدور، ويرى أنهم يستوجبون فواضله ميراثا، وإذا سلّمت إليهم أعنّة الولايات كانت لهم تراثا، وإذا تبوّءوا الرّتب العلية كانت الرياسة لهم دارا والسّياسة أثاثا، لا سيّما الصدر الذي عرفته السعادة لدولة أمير المؤمنين واحدا يجمع فضل سلفه، وندبا ما عرضت عليه جواهر الدّنيا فضلا عن أعراضها إلّا ولّاها عطف نزاهته وظلفه، وألمعيّا تتناثر معاني المعالي من شمائله كما تنتثر من غصن القلم ثمار أحرفه، وكفؤا للصّدور من أنهضه بها بنصّ تكلّفه أنهضه بها فضل كلفه، وقوّاما بالأمور يمضي عليها مضاء النّجم في بحر حندسه لا السّهم في نحر هدفه، وملّاكا للثّغور إذا حلّ منها في إسكندريتها فهو على الحقيقة نجم حلّ برج شرفه، وطودا للوقار يعتزي الحلم منه إلى أقومه لا إلى أحنفه، وشرطا للاختيار، يكتفي مصطفيه منّة معرّفه ومؤونة معنّفه، ومعنى للفخار، لم ينتصف فيه من لسان واصفه مسمع مستوصفه، وعلما للأنظار، يبدو لهم منار إشراقه ويخفى عليهم منال شرفه.

ولمّا كنت أيّها الأمير واسطة عقد هذه الأوصاف الحسنى، ومنجد ألفاظها من الحقيقة بالمعنى الأسنى، المتوحّد من الرياسة باسم لا يجمع بعده ولا يثنّى،

الجاري إلى غاية من المجد لا يردّ عنها عنانه ولا يثنى، الجدير إذا ولّي أن يسكن الرعيّة اليوم عدلا لا تسكنه في غد عدنا، وينجز فيهم وعد الله الصادق في قوله:

وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً

، المستبدّ بالحمد حتىّ استقرّ فيما يفعل واستقرى فيما يكنى، الثّبت الذي لا تقرع الأهوال صفاته، الندب الذي لا تبلغ الأقوال صفاته، الوليّ الذي لا تكدّر الأحوال مصافاته، الجامع بين فضل السوابق وفضل اللواحق، المتجلّي في سماء الرّياسة نيّرا لا تهتضمه صروف الليالي المواحق، المشكور الفعال لا بألسنة الحقائب بل بألسنة الحقائق، المستبدّ بالهمم الجلائل المدلولة على المحاسن الدقائق، المستمدّ صوب الصواب من خاطر غير خاطل، المستجدّ ثوب الثواب بسعي ينصر الحقّ على الباطل، المستعدّ لعقب الأيام بأقران من الحزم تثنيها على الأعقاب، المستردّ بمساعيه فوارط محاسن كانت مطويّة في ضمائر الأحقاب، السامي بهمّته، إلى حيث تتقاصر النواظر السّوامي، المقرطس بعزيمته، حيث لا تبلغ الأيدي الرّوامي، المستقلّ بقطّ نواجم الخطوب وحسمها، المستقرّ في النفوس أنه يقوم في ظلمها مقام نجمها، المطلق وجها فلا غرو أن تجلى به الجلّى، المطلق وصفا حسنا فلا يعرض له لولا ولا إلّا، المؤيّد العزمات، في صون ما يفوّض إليه ويليه، المتّقى الوثبات، ممن يجاوره من الأعداء ويليه، المحيي بمسعاه ما شاده أوّلوه، والمتوضّحة فيه نصوص المجد الذي كانوا تأوّلوه، والآوي إلى بيت تناسقت في عقوده الرؤساء الجلّة، والطالع منه في سماء إذا غربت منها البدور أشرقت فيها الأهلّة.

ولقد زدت عليهم وما قصّروا زيادة أبيض الفجر على أزرقه، وكنت شاهد من يروي مناقبهم البديعة، ودليل من ادّعى أن المكارم لكم ملكة وعند سواكم وديعة، وقبلت وصاياهم في المعالي فكأنما كانت لديكم شريعة، ونصرتم الدولة العلويّة فكنتم لها أمثل أولياء وأخصّ شيعة، وتجمّلت أنسابكم باصطناعها وكفاكم

إن عددتم لصنائع الله صنيعة، وأباحتكم من اصطفائها كلّ درجة على تعاطي الأطماع عليّة منيعة، وقدّمتكم جيش برّها وبحرها، وكان منكم سيف جهادها ونجم ليلها وفارس كرّها، وصالت بكم على أعدائها كلّ مصال، وأغربت من يليها إلا إذا استقرّت في داركم إلى مصّال؛ وحين خرجت منها خائفا تترقّب، وأبقيت فيها حائفا يتعقّب، كنت الذهب المشهور، الذي ما بهرجه الرّغام، والحرف المجهور، الذي ما أدرجه الإدغام، وكنت وإن كنت بين الكفّار، عنهم شديد النّفار، وحللت فيهم محلّ مؤمن آل فرعون يدعوهم إلى النجاة وإن دعوه إلى النار، وعدت إلى باب أمير المؤمنين عود الغائب إلى رحله، والآئب إلى أهله، واستقررت به استقرار الجوهر في فصله، والفرع في أصله، وأبان الاستشفاف عن جوهرك الشّفّاف، وخرجت من تلك الهفوات خروج الرياح لا خروج الكفاف، وأعربت السعادة إذ حيّتك بمشيب أسود، وتبع الأماجد غبارك الذي يرفع من طريق السّودد، واعتلقت بعروة الجدّ، فلست من دد ولا منك دد، وضبّرت قلب العيش الأصفى بعد العيش الأنكد؛ لا جرم أن أمير المؤمنين أنساك سيئة أمسك بحسنة يومك، وسما بك إلى أعلى رتب الأولياء وأغناك عن تعرّض سومك، وأنعم بك على قوم ما عرفوا إلا رياسة قومك.

وحضر بحضرة أمير المؤمنين أمين مملكته، ويمين فتكته- السيد الأجل الذي أتى الله به سهما إلى مصر وهي كنانته؛ وأفرده بمزيّة السبق فلا حظّ لمساجله إلا أن تدمى بنانته، ورعى الرعيّة منه ناظر لا تلمّ بناظره مراود الهجود، وقام بالملك منه قائم لا يزال يورده موارد الجود، وأغنته يد الغلاب عن لسان الجلاب، ونال نادرة الأمل في نادرة الطّلاب، وجمّت فتكاته من الهرمين إلى الحرمين، وصرّف الرّمح تصريف القلم وكأنه يصول ويصلّ بقلمين، وردّ الله به العدوّ منخذلا، وطالما لقيه فأقام منجدلا، وأضحى به ذيل النعمة منسحبا وستر الأمنة منسدلا، ودبّر الأمور

فأمسكها حازما وعقلها متوكّلا- فأنهى ما لسلفك عند الأئمة الخلفاء من مزيّة الاصطفاء، وما لك في نفسك من الحسنات التي ما برحت بارحة الخفاء، وما اطّلع عليه من خلالك التي ما أخلّت بمنقبة، وأفعالك التي ما تغايرت في يوم ذي نعمة ولا يوم ذي مسغبة، وما لك من وثائق العقود، وما فيك من الأوصاف المؤكّدة لعلائق السّعود، وقرّر لك الخدمة في كذا وكذا- خرج أمر أمير المؤمنين إليه بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجلّ لك بالخدم المذكورة وهي التي فرّقت لسلفك وجمعت لديك، كما أن محاسنهم المفرّقة منتظمة العقود عليك:

ليكمّل لك ولايتي الثغر والسيادة في حال، وليسدّ بك ثغر الجهاد وثغر الإمحال، ولتقوم [في هذا] مقام الجحفل الجرّار وفي ذلك مقام الحيا الهطّال، ولتكون فرائد الإنعام عندك تؤاما، وليجعل ابتداء تصرّفك لغيرك تماما، وليختصر لك طريق الكمال، وليجري بك في ميدان الشكر طليق الآمال، فتقلّد ما قلّدته منهما عاملا بتقوى الله التي هي مصالح الأعمال، وميدان الإتحاف والإجمال، وسبب النجاة في الابتداء وعند المآل؛ قال الله سبحانه في كتابه الذي لم يجعل له عوجا:

وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً

وابسط العدل على من يحويه هذا الثغر الذي هو ثغر الثّغور الباسم، وأولاها بأن تكون أيامه بأوامر الله وأمر أمير المؤمنين مواسم؛ ففيه من صدور المحافل، وقلوب الجحافل، وعيون المدارس، وأعيان الفوارس، وتجّار الدنيا والآخرة، وأخبار الأمة المقيمة والمسافرة، ووفور مكارم عدل أمير المؤمنين التي هي بالرّجاء واردة وبالرضا صادرة، من يؤثر أن يكون فضل السّكون لهم شاملا، ورداء الأمن عليهم سابلا، وسحاب الإنعام عليهم هاطلا، وحالهم في الاتّساق لا متغيّرا ولا

حائلا، وساو في الحق بين أبعدهم وأقربهم، ومقيمهم ومتغرّبهم، واعتمد منهم من تقدّم ذكره بما يرهف في الطاعة خاطره ويشحذه، ويصونه من تحيّف الأيدي الجائرة وينقذه، واخصص العلماء بكرامة تعينهم على التعليم، والأعيان بمزيّة توضّح لهم ما لهم من مزيّة التقديم، واكفف عوادي أهل الشّره والشّر، واقمع غلواء من اعتّز بغير الله واغترّ، وتوخّهم بإقامة المهابة وبسطها، وكفّ الشوكة وقطّها، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وأقم الحدود إقامة من يثاب عليها ويؤجر، وتفقّدها على حدّها غير داخل في الأقلّ ولا خارج إلى الأكثر، وأذك العيون على من يلمّ بسواحل الثغر من أسطول العدو اللعين ومراكبه، واحجز باليقظة بينه وبين تلصيص مطالبه، وأمر أهله باتخاذ الأسلحة التي يعزّ الله بها جانبه، ويذلّ مجانبه، وتبلغ العدو اللعين من ذكرها ما يعملها وهي في أيديهم موفرّة، ويبذلها في مقاتلهم وبيوتهم بها معمّرة؛ قال الله سبحانه في آياته المتلوّة:

وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ

واعتمد للأعمال البحريّة مثل ما تقدّم شرحه من تأمين الأخيار وترويع الأشرار، وتتبّع كل مريب مستخف بالليل وسارب بالنّهار؛ ومن ظفرت به قد حارب الله في أرضه، وصار قتله من فرضه، فنفّذ حكم الله فيه في آية السيف وأمضه، وادع إلى عمارة بلادها وتخفّرها، وتفقّد المصالح بها وتكثّرها، وإطابة أنفس المزارعين بما تخفّفه عنهم من وطأة كانت ثقيلة، وتقلّله عنهم من مغارم لم تكن قليلة؛ فما عمرت البلاد بمثل النزاهة التي هي شيمتك المعتادة، والمعدلة التي هي من خلالك مستفادة، واعتمد كلّا من النائب في الحكم العزيز والناظر في الدعوة الهاديّة والمشارف بالثغر والعمّال برعاية تحفظ مراتبهم، وتلحظ مطالبهم، وتنفّذ الأحكام، وتبلغ بما ينظرون فيه من المصالح غايات التّمام، وتعزّ طائفة

الإيمان، وتظهر عليهم أثر الإحسان، وتستدرّ حلب الأموال، وتستديم عمارة الأعمال، وتقضي بمواصلة الحمول وتحصيل الغلال، وتعود بها عليك عوائد الأجر والجمال؛ ومثلك اشتهارا أيّها الأمير من ولّي فلم تطل له الوصايا التي يحتاج إلى إطالتها سواه، ويوثق بما يذكيه من عيون حزم غير غوافل ولا سواه، ويحقّق أن تقواه رقيب سرّه ونجواه، وأن أمير ورعه يحكم على أسير هواه؛ والله سبحانه يجعل نعمة أمير المؤمنين لديك مأمولة الدّوام موصولة الحبل، ويتمّها عليك كما أتمّها على أبويك من قبل؛ إن شاء الله تعالى.

قلت: وعلى هذا النمط كانت سجلّات سائر ولايات أعمال الديار المصرية، فكانت تكتب على نظير ذلك في الوجه القبليّ ولاية الجيزيّة، وولاية الإطفيحيّة، وولاية البهنساويّة، وولاية البوصيريّة، وولاية الأشمونين والطّحاويّة، وولاية السّيوطية، وولاية الإخميميّة، وولاية الفيّوم، وولاية واح البهنسا، وولاية الواح الداخلة، وولاية الواح الخارجة. ومن الوجه البحري ولاية القليوبية، وولاية منية تردي وهي منية غمر، وولاية المرتاحية، وولاية الدّقهلية، وولاية مدينة تنّيس- وبها كانت دار الطّراز- وولاية المنوفيّة، وولاية جزيرة بني نصر وربما أضيفت إلى المنوفية وعبّر عنهما بالمنوفيّتين، وولاية جزيرة قوسينيّا، وولاية البحيرة، وولاية ثغر رشيد المحروس، وولاية ثغر نستراوه، وولاية ثغر دمياط، وولاية الفرما، بساحل الشامي فيما دون العريش.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.