من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المذهب الثالث من مذاهب كتّاب الدولة الفاطميّة
(أن يفتتح ما يكتب في الولايات بخطبة مبتدأة بالحمد لله كما يكتب في أعلى الولايات في زماننا، ويقال: «يحمده أمير المؤمنين على كذا وكذا، ويسأله أن يصلّي على محمد وآله، وعلى جدّه عليّ بن أبي طالب» ثم يقال: «وإنّ أمير المؤمنين لم يزل ينظر فيمن يصلح لهذه الولاية، وإنه لم يجد من هو كفؤ لها غير المولّى، وإنه ولّاه تلك الوظيفة» ثم يوصّى بما يليق به من الوصية، ثم يقال: «هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك، فاعمل به» أو نحو ذلك مما يعطي هذا المعنى) وقد أورد عليّ بن خلف من إنشائه في كتابه «موادّ البيان» المؤلّف في ترتيب الكتابة للدولة الفاطمية عدّة تقاليد لأرباب السّيوف.
منها- تقليد في رسم ما يكتب للوزير، [وهو]:
الحمد لله المنفرد بالملكوت والسلطان، المستغني عن الوزراء والأعوان،
خالق الخلق بلا ظهير، ومصوّرهم في أحسن تصوير، الذي دبّر فأتقن التدبير، وعلا عن المكلّف والمشير، المانّ على عباده بأن جعلهم بالتوازر إخوانا، وبالتظافر أعوانا، وأفقر بعضهم إلى بعض في انتظام أمورهم، وصلاح جمهورهم.
يحمده أمير المؤمنين أن استخلفه في الأرض، وناط به أسباب البرم والنقض، واسترعاه على بريّته، واستخلصه لخلافته، وقيّضه لإعزاز الإسلام، وحياطة الأنام، وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، ويسأله الصلاة على سيدنا محمد خاتم الأنبياء، وخيرة الأصفياء، المؤيّد فأفضل الظّهراء، وأكمل الوزراء:
عليّ بن أبي طالب المتكفّل في حياته، بنصره وإظهار شريعته، والقائم بعد وفاته، مقامه في أمّته، صلّى الله عليهما،، وعلى الأئمة من ذرّيتهما، مفاتيح الحقائق، ومصابيح الخلائق، وسلّم، وشرّف وكرّم.
وإنّ الله تعالى نظر لخلقه بعين رحمته، وخصّ كلّا منهم بضرب من ضروب نعمته، وأقدرهم بالتعاضد، على انتظام أمورهم الوجودية، وأوجدهم السّبل بالترافد، إلى استقامة شؤونهم الدّنيويه: لتنبجس عيون المعاون بتوازرهم، وتدرّ أخلاف المرافق بتظافرهم.
وأولى الناس باتّخاذ الوزراء، واستخلاص الظّهراء، من جعله الله تعالى إلى حقّه داعيا، ولخلقه راعيا، ولدار الإسلام حاميا، وعن حماه مراميا، واستخلفه على الدّنيا وكلّفه سياسة المسلمين والمعاهدين، ولذلك سأل موسى ﵇ وهو القويّ الأمين، في استخلاص أخيه هارون لوزارته، وشدّ أزره بموازرته، فقال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
، واستوزر محمد ﷺ وهو المؤيّد المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ابن عمه عليّا سيد الأوصياء، بدليل قوله له: «أنت منّي كهارون من موسى
إلا أنّه لا نبيّ بعدي» لأن الإمام لو تولّى كلّ ما قرب وبعد بنفسه، وعوّل في حيطته على حواسّه، لنصّ ذلك بتطرّق الخلل، ودخول الوهن والشّلل؛ وإنما تستعين الأئمة على ما كفّلها الله بكفاة الأعوان، وأهل النّصرة في الأديان، وذوي الاستقلال والتشمير، والمعرفة بوجوه السياسة والتدبير، والخبرة بمجاري الأعمال، وأبواب الأموال، ومصالح الرجال.
وإنّ أمير المؤمنين لم يزل يرتاد لوزارته حقيقا بها مستحقّا نعتها، جامعا بين الكفاية والغناء، والمناصحة والولاء، والأبوّة والاختصاص، والطاعة والإخلاص، والنّصرة والعزم، وأصالة الرأي والحزم، ونفاسة السياسة والتدبير، والنّظر بالمصلحة في الصغير والكبير، والاحتيال والتأديب، وملابسة الأيّام والتجريب، والانتماء إلى كريم المناجب، بضمير المناصب، ويكّرر في الاختيار تقليده، ويجيل في الانتقاء تأمّله وتدبّره. وكلّما عرضت له مخيلة قمن توافق إيثاره، أخلف نوءها، وكلما لا حت له بارقة تطابق اختياره، خبا ضوءها، حتى انتهت رويّته إليك، وأوقفه ارتياده عليك، فرآك لها من بينهم أهلا، وبتقمّص سربالها أولى، وبالاستبداد بإمرتها أحقّ وأحرى: لاشتمالك على أعيان الخصائص التي كان زياد [لها] جامعا، وحلولك في أعيان المناقب التي لم تزل ترومها متحلّيا بفرائدها، وما شهرت به من إفاضة العدل والإقساط، وإغاضة الجور والإشطاط، وإنالة الحقّ والإنصاف، وإزالة الظّلم والإجحاف، ومراعاة النّصح بإنسانك شاهدا، ومناجاته بحذارك جاهدا، ولنهوضك بالخطب إذا ألمّ وأشكل، والحادث إذا أهمّ وأعضل، وتفرّدك بالمساعي الصالحة، والآثار الواضحة، والطرائق الحميدة، والمذاهب السّديدة، والتحلّي بالنّزاهة والظّلف، والعطل من
الطّبع والنّطف، وفضل السّيرة، وصدق السّريرة، ومحبة الخاصّة والعامّة، والمعرفة بقدر الأمانة، والاضطلاع بالصّنيعة، والحفظ للوديعة.
فرأى أمير المؤمنين برأيه فيما يريه، ويقضي له بالصلاح فيما يعزم عليه ويمضيه، ويسدّد مراميه ومساعيه، ويتعهّده في جميع مقاصده بلطف تحلو ثماره، وتحسن عليه وعلى الكافّة آثاره، أن قد ولّاك النظر في مملكته، وأعمال دولته:
برّها وبحرها، وسهلها ووعرها، وبدوها وحضرها، وردّ إليك سياسة رجالها وأجنادها، وكتّابها وعرفائها، ورعيّتها ودواوينها، وارتفاعها ووجوه جباياتها وأموالها، وعدق بك البسط والقبض، والبرم والنّقض، والحطّ والرّفع، والعطاء والمنع، والإنعام والودع، والتصريف والصّرف، ثقة بأن الصواب منوط بما تسدي وتلحم، وتفيض وتنظم، وتنقض وتبرم، وتصدر وتورد، وتقرّر وتأتي وتذر، فلتهنأ هذه النعمة متملّيا بملبسها، ساريا في قبسها، وتلقّها من الشكر بما يسترهنها ويخلّدها، ويقرّها عليك ويؤبّدها، واعرف ما أهّلك له أمير المؤمنين من هذا المقام الأثير، والمحلّ الخطير؛ فإنّما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأنت وإن كنت مكتفيا- بفضل حصافتك، وثقابة فطنتك، وحسن ديانتك، ووثاقة تجربتك- عن التبصير، مستغنيا عن التنبيه والتذكير، فإن أمير المؤمنين لا يمتنع أن يزيدك من مراشده، ما يقفك على سنن الصواب ومقاصده؛ وهو يأمرك بتقوى الله تعالى في سرّك وجهرك، واستشعار خشيته ومراقبته؛ والله قد جعل لمن اتّقاه مخرجا من ضيق أمره وحرجه، ونصب له أعلاما على مناهج فرجه. وأن
تستعمل الإنصاف والعدل، وتسبغ الإحسان والفضل، وتلين كنفك، وتظهر لطفك، وتحسن سيرك، وتفيض برّك، وتصفح وتحلم، وتعفو وتكرم، وتبصّر من ترجو صلاحه وتفهّمه، وتنصف من أفرط جماحه وتقوّمه، وتأخذ بوثائق الحزم، وجوامع العزم، والغلظة والشدّة على من طغى ولجّ في غيّه وعتا، وبارز الله وأمير المؤمنين بالخلاف والشّقاق، والانحراف والنّفاق، مستعملا فاضل التدبير عند الموادعة، وفاصل المكافحة عند المقارعة، مصلحا للفاسد، مشتّتا للشارد، مكثّرا لأولياء الدولة وخلصائها، وحاصدا لبغاتها وأعدائها، واعظا مذكّر للغافل، مؤمّنا للمظلوم الخائف، مخيفا للظالم الحائف، مستصلحا للمسيئين، مذكّرا بإحسان المحسنين، متنجّزا لهم الجزاء على بلائهم في الطاعة وآثارهم في الخدمة. وأن تنظر في رجال الدولة على اختلافهم نظرا يسلك بهم سبيل السّداد، ويجري أمورهم على أفضل العرف المعتاد؛ فأما الأماثل والأمراء، والأعيان والرؤساء، فتحفظ على من أحمدت طريقته، وعرف إخلاصه وطاعته، شعار رياسته، وتزيد في تكرمته، وتنتهي به إلى ما تتراءى إليه مواضي همّته؛ وأمّا طوائف الأجناد فتقرّهم على مراتبهم في ديوان الجيش المنصور، وتخصّهم من عنايتك بالنصيب الموفور، وتستخدمهم في سدّ الثّغور وتسديد الأمور، وتراعي وصول أطماعهم إليهم، أوقات الاستحقاق إليهم، وانفاقهم نصاب الوجوب منهم؛ وأما الكتّاب المستخدمون منهم في استخراج الأموال، وعمارة الأعمال، فتخصّ كفاتهم بما تقتضيه كفايتهم، وأمناءهم بما توجبه أماناتهم، وتستبدل بالعاجز الخبيث الطّعمة، والطّبع المستشعر شعار المذمّة: ليتحفظ النّزه المأمون بنزاهته وأمانته، ويقلع الدّنس الخؤون عن دنسه وخيانته، وتأمر من تختاره لخدمة أمير المؤمنين منهم أن يسيروا بالسّير الفاضلة، ويعملوا على الرّسوم العادلة، فلا يضيّعوا حقّا لبيت مال المسلمين، ولا يخيفوا أحدا من المعاملين. وأما الرعيّة، فيأمرك أن تحكم بينها بالسّوية، وتعتمدها بعدل القضية، وترفع عنها نير الجور، وتحميها من ولاة
الظلم، وتسوسها بالفضل والرأفة متى استقامت على الطاعة، وتأدّبت في التّباعة، وتقوّمها متى أجرت إلى المنازح والافتتان، وأصرّت على مغضبة السلطان. وأما الأموال وهي العدّة التي ترهف عزائم الأولياء، وتغض من نواظر الأعداء، فتستخرجها من محقّها، وتضعها في مستحقّها، وتجتهد في وفورها، وتتوفّر على ما عاد بدرورها، وأن تطالع أمير المؤمنين بذرّة وجلّه، وعقد أمرك وحلّه، وتنهي إليه كل ما تعزم على إنهائه، وترجع فيه إلى آرائه: ليكرمك من موادّ تبصيره وتعريفه، ويزيدك من هدايته وتوقيفه، بما يفضي بك إلى جادّة الخير وسبيله، ويوضّح لك علم النّجاح ودليله.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك: وقد أودعه من تلويح الإشارة، ما يكتفى به عن تصريح العبارة، ثقة بأنك الأريب الألمعيّ، والفطن اللّوذعيّ، الذي تنتهي به متون التذكير إلى أطرافه وحواشيه، وتفضي به هوادي القول إلى أعجازه وتواليه.
فتقلّد ما قلدك أمير المؤمنين، وكن عند حسن ظنّه في فضلك، وصدّق مخيلته في كمالك، والله تعالى يعرّف أمير المؤمنين وجه الخيرة في تصيير أمره إليك، وتعويله في مهماته عليك، ويوفقك لشكر الموهبة في استخلاصك، والمنحة في اجتبائك، وينهضك بما حمّلك من أعباء مظاهرته، وجشّمك من أثقال دولته، ويسدّدك إلى ما يدرّ عليك أخلاف [نعمته]، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد زمّ الأقارب: وهو التقدمة على أقارب الخليفة، وهذه نسخته:
الحمد لله الذي ابتدأ بنعمته ابتداء واقتضابا، وأعادها جزاء وثوابا، وميّز من
اختصّه بهداية خلقه، واستخلصه لإظهار حقّه، بأضفاها عطافا، وأصفاها نطافا، وأحسنها شعارا، وأجملها آثارا، واستخرجهم من أطيب البريّة أعراقا، وأطهرها شيما وأخلاقا، وأقدمها سؤددا ومجدا، وأكرمها أبا وجدّا، وتوحّد بأفضل ذلك وأعلاه، وأكمله وأسناه، محمدا صفوته من خلصائه، وخيرته من أنبيائه، فأظهره من المنجب الكريم، والمنجم الصّميم، والدّوحة الطاهر عنصرها، الشريف جوهرها، الحلو ثمرها، ورشّح من اختاره من عترته لسياسة بريّته، والدعاء إلى توحيده وطاعته.
يحمده أمير المؤمنين أن شرّفه بميراث النبوّة، وفضّلة بأكرم الولادة والأبوّة، وأحلّه في الذّروة العالية من الخلافة، وناط به أمور الكافة، ويسأله الصّلاة على جدّه محمد وعليّ أبيه، صلّى الله عليهما.
وإن أمير المؤمنين يرى أنّ من أشرف نعم الله عليه موقعا، وألطف مواهبه لديه موضعا، توفيقه للمحافظة على من يواشجه في كريم نسبه، ويمازجه في صميم حسبه، ويدانيه في طاهر مولده، ويقاربه في طيب محتده، وتنزيل كلّ ذي تميّز منهم في دين وعلم، ودراية وفهم، وإحلاله بالمنزلة التي يستوجبها بفاضل نسبه، وفضل مكتسبه، ويبعث أنظاره على التحلّي بخصاله، والتزيّن بخلاله:
ليحصل لهم من فضل الخلائق والآداب، ما يضاهي الحاصل لهم من عراقة المناجب والأنساب؛ ولذلك لا يزال ينوط أمورهم، ويكل تدبيرهم، إلى أعيان دولته، وأماثل خاصّته، الذين يعتادون حضرته ويراوحونها، ويطالعونه بحقائق أحوالهم وينهونها، ويستخرجون أمره في مصالحهم بما يذلّل لهم قطوف إحسانه وطوله، ويعذب لهم مشارع برّه وفضله؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
فإن كان العهد إلى خادم، قال:
ولما كنت بحضرة أمير المؤمنين معدودا في أولي النّباهة، المترشّحين للاستقلال بأعباء دولته وذوي الوجاهة، المستخلصين لاستكفاء جلائل مملكته:
لما اجتمع فيك من إباء النفس وعزّتها، ووثاقة الدّيانة وحصافتها، وسداد السّيرة واستقامتها، ونقاء السريرة وطهارتها، وتقيّلك منهج أمير المؤمنين ومذهبه، وتمثّلك بهديه وأدبه، ونشئك في قصور خلافته، وارتضاعك درّ طاعته- رأى- والله تعالى يعزم له على الخير في آرائه، ويوفّقه لصالح القول والعمل في انحائه- أن قلّدك زمّ بني عمّه الأشارف الإسماعيليين ثقة بسياستك وحميد طريقتك، وإنافة لمنزلتك وإعرابا عن أثير مكانتك.
وإن كان العهد إلى شريف قيل بدلا من هذا الفصل:
ولمّا كنت بحضرة أمير المؤمنين ممن زيّن شريف محتده، بمنيف سؤدده، وطاهر مولده، بظاهر محتده؛ وكريم تالده بنفيس طارفه، وجليل سالفه، بنبيل آنفه، مقتفيا سنن أوّليّتك، مفرّعا على أصول دوحتك، ضاربا بالسّهم المعلّى في الدين والعلم، حائزا خصل السّبق في الرّجاحة والفهم، رأى أمير المؤمنين أن قلّدك نقابة بني عمّه الأشراف الفلانيين: ثقة بأنك تعرف ما يجمعهم وإيّاك من الأرحام الواشجة، والأواصر المتمازجة، وتحسن السّيرة بهم، والتعهّد لهم والتوفّر عليهم.
ثم يوصل الكلام بأيّ الخطابين قدّم فيقال:
فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين مستشعرا تقوى الله وطاعته، معتقدا خيفته ومراقبته، سائرا فيمن ولّاك أمير المؤمنين بسيرته، مستنّا بسنّته، متأدّبا بآدابه، مقتفيا مناهج صوابه، وإكرام هذه الأسرة [التي] خصّها الله تعالى بكرامته، وفرض مودّتها على أهل طاعته، ونزّهها عن الأدناس، وطهّرها من الأرجاس، فقال
جل قائلا: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
واعرف لهم حقّ مراتبهم الدانية من أمير المؤمنين، ونزّلهم بحيث نزّلهم الله من الدّنيا والدّين، واعتمد تعظيم مشايخهم وتوقيرهم، وسياسة شبّانهم وتدبيرهم، وتقويم أخلاقهم وتثقيفهم، وخذهم بلزوم الطرائق الحميدة، والمذاهب السّديدة، التي تليق بأصولهم الطاهرة، وفروعهم المثمرة، ومناحتهم الصّميمة، ومناجبهم الكريمة، وتفقّد منشاهم ومرباهم، وخلطاهم وقرباهم؛ فمن تناكرت أعراقه، وأخلاقه، وأنسابه، وآدابه، بالغت في تنبيهه وتعريفه، فإن نجع ذلك فيه وإلا بسطت يدك إلى تهذيبه، وإصلاحه وتأديبه: ليستيقظ من منامة غرّته، ويرجع إلى اللائق بشرف ولادته؛ وانظر فيما أوقف عليهم من الأملاك والمستغلّات، والضيّاع والإقطاعات، والرّسوم والصّلات، واندب لتولّي ذلك من تسكن إلى ثقته وأمانته من الكتّاب، وراع سيرته في عمارته، وطريقته في تثمير ماله وزيادته؛ فإن ألفيته كافيا أمينا أقررته، وإن وجدته عاجزا خؤونا صرفته، واستبدلت به من يحسن خبرك، ويطيب أثرك، وأجر الأمر في قسمته بين ذكورهم وإناثهم على الرسوم التي يشهد بها ديوانهم، واكتب الرّقاع عنهم إلى الحضرة في اقتضاء رسومهم، وما يعرض من مهمّات أمورهم، وتتنجّز كلّ ما يتعلق بهم وتنوب عنهم فيه: لتستقيم شؤونهم بسياستك، وتنتظم أحوالهم بحسن سيرتك.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك فاعمل به وانته إلى متضمّنه، إن شاء الله تعالى.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد بنقابة العلويّين، وهو:
الحمد لله الذي انتجب من أسرار عباده قادة جعلهم لمصالحهم نظاما،
وانتخب من أخيار خليقته سادة صيّرهم لأمورهم قواما، وعدق بهم هداية من ضلّ، وتقويم من دلّ، وتعليم من جهل، وتذكير من غفل، ونصبهم أعلاما على طرق الرّشاد، وأدلّة على سبل السّداد.
يحمده أمير المؤمنين أن اختصّه بأثرة الخلافة والإمامة، وميّزه بمزيّة الولاية على الأمّة والزّعامة، وانهضه بما كلّفه من سياسة بريّته وتنزيلهم منازلهم من اختصاصه وإيثاره، وإحلالهم في محالّهم من استخلاصه واختياره، ويسأله الصلاة على أشرف الأمم نجارا وأطيبهم عنصرا، وأعظمهم مفخرا، سيدنا محمد صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه، وباب حكمته وعلمه، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الراسخ في نسبه، المداني [له] في حسبه، سيفه الباتر، ومعجزه الباهر، ومكاتفه المظاهر، وعلى الأئمة من ذرّيتهما المهديّين، وسلم تسليما.
وإنّ أمير المؤمنين- بما خصّه الله تعالى من شرف المنجم والمولد، وكرم المحتد، وخوّله من مناصب الخلفاء والأئمّة، وناط به من إمامة الأمّة- يرى أنّ من نعم الله التي يجب التحدّث بشكرها، وتحقّ الإفاضة في نشرها، وتوفيقه للنظر في أحوال ذوي لحمته، وأولي مناسبته، المواشجين له في أرومته، المعتزين إلى كرم ولادته، وتوخّيهم بما يرفلهم في ملابس الجمال، ويوقّلهم في هضبات الجلال، ويرتّبهم في الرّتب التي يستوجبونها [ويراها] أولى بمغارسهم وأنسابهم، وماسّا بأنفسهم وآدابهم؛ ولذلك يصرف اهتمامه إلى ما يجمع لهم بين شرف الأعراق، وكرم الأخلاق، وطهارة العناصر والأواصر، وحيازة المناقب والمآثر.
ولما كنت بحضرة أمير المؤمنين من جلّتهم العلماء، وطهرتهم الأزكياء، وأبرارهم الصّلحاء، وخيارهم الفضلاء، الذين تضارعت أخلاقهم وأعراقهم،
وتقارعت أنسابهم وآدابهم، وتشاكهت مواردهم ومصادرهم، وتشابهت أوائلهم وأواخرهم، واتفقت جيوبهم ودخائلهم، وتوضّحت عن الدين والخير مخايلهم؛ هذا مع ما يرعاه أمير المؤمنين من كريم مساعيك في خدمته، وإصابة مراميك في طاعته، واعتصامك بحبل متابعته، ونهوضك بحقوق ما أسبغه عليك من نعمته، رأى أمير المؤمنين- والله تعالى يقضي له في آرائه بحسن الاختيار، ويمدّه بالعون والتأييد في مجاري الأقدار- أن قلّدك النّقابة على الأشراف الطالبيّين أجمعين، المقيمين بالحضرة وسائر أعمال المملكة شرقا وغربا، وبعدا وقربا، ثقة بأنّك تصدّق مخيلته فيك واعتقاده، وتستدعي بكفاية ما استكفاك شكره وإحماده، وتستدرّ بالاستقلال والغناء أخلاف إحسانه وفضله، وتمتري بالاضطلاع بمضلع الأثقال فائض امتنانه وطوله؛ فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين عاملا بتقوى الله وطاعته، مستشعرا لخيفته ومراقبته، وأحسن رعاية من عدق بك رعايته، وسياسة من وكل إليك سياسته، واعلم أنّ أمير المؤمنين قد ميّزك على كافّة أهل نسبك، وجميع من يواشجك في حسبك، وجعلك عليهم رئيسا ولهم سائسا، فاعرف لهم حقّ القرابة والمشابكة، وتشاجر الأنساب والمشاركة؛ فإن الله تعالى يقول: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
، وعمّهم جميعا بالتوقير والإكرام، والتفقّد والاهتمام، واتّخذ شيخهم أبا، وكهلهم أخا، وطفلهم ولدا، وافرض لهم من الحنان، والإشفاق والفضل والإحسان، ما تقتضيه الرّحم الدانية، والأواصر المتقاربة، وكن مع ذلك متفقّدا لأحوالهم، مطالعا لسيرهم وأفعالهم؛ فمن ألفيته سالكا لأقصد الطرائق، متخلّقا بأجمل الخلائق، حارسا لشرفه، متشبّها بسلفه، فزده في الأثرة زيادة ترغّب أمثاله في اقتفاء مذهبه، وتبعثه على التأدّب بأدبه، ومن وجدته مستحسنا ما لا يليق بصريح عرقه، راكبا ما ليس من طرقه، فأيقظه بنافع الوعظ، وذكّره بناجع اللّفظ؛ فإن استقام على الطريقة المثلى، ورجع
إلى الأجدر والأولى، عرفت ذلك من فعله، وفرضت له ما تفرضه لصلحاء أهله:
فإن الله تعالى قد فتح باب التوبة، ووعد بإقالة أهل الإنابة؛ ومن انحرف عن التذكير، وانصرف عن التبصير، وأصرّ وتمادى، وارتكب ما يوجب حدّا، امتثلت أمر الله تعالى فيه، وأقمت الحدّ عليه، غير مصغ إلى شفاعة، ولا موجب لحّق ذريعة: فإن أمير المؤمنين يصل من ذوي أنسابه، من وكّدها بأسبابه، ويقطع من أوجب الحقّ قطيعته، ولا يراعي رحمه وقرابته. ووكلّ بهم من يروي إليك أخبارهم، ويكشف لك آثارهم: ليعلموا أنهم ببال من مطالعتك، وبعين من اهتمامك ومشارفتك، فيكبح ذلك جامحهم عن العثار والسّقط، ويمنع طامحهم من الزّلل والغلط، وتوخّهم في خطابك بالإكرام، وميّزهم عن محاورة العوام، ولا تقابل أحدا منهم ببذاء ولا سبّ، ولا قدح في أمّ ولا أب، فإنهم فروع دوحة أمير المؤمنين وعترته الذين طهّرهم الله من الأرجاس، وفرض قراهم على الناس، ووفّر اهتمامك على صيانة النّسب من الوكس، وحياطته من اللّبس، فإنه نسب الرسول ﷺ الذي يتصل يوم انقطاع الأنساب، وسببه الذي يتّشج يوم انفراط الأسباب، وأثبت أسماء كافّة من يعتزي إلى هذا البيت منسوبة إلى أصولها: لتأمن من دخيل ملصق يتزوّر عليها، ومختلق ملحق ينضم إليها؛ وإن عرف مدّع نسبا لا حجة له فيه، ولا بينة عنده عليه، فغلّظ له العقاب، واشهره شهرة تحجزه عن معاودة الكذاب، واحتط في أمر المناكح وصنها عن العوامّ، ووقّر كرائم أهل البيت عن ملابسة اللّئام؛ وإن ادّعى أحد من الرعيّة حقّا على شريف فاحملها على السويّة وعده بإنصاف خصمه، وامنعه من ظلمه، وإن ثبت أيضا في مجلس الحكم حقّ على أحد من الأشراف فانزعه منه [وولّ] على من في البلاد، أهل السّداد منهم والرّشاد، ومرهم بتقيّل مذهبك، ونقل أدبك، واصرف اهتمامك إلى حفظ أوقافهم وأملاكهم ومستغلّاتهم في سائر الأعمال، وحطها من العفاء والاضمحلال، وتوفّر على تثمير ارتفاعها، وتزجية مالها، واستخدم لضبط
حاصلها، وجهات منفقها، من تسكن إلى ثقته، وتثق بنهضته، ووزّع ما يرتفع من استغلالها بينهم على رتبهم التي يشهد بها ديوانهم.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك فآنته إليه منتهجا لتمثيله، معتمدا بدليله، وطالع أمير المؤمنين بما التبس عليك وأبهم، وأشكل واستعجم: ليقفك على واضح السّنن، ويرشدك إلى أحسن السّنن، واستعن بالله يهدك لمعونته، واستهده يؤيّدك بهدايته، إن شاء الله تعالى.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد بزمّ طوائف الرجال.
الحمد لله البديع تقديره، الحكيم تدبيره، الذي أتقن ما صنع وأحكمه، وكمّل ما أبدع وتمّمه، وأعطى كلّ مصلحة من مصالح عباده نظاما، وكلّ مرفق من مرافق خلقه قواما، فلا يقارب فيما خلق وصوّر، ولا يشاكل فيما قدّر ودبّر، ورأب ثلم بريّته بمن استخلصه من خاصّتها، لسياسة عامّتها، وانتخبه من أشرافها، لتسديد أطرافها، وإقامة من سادها لإصلاح فاسدها وتقويم مائدها، وتوقيفها على سنن الصواب، وتعريفها بمحاسن الآداب.
يحمده أمير المؤمنين أن أحلّه في المنزلة العليّة: من اصطفائه واستخلاصه، والذّروة السنيّة: من اجتبائه واختصاصه، وفوّض إليه تنزيل الرتب وتخويلها، وإقرار المنازل وتحويلها، وناط به البرم والنقض، والرّفع والخفض، والرّيش والحصّ، والزيادة والنّقص، وسوّغه الشّكر على مواهبه السابغ عطافها، والفسيحة أكنافها، البعيدة أطرافها، و [يسأله] أن يصلي على نبيّ الرحمة، ومفيد الحكمة، سيدنا محمد خاتم الرّسل، وموضّح السّبل، صلى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه، وخليفته على أمّته وقومه: عليّ بن أبي طالب أمير
المؤمنين، ومولى المسلمين، وعلى الأئمة من ذرّيتهما الطاهرين.
وإنّ أمير المؤمنين بما فوّضه الله تعالى إليه من حماية الأنام، والمراماة عن دار الإسلام، وكفّله من غضّ نواظر أهل العناد، وتنكيس رؤوس رؤساء الإلحاد، لا يزال ينظر في مصالح عبيده، وتوفّر سياسة رجال دولته وجنوده، الذين هم حزب الله الغالبون، وجنده المنصورون، ويردّ النظر في أمورهم، والتقدّم عليهم، وزمّ طوائفهم، إلى خواصّ دولته، وأعيان مملكته، الذين بلا طرائقهم وحمد خلائقهم: من الغناء والكفاية، والسّداد وحسن السياسة، ونقّلهم في الخدم فاستقلّوا بأعبائها وأثقالها، ونهضوا بناهض أعمالها، ومضت عزائمهم في حياطة البيضة، واشتدّت صرائمهم في تحصين الحوزة، وصدقت نيّاتهم في المراماة عن الملّة، والمحاماة عن الدعوة والدّولة.
ولمّا كنت بحضرة أمير المؤمنين معدّا لمهمّاته، معدودا في أماثل كفاته، مشهورا بحسن السياسة لما تورده وتصدره، معروفا بفضل السّيرة فيما تأتيه وتذره، رأى أمير المؤمنين- والله يرشده لأعود الآراء بالصلاح والإصلاح، وأدناها من الخير والنجاح- أن قلّدك زمام طائفة الرجال الفلانيين (ويوصفون بما تقتضيه مكانتهم من الدولة وحسن سيرهم في الخدمة) إنافة بقدرك، وإبانة عن خطرك، وتنويها بذكرك، وتفخيما لأمرك.
وهو يأمرك بتقوى الله تعالى وطاعته، واستشعار مراقبته، ورياضة خلائقك على محبّة العدل، وإيثار الفضل، واتّباع اللّطف، واجتناب العسف، وتوخّي الإنصاف، وبسط الهيبة من غير إجحاف، وأن تخصّ هذه الطائفة من النظر في أمورها، وتعهّد صغيرها وكبيرها، بما يسدّد أحوالها، ويحقّق آمالها، وتأخذها بأحسن الآداب اللائقة بأمثالها، وسلوك الطريقة المعهودة من أعيانها وأماثلها، وتشعرها من أمير المؤمنين بما يشرح صدرها في خدمته، ويقرّ عينها في طاعته، والمسارعة إلى مكافحة أعدائه، والتميّز في نصرة أوليائه، وتطالع بحال من يستحقّ الاحترام، ويستوجب إفاضة الإنعام، وتكتب الرّقاع عنها (مستدعيا للرّباطات في الأطماع والعاجزين شاملا في التعويد والتأمير والتلقيب والولايات قاصدا في ذلك
ما يفسّح آمالها في الآجال، ويوثّقها بدرور الأمثال)، فإنهم أمراء الحروب، وكفاة الخطوب، الذين يجاهدون عن الحوزة، ويرامون عن الدولة، وافرض لهم من الإكرام، وتامّ الاهتمام، ما تقتضيه مكانتهم في الدولة، وموضعهم من الخدمة، وتكفّل أوساطهم بالرّعاية، واصرف إليهم شطرا موفورا من العناية، وألحق من برّز منهم وتقدّم، ونهض وخدم، بنظرائه وأمثاله، وساو بينه وبين أشكاله، وتعهّد أطرافهم بملاحظتك، وتفقّدهم بسياستك؛ وخذهم بلزوم السّير الحميدة، والمذاهب السّديدة، والتوفّر على ما يرهف عزائمهم، ويؤيّد أيديهم، ولا تفسّح لأحد من هذه المذاهب في مخالطة العوام ولا مشاركة التّجّار والاحتراف، ووكّل بهم من النّقباء من يبتلي سيرهم، وينهي إليك أخبارهم: فمن علمته قد اجترأ إلى نسخ المذهب، فتناوله بأليم الأدب، واحضضهم على الإدمان في نقل السلاح، والضّرب بالسيف، والمطاعنة بالرمح، والإرماء عن القوس، وميّز من مهر واستقلّ، وقصّر بمن ضجّع وأخلّ، فهم كالجوارح التي ينفعها التعليم والإجراء، ويضرّها الإهمال والإبقاء؛ وفي صرفك الاهتمام إليهم ما يزيد في رغبة ذي الهمّة العليّة، ويبعث المعروف في النفس الدّنيّة، وأن تطالبهم بالاستعداد، وارتباط الخيول الجياد، والاستكثار من السّلاح الشاك والجنن، وليكن ما تطالبهم بإعداده من هذه الأصناف على حسب الفروض من العطاء، ولا ترخّص لأحد في الاقتناع بما لا يليق بمنزلته، والرضا بما يقع دون ما يعتدّه أماثل طبقته. ومن مات من هذه الطائفة وخلّف ولدا يتيما فضمّه إلى أمثاله، وانظر في حاله، ووكّل به من يفقّهه في دينه، ويعلّمه ما لا غنى به عن تعليمه من كتاب الله وسنّته، ومن يهذبه في الخدمة ويعلّمه العمل بآلاتها، والتنقّل في حالاتها، ويطلق له من إنعام أمير المؤمنين ما يقوم بكلفتها ولوازمها، وخذ كلّ من تقدّمهم بخدمها والجري على عادتها في النّهوض بما يستنهض به، ولا يفسّح لها في التّثاقل عنه، وسوّ بينهم في الاستخدام، ولا تخصّ قوما دون قوم بالترفيه والإجمام؛ فإنّ في ذلك إرهافا لعزائمهم، وتقوية
لمننهم، وإفاضة العدل عليهم.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، قد وكّد به الحجة عليك؛ فتأمّله ناظرا، وراجعه متدبّرا، وانته إلى مصايره ومراشده، واعمل على رسومه وحدوده، يوفّق الله مقاصدك، ويسعد مصالحك ويتولّاك، إن شاء الله تعالى.
ورسوم هذه العهود يتفاضل الخطاب فيها بحسب تفاضل الطوائف ومن يولّى عليها. وهذا الأنموذج متوسّط تمكن الزيادة عليه والنقص منه.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد بإمارة الحج، وهذه نسخته:
الحمد لله الذي طهّر بيته من الأرجاس، وجعله مثابة للناس، وآمن من حلّه ونزله، وأوجب أجر من هاجر إليه ووصله.
يحمده أمير المؤمنين أن خصّه بحيازة البيت الأعظم، والحجر المكرّم، والحطيم وزمزم؛ وأفضى إليه ميراث النبوّة والإمامة، وتراث الخلافة والزّعامة، وجعله لفرضه موفّيا، ولحقوقه مؤدّيا، ولحدوده حافظا، ولشرائعه ملاحظا، ويسأله أن يصلّي على من أمره بالتأذين في الناس بالحجّ إلى بيته الحرام لشهادة منافعهم، وتأدية مناسكهم، وقضاء تفثهم، ووفاء نذرهم، وذكر خالقهم، والطواف بحرمه، والشكر على نعمه: سيدنا محمد رسوله صلّى الله عليه وعلى وصيّه وخليفته، وباب مدينة علمه وحكمته: عليّ بن أبي طالب سيد الوصيّين، وعلى الأئمة من ذرّيتهما الطاهرين.
وإنّ أولى ما صرف أمير المؤمنين إليه همّته، ووفّر عليه رعايته، مثابرا عليه، وناهضا لحق الله تعالى فيه، النظر في أمر رفق الحجيج الشاخصة إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وردّه إلى من حلّ محلّك من الدين، وتميّز بما تميّز به صلحاء المسلمين: من العلم، ورجاحة الحلم، ونفاذ البصيرة، وحسن السريرة، وعدل السّيرة؛ ولذلك رأى أمير المؤمنين أن قلّدك أمر رفق الحجيج المتوجّهة من موضع كذا إلى الحرمين المحروسين، وولّاك الحرب والأحداث
بها: واثقا باستقلالك وغنائك، وسدادك وإصابة ارائك؛ فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين بعزم ثاقب، ورأى صائب، وهمّة ماضية، ونفس سامية، وشمّر فيه تشميرا يعرب عن محلّك من الاضطلاع، ويدلّ على استقلالك بحقّ الاصطناع، وخصّ الحجّاج بأتمّ الأحظّ، وكن من أمرهم على تيقّظ، واعتمد ترقّبهم في المسير، وسوّ في رعايتهم بين الصغير والكبير، فإنهم جميعا إلى الله متوجّهون، وإلى بيته الحرام قاصدون، وعلى رسوله ﷺ وافدون، قد استقربوا بعيد الشّقّة، واستدمثوا خشن المشقّة، رغبة في ثواب الله وعفوه، والنجاة من عقابه وسطوه، وتقرّبا إليه بارتسام أمره وطاعته، وإيجابا للحرمة بالحلول في عراص بيته وأفنيته؛ فمرافدتهم واجبة، ومساعدتهم لازبة، حتّى يصلوا إلى بغيتهم وقد شملتهم السلامة في الأنفس والأموال، والأمنة في الخيل والرجال: متوجّهين وقارّين وقافلين، بعد أن يشهدوا منافعهم، ويؤدّوا مناسكهم، ويعملوا بما حدّ لهم.
وردّهم في سيرهم عن الازدحام، ورتّبهم على الانتظام، وراعهم في ورود المناهل، وامنعهم عن التحادث عليها والتكاثر فيها، حتّى لا ينفصلوا منها إلّا بعد
الارتواء، ووقوع التّساوي والاكتفاء، وقدّم أمامهم من يمنعهم من التسرّع، وأخّر وراءهم من يحفظهم من التقطّع، ورتّب ساقتهم، ولا تخلّ بحفظهم من جميع جهاتهم، وطالع أمير المؤمنين في كل منزل تنزله ومحلّ تحلّه بحقيقة أمرك ليقف عليها، ويمدّك بما ينهضك فيها.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك فتدبّره عاملا عليه، متبصّرا بما فيه، عاملا بما يحسن موقعه لك؛ ويزيدك من رضا الله وثوابه، إن شاء الله تعالى.
ومنها- ما أورده في رسم تقليد الإمارة على الجهاد، وهذه نسخته.
الحمد لله الصادق وعده، الغالب جنده، ناصر الحق ومديله، وخاذل الباطل ومذيله، محلّ النّكب بمن انصرف عن سبيله، ومنزل العقاب بمن تحرّف عن دليله، الذي اختار دين الإسلام فأعلى مناره، ووضّح أنواره، واستخلص له من أوليائه أعضادا لا تأخذهم في الحق لومة لائم، ولا يغمضون عن المكافحة دونه جفن حالم، وجزاهم على سعيهم في نصرته جزاء فيه يتنافس المتنافسون، وإلى غاياته يرتمي بالهمم المجدّون، قصدا من الله تعالى في إعزاز دينه، وإنجاز ما وعد به خلفاءه من إظهاره وتمكينه، وقطّا لشوكة أهل العناد، وتعفية لآثار ذوي الفساد، وتوفيرا لأحاظي من بذل الاجتهاد، من سعداء عباده في الجهاد.
يحمده أمير المؤمنين أن اختصّه بلطيف الصّنع فيما استرعاه، ووفّقه للعمل بما يرضيه فيما ولّاه، وأعانه على المراماة عن دار المسلمين، والمحاماة عن ذمار الدّين، ومجاهدة [من] ندّعنهما صادفا، ونكب عن سبيلهما منصرفا، وإبادة من عند عن طاعته واتّخذ معه إلها آخر لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يقول المشركون علوا كبيرا؛ واستنزالهم من صياصيهم قهرا واقتسارا، وإخراجهم عن بيوتهم عزّا واقتدارا، وإذاقتهم وبال أمرهم [و] عاقبة كفرهم، اتّباعا لقول الله
تعالى إذ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
ويسأله أن يصلّي على أشهر الخلق نورا وفضلا، وأطهر البريّة فرعا وأصلا، وأرشد الأنبياء دليلا، وأقصد الرّسل سبيلا: محمد رسوله الذي ابتعثه وقد توعّر طريق الحق عافيا، وتغوّر نور الهدى خافيا؛ والناس يتسكّعون في حنادس الغمرات، ويتورّطون في مهاوي الهلكات، لا يعرفون أنهم ضلّال فيستهدون، ولا عمي فيستبصرون، فأيّده وعضّده، ووفّقه وسدّده، ونصره وأظهره، وأعانه وآزره، وانتخب له من صفوة خلقه، أولياء كاتفوه على ظهور حقّه، سمحوا بالأنفس العزيزة، والأموال الحريزة، وجاهدوا معه بأيد باسطة ماضية، وعزائم متكافية متوافية، وقلوب على الكفار قاسية، وعلى المؤمنين رؤوفة حانية؛ فلمّا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وارتسموا أمره وانتهوا إليه، شركهم معه في الوصف والثناء، وأضافهم إليه في المدح والإطراء، فقال جل قائلا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سيف الله الفاصل، وسنانه العامل، ومعجز رسوله الباهر، ووزيره المظاهر، مبيد الشّجعان، ومبير الأقران، ومقطّر الفرسان، ومكسّر الصلبان، ومنكّس الأوثان، ومعزّ الإيمان، الذي سبق الناس إلى الإسلام، وتقدّمهم في الصّلاة والصّيام، وعلى الأئمة من ذرّيتهما الميامين، البررة الطاهرين، وسلّم تسليما.
وإنّ أمير المؤمنين بما كلّفه الله تعالى من [أمر] دينه ووعده من إظهاره وتمكينه؛ يرى أنّ أفضل ما رنا إليه ببصر بصيرته، ورمى نحوه بطامح همّته، ما شملت الدين والدنيا بركته، وعمّت الإسلام والمسلمين عائدته، وحلّ محلّ الغيث
إذا تدفّق وهمع، والنهار إذا تألّق ولمع. ولا شيء أعود على الأمة، وأدعى إلى سبوغ النّعمة من علو كلمتهم، وارتفاع رايتهم، وتحصين حوزتهم، وإيمان منصّتهم، وتأدية الفريضة في مجاهدة أعدائهم، وصرفهم عن غلوائهم، واقتيادهم بالإذلال والصّغار، وكبحهم بشكائم الإهوان والاقتسار، ومواصلتهم بغزو الديار، وتعفية الآثار، وإيداع الرّعب في صدورهم، وتكذيب أمانيّ غرورهم، ووعظهم بألسنة القواضب، ومكاتبتهم على أيدي الكتائب: لما في ذلك من ذلّ الشّرك وثبوره، وعزّ التوحيد وظهوره، ووضوح حجّة أولياء الله تعالى على أعدائه بما ينزله عليهم من نصره ومعونته، ويؤيّدهم به من تأييده وعنايته؛ لا جرم أن أمير المؤمنين مصروف العزمة، موقوف الهمّة، على تنفيذ البعوث والسّرايا، والمواصلة بالجيوش والعرايا، وتجهيز المرتزقة من أولياء الدولة، وحضّ المطّوعة من أهل الملّة، على ما أمر الله تعالى به من غزو المشركين، وجهاد الملحدين، نافذا في ذلك بنفسه، وباذلا فيه عزيز مهجته، عند تسهّل السبل إلى البعثة، ووجود الفسحة، ومعوّلا فيه عند التعذّر على أهل الشّجاعة والرّجاحة من أعيان أهل الإسلام الذين أيقنت ضمائرهم، وخلصت بصائرهم، ورغبوا في عاجل الذكر الجميل وآجل الأجر الجزيل، وأمير المؤمنين يسأل الله تعالى أن يجريه فيما يصدر ويورد، على أفضل ما لم يزل يولى ويعوّد: من التوفيق في رأيه وعزمه، والتسديد في تدبيره وحزمه، ويؤتيه من ذلك أفضل ما آتاه وليّا استخلفه، وأمينا كفّله عباده وكلّفه؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
ولمّا كنت بحضرة أمير المؤمنين ممن يعدّه لجلائل مهمّاته، ويعدّه من أعيان كفاته، ورآه سدادا للخلل، وعمادا في الحادث الجلل، وسهما في كنانته صائبا وشهابا في سماء دولته ثاقبا، وسيفا بيد الدين قاطعا، ومجنّا عن الحوزة دافعا،
رأى- وبالله التوفيق- أن يقدّمك على جيوش المسلمين، وبعوثهم الشاخصة إلى جهاد المشركين؛ فقلّدك الحرب والأحداث بها، وعقد لك لواء بيده يلوي إليك الأعناق، وينكّس لك رؤوس أهل الشّقاق، وشرّفك بفاخر ملابسه وحملانه، وضاعف لديك موادّ إحسانه، وحباك بطوق من التّبر، مرصّع بفاخر الدّرّ، عادقا هذه الخدمة منك بالنّصيح المأمون، والنّجيح الميمون، الذي تتوضّح فيه أنوار اللّبابة، وتلوح عليه آثار النّجابة، واثقا بما تنطوي عليه من الإخلاص والولاية، وتتحلّى به من الغناء والكفاية، ويفترضه من الاستمرار على سنن الطاعة، والاستقامة على سمت الانقياد والتّباعة، وتوجبه من مناصحة المسلمين، والتشمير في نصرة الدين.
فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين مستشعرا تقوى الله وطاعته في الإسرار والإعلان، معتقدا خيفته ومراقبته في الإظهار والإبطان، مخلص القلب، رابط اللّبّ، واثقا بنصر الله الذي يسبغه على خلصائه، ويفرغه على أوليائه، وآخذا بوثائق الحزم، متمسّكا بعلائق العزم، ناظرا من وراء العواقب، متفرّسا في وجوه التجارب، مقلّصا سجوف الآراء بإضفاء غيار التدبير، ممرّا مرائر التقرير، موغلا في المخاتل والمكايد، حارسا للمطالع والمراصد، يقظان النفس والناظر، متحرّزا في موقف الواني والمخاطر، وأن تتوجه على بركة الله وعونه وحسن توفيقه، ويمن تأييده، بعد أن تتسلّم من الجيوش المنصورة جرائد بعدّة رجال أمير المؤمنين السائرين تحت رايتك، المنوطين بسياستك، وتعرضهم عليها، فتتخيّر من شهرت بسالته وكفاحه، وعتق جواده وكمل سلاحه، وعرف بصدق العزيمة في مقارعة الأعداء، وحسن الطويّة في الإخلاص والولاء، وتستبدل بالورع الجبان، والرّعديد
الضعيف الجنان، الناقص العدّة، المقصّر النّجدة، المدخول النّيّة، النّغل الطّويّة، فإذا كملت العدّة من أهل الجلد والشّهامة، وأولي الحماسة والصّرامة، استدعيت من بيت المال ما ينفق فيهم من مستحق أطماعهم، ومعونة طريقهم، وأجريت النفقة فيهم على أيدي عارضيهم وكتّابهم، فإذا أزحت عللهم فاستصحب من العدد والسّلاح والخيم والأزواد والأموال ما يرهب الأعداء، وينهض الأولياء، وأذّن في مطّوّعة المسلمين، بجهاد المشركين؛ في [كل] بلدة تنزلها، ومحلّة تحلّها، وابذل لهم الظّهر والميرة والمعونة بالسلاح وما يستدعونه، وأرهف عزائمهم في غزو الكفّار، وإجلائهم عن الأوطان والدّيار، واسلك الطريق القاصد، ولا تفارق أهل المناهل والموارد، ولا تغذّ السير إغذاذا تنقطع له الرجال وتتأخّر به الأزواد، ولا تتلوّم في المنازل تلوّما تتصرّم فيه الآماد، ويوجد المشركين مهلة للاحتيال والاستعداد، وراع جيشك عند الحلّ والتّرحال، ولا تباعد بين مضاربهم إذا نزلوا، ولا تمكّنهم من التفرّد إذا ارتحلوا، وخذهم بالاجتماع والالتئام، والتآلف والانتظام، ولا سيّما إذا حصلوا في أرض العدوّ فإنّهم ربّما اهتبلوا الفرصة في المسير المتسرّع، والمبيت المتفرّد، ونالوا منه ما تتوسّم به الهضيمة على أهل الإسلام؛ والعياذ بالله. وإذا دانيت القوم فأعط الحزامة حقّها، مستعملا تارة للدّهاء والخداع، وأخرى للّقاء والقراع؛ فربما أغنت المساترة عن المكاشرة، ونابت مخايل التّلطّف عن مداخل التعسّف، وكفت
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع