من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الوظيفة الثامنة- النّظر
وهذه نسخة توقيع بنظر البيمارستان النّوريّ، كتب بها لمن لقبه «شهاب الدّين» وهي:
رسم......- لا زال يطلع في سماء المناصب السّنيّة من ذوي الأصالة والكفاية شهابا، ويوزع المستحقّين بجهات البرّ شكره إذ اختار لهم من أهل النّهضة من ارتدى العفاف جلبابا، ويودع صحائف الأيّام ذكره الجميل حين أحيا قربات الملوك السّالفين بانتخاب من يجدّد لهم بحسن المباشرة ثوابا- أن يحمل «مجلس الأمير» فلان: أعزّه الله تعالى فيما هو بيده من نظر البيمارستان النّوريّ بدمشق المحروسة، على حكم التّوقيع الكريم والولاية الشّرعية اللّذين
بيده، واستقراره في ذلك بمقتضاهما استقرارا يبسط في هذا المنصب يده ولسانه، ويظهر شهاب عدله الّذي يحرق من الجور شيطانه، ويبرز من مباشرته ما عرف جوهره بحسن الانتقاء وإبريزه بحسن الانتقاد، ومن تأثيره ما تبلغ به الأنفس المراد بأوسع مراد، ويبدي من تدبيره، ما ينتج تمييز الوقف وتثميره.
فليباشر ذلك على عادة مباشرته الحسنة، وليسلك فيها ما عهد من طريقته المستحسنة، محصّلا من المفردات ما يصرفها لمستحقّها وقت الحاجة إليها، مثابرا على حسن معالجة المضرور الّذي لا تقدر يده من العجز عليها، مواصلا فعل الخير باستمرار صدقات الواقف ليشاركه في الأجر والثّواب، مستجلبا له من الدعاء ولنا بمشاركته في الأمر بالعمل بسنّته إلى يوم المآب، ضابطا أموال هذه الجهة بتحرير الأصول والمطلق والحساب والحسّاب، متقدّما إلى الخدّام والقومة بحسن الخدمة للعاجز والضّعيف، مؤكدا عليهم في أخذهم بالقول اللّيّن دون الكلام العنيف، ملزما لهم بجودة الخدمة ليلا ونهارا، مؤاخذا لهم بما يخلّون به من ذلك إهمالا وإقصارا، متقدّما إلى أرباب وظائف المعالجة ببذل النّصيحة، واستدراك الأدواء المسقمة بإتقان الأدوية الصّحيحة؛ وليتفقّد الأحوال بنفسه: ليعلم أهل المكان أنّ وراءهم من يقابلهم على التّقصير، وليبذل في ذلك جهده فإنّ الاجتهاد القليل يؤثر الخير الكثير. والوصايا كثيرة وعنده من التّأدّب بالعلم وحسن المباشرة ما فيه كفاية، وفي أخلاقه من جميل المآثر وما حازه في البداية ما ينفعه في النّهاية؛ ولكن تقوى الله ﷿ هي السّبب الأقوى، والمنهل الّذي من ورده يروى؛ فليجعلها له ذخيرة ليوم المعاد، ومعقلا عند الخطوب الشّداد؛ والله تعالى يبلّغه من التوفيق الأمل والمراد، بمنّه وكرمه!، والاعتماد......... إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع