من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المرتبة الثانية (من يكتب له في قطع العادة مفتتحا ب «رسم» )
وهذه نسخة توقيع من ذلك، وهي:
رسم بالأمر الشّريف- لا زالت أوامره تحلّ القربات محلّها، ومراسمه تسند الرّتب الدّينية لمن إذا خصّوا بمواقعها كانوا أحقّ بها وأهلها- أن يرتب فلان في كذا: إذ هو أولى من خصّ بمواطن العبادة، ونصّ بترفيه الأسرار على التّحلّي بإفاضة الإفادة، ووفّر كدّه على اجتلاء وجوه المعارف من أفق المراقبة، وجمع خاطره لاجتناء ثمرة الأنس من أفنان الطّاعات النّابتة في رياض
المحاسبة، مع تمسّكه بعلوم الشريعة الّذي [خلص] معرفته من الشّوائب، وأحيا الدّجى من اقتبال شبيبة ظلامه إلى أن تشيب منه الذّوائب، ونفع متعدّ إلى كلّ طالب فضل وملتمس، ودين باهر من مصباح مشكاة العلم والعمل لكلّ باغي نور ومقتبس.
فليستقرّ شيخا بالمكان الفلانيّ: لتعمر أرجاؤه بتهجّده، وتشرق خلواته بتعبّده، وتعذب موارده بأوراده، وتطلع مجالسه نجوم معرفته البازغة من أفق إيراده؛ ولتغدو هذه البقعة روضة أفكار، وقبلة أذكار، ومراقي دعوات، ومرافيء بركات، تستنزل بين صلوات مقبولة وخلوات، وليتناول المعلوم المستقرّ له ترفيها لسره، وتنزيها لفكره، وإعانة على الانقطاع بهذه البقعة الّتي تتصل به أسباب السّعادة في أرجائها، وتخصيصا لها منه بإمام تقى لو كان لبقعة أن تجتني بركته لكان منتهى رجائها، وليرفع من الأدعية الصالحة لأيّامنا المباركة ما لا تزال مواطن القبول لنفحاته المترقّبة متلقّية، وما لا تبرح النفوس لخشيته المانعة متوقّية؛ والاعتماد على الخطّ الشّريف أعلاه، حجة بمقتضاه.
قلت: هذا إن كتب عن الأبواب السّلطانية؛ وإلّا فالغالب كتابة ذلك عن نائب السلطنة بالشّام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع