من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
النيابة الثالثة- نيابة مصياف
وهذه نسخة مرسوم بنيابتها:
الحمد لله الّذي صرّف ممالكنا الشّريفة في الممالك، وشرّف بنا كلّ حصن لا تعرض له المجرة في المسالك، وعرّف بالتّربية في خدمة أبوابنا العالية إلى أين ينتهي السّالك.
نحمده على نعمه الّتي نعتدّ بها الحمد من ذلك، ونرغب أن نلقى الله على أداء الأمانة فيها كذلك، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فيما هو مالك، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أضاء به كلّ حال حالك، وأنجى به من مهاوي المهالك، وجمع به من الأمّة ما وهى وهي كالعقد المتهالك، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة يجد بها قائلها في الدار الآخرة كلّ هناء هنالك، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ النظر في أمور الممالك هو أوّل ما يقدّمه الملك، وأولى ما يتقدّم إليه من سلك؛ ومملكة بيت الدّعوة هي من أجلّ ما تفرّدت به ممالكنا الشّريفة، وامتدّت به في الأماكن المخيفة، وأرسلت من قلاعها من يقتلع العدا بوثوبه، ويسابق السّهم إلى مطلوبه، ويتعبّد بموالاتنا الّتي ورثها عن سلفه في طاعة أئمّتهم، وعلموا بها أن الدّولة العلوية ما انقضت حتّى انتقلت إلينا الولاية على شيعتهم، وأن الملك الإسماعيليّ فينا قد انحصر ميراثه، وأن كلّ من مات من الخلفاء الفاطميّين- ﵏ نحن ورّاثه؛ فهم بهذا يبذلون نفوسهم في الطاعة الشّريفة الّتي يرونها فرضا عليهم، ويبلغون بنا أعلى مراتب الإيمان:
لأنهم إذا رأوا منكرا أزالوه بيديهم؛ كم هجموا على عدوّ من أعداء الله هجمة طيف!، وكم استطالوا بسكّين لا يتطاول إلى مباراتها سيف!، وكم أوقدوا لهم بارقة عزم فقيل: هذه سحابة صيف!، وكم ورّدوا بالدّماء خدّا غدا ينادي: يا كرام الورد ضيف!. وكانت مصياف- حرسها الله تعالى- هي كرسيّ هذه المملكة، وقلعتها هي الّتي بذوائب الجوزاء متمسّكة؛ واقتضت مراسمنا المطاعة نقل النائب بها إلى ما رسمنا به الآن، فخلت ممّن يترقّى فيها إلى أعزّ مكان، واحتاجت إلى من تغنى به عما يقال: من اعتقال رمح وتجريد سنان.
فحصل الفكر الشريف فيمن نقلّده هذه النّيابة، ويتقلد أمر هذه العصابة، ويتصرّف في أمورها بمقتضى ما ترد به مراسمنا المطاعة، ويعلم أنّه من شيعتنا:
لأنّه داعينا في هذه الجماعة؛ فرأينا أنّ أحقّ [الناس بها] من قدّمه ولاؤه، وعظّمه انتماؤه، ونبّه عليه اهتمام هممه الّتي لا تشابهها الكواكب في سيرها، وعزائمه الّتي طالما كان بها في خدمتنا الشريفة «يظلّ بموماة ويمسي بغيرها»؛ ولم تزل به مساعيه حتّى وصل إلى المزيد، وأسرع له الشّيب في طاعتنا الشّريفة: لأنّه في كلّ وقت [كان] يسمع قعقعة لجام البريد؛ وكان فلان هو الّذي أشار إليه القول بوصفه، ودلّ عليه ثناؤه بعرفه.
فرسم أن تفوّض إليه النيابة بمصياف وأعمالها، على عادة من تقدّمه وقاعدته. فليقدّم تقوى الله تعالى فيما ولّيه، ولينشر جناح عدلنا الشريف على من يليه، وليعمل بالأحكام الشّرعية في كل ما يقضيه، وليسلك في أهلها أوضّح المراشد، وليبيّن لهم أنّه يدعوهم إلى سبيل الرشاد إلا ما ادعاه راشد، وليوصّل إلى المجاهدين أرزاقهم الّتي هي أثمان نفوسهم، وثمار ما دنّى القطاف من رؤوسهم. وأهل من مات أو يموت منهم على طاعتنا الشّريفة فكن عليهم
متعطّفا، ومن طلب منك الإنصاف فكن له منصفا، وافعل معهم أحسن الأسوة، وقل لهم عنا: إنّ الصّدقات الشّريفة قد استجابت لكم يا أهل الدّعوة، وخذ بقلوبهم، لتزداد من حبّهم، وقل للمجاهدين: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
، والأموال فصنها من الضّياع، وعمارة البلاد عليك بها فإنّ القلعة لا تكون إلا بالمدينة والمدينة لا تكون إلا بالضّياع، وامتثال مراسمنا الشّريفة وكلّ ما يرسم به سارع إلى اعتماده، وطائفة المجاهدين لا تدع منهم إلا من هو معتدّ لجهاده؛ والكتمان الكتمان! فبه تنال المطالب، وتدرك المآرب؛ وعليك بقمع المفسدين، وردع المعتدين، وإقامة الحدود: فإنّ بها أقام الله هذا الدّين؛ ونحن نغتني بما فيك من المعرفة، وبما أنت عليه- بحمد الله تعالى- من كمال كلّ صفة، عن استيعاب الوصايا الّتي لم تبرح سجاياك بها متّصفة، والله تعالى يزيدك من كلّ نوع أشرفه؛ والخط الشريف أعلاه......
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع