من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الوظيفة الثانية (القضاء)
وكان في الزّمن القديم بها قاض واحد شافعيّ، ثم استقرّ بها قاضيان آخران: حنفيّ ومالكيّ، يكتب لكلّ منهم توقيع في قطع الثلث ب «الساميّ» بالياء.
وهذه نسخة تقليد بقضاء الشافعية بالمدينة النبوية:
الحمد لله الّذي جعل الشرع الشريف دافق السّيول، وفي طيبة له الأصول، ومنها نشأ وتفرّع فله في البسيطة عموم وشمول، وكلّ قطر به مشمول، وكل ربع به مأهول، وتأكّد به المعلوم وتبدّد به المجهول، وزالت الشرائع كلّها وهو إلى آخر الدّهور لا يزول.
نحمده وحمده يطول، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة عمرت [بها] طلول، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف رسول، وأكرم مأمول، وأفضل مسؤول، ومهنّد من سيوف الله مسلول، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبي الفروع والأصول، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ الشرع الشريف معدنه في أرض ثوى خير الرّسل فيها، ومنشؤه في بلد ملائكة الله تحميها؛ فلا يلي أقضية الناس إلّا من طالت ذوائب علمه، وأشرقت ثواقب فهمه، وبنيت على الأصول قواعد حكمه، وتحلّى بالورع فتجلّى في سماء النجاة كنجمه.
ولما كان فلان هو الّذي جذبته السعادة إلى مقرّها، وخطبته المغفرة إلى
موطن برّها، وأهّلته الأقدار إلى جوار نبيّ هو خاتم الأنبياء وفاتح أمرها، وأصبح للحكم في المدينة، مستحقّا لما فيه من سكينة، وتحصيل للعلم ومن حصّل العلم كان الله معينه.
فلذلك رسم أن يستقرّ.............
فليباشر منصبا جليلا في محلّ جليل، وليعلم أنّ سائر الأمصار تغبطه وتحسده وما لمنصبه من مثيل؛ أين يوجد سواه في كل سبيل؟ من قاض هو بسيّد المرسلين نزيل، ومن يصبح ويمسي جارا للمستجير في المحشر الطّويل.
فاحكم بين ناس طيبة بورع وتأصيل، وتحرير في تحريم وتحليل، واتّق الله في كلّ فعل وقيل، واستقم على الحقّ حذار أن تميل؛ فصاحب الشّرع أنت منه قريب والنبيّ من الله قريب وحبيب وخليل، وماذا عسى أن نوصيه وهو بحمد الله تعالى كالنّهار لا يحتاج إلى دليل.
وأما الخطابة: فارق درج منبرها، وشنّف الأسماع من ألفاظك بدرّها وحرّر ما تقوله من المواعظ فإن صاحب العظات يسمعك، وتواضع لله فإنّ الله يرفعك؛ وهذا المرقى فقد قام فيه النبيّ الأميّ سيد الثّقلين، ومن بعده الخليفتان قرّتا العين، ومن بعدهما عثمان ذو النّورين، وعليّ ﵁ أبو الحسنين؛ فاخشع، عند المطلع، واصدع، بما ينفع، وانظر لما تقوله فإنّ رسول الله ﷺ هناك يسمع، وقاضي المدينة وخطيبها يرجو أن ليس للشيطان فيه مطمع؛ والله تعالى يحوز له الخير ويجمع، بمنّه وكرمه!.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع