من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المرتبة الثانية (ما يفتتح ب «أما بعد حمد الله» وفيها وظائف)
وهذه نسخة توقيع [بتولية] الزكاة، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهي:
أمّا بعد حمد الله مسعد من زكّاه عمله، ووفّاه وعد الخير أمله، ومصعد من وفت في تدبير الوظائف تفاصيل أمره ووفرت في تثمير الأموال جمله، والصّلاة
والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله الّذي أمرنا بالصّلاة والزّكاة، وشفى جانب الدّين القيّم من الشّكاة، وعلى آله وصحبه الذين سار على نهجه القويم سائرهم، وتزكّى- وإنّما يتزكّى لنفسه- منجدهم وغائرهم- فإنّ أحقّ الوظائف أنّ يندب لحمايتها الحسام، ويترتّب لكفايتها من تحلّت بالمحامد شيمه الجسام- وظيفة الزّكاة الّتي وصلت سبب مكانها بإمكانها، وبنيت شريعة الإسلام على أحد أركانها، ومدحت المملكة بمعالي البرّ والإحسان المنظّمة من ديوانها.
ولما كان فلان ممّن زكت صفاته، وسمت بالجميل سماته، ووضحت كفاءته ودرايته، وصلحت حمايته الحساميّة ووقايته، وكان اليمن في قبضة مضائه، وتجريده وانتضائه، وكان نفوذ أمره واقفا عند حدّه واقعا على وفق ارتضائه- تعيّن أن يوصل سبب الشّدّ بأسبابه، ويرجع إليه في الزكاة المستحقّ نصابها حتّى يقال: رجع الحقّ بالحسام إلى نصابه.
فلذلك رسم أن يرتب...... علما بأنّه الكافي الّذي إذا شدّ سدّ، وإذا قصر رأيه على الصّنع الجميل مدّ، والخبير الّذي إذا جمع مالا وعدّده كان مشكورا، وإذا فرقه في مستحقّيه كان خلاف الغير بالخير مذكورا، والنّاهض الذي ما تبرّم بمضايق المهمّات ولا شكاها، والمهيب الّذي قد أمّن من سار بالبضاعة إليه وقد أفلح من زكّاها.
فليستقرّ في هذه الجهة استقرارا يزيد مكانه وإمكانه، ويثمّر عمله وديوانه، وليوصّل كلّ ذي حقّ إلى حقّه فإنّما بسطت أيدي ولاة الأمور ليبسط عدله متولّيها وإحسانه. وتقوى الله تعالى هي العمدة؛ فليحقّق باعتمادها فيه ظنون الرّاجين، وليستعن بها على رضا المستنهضين له وعلى رضا المحتاجين؛ والله تعالى يلهمه الخير في ذوي الصادر والوارد حتّى يكونوا إلى خير
«لاچين» خير لاجين.
وهذه نسخة توقيع بشدّ الحوطات بدمشق. كتب به لشرف الدين يحيى بن العفيف، [بإجرائه] على عادته، وحمله على ما بيده من التّوقيع الشّريف، وهي:
أمّا بعد حمد الله الّذي سهّل الخيرات بأسبابها، وأقرّ في الوظائف السّنية كفاة أربابها، وكمّل أدوات من حنّكته التّجارب في المباشرات حتّى دخل المناصب العليّة من أبوابها، والصلاة والسلام الأتمّين الأكملين على سيدنا محمد الّذي جاء برشد الشريعة وصوابها، وعرّف بحسن الصّنيعة وثوابها، وعلى آله وصحبه وعترته الطاهرين- فإنّ أولى من لفتنا إليه جيد الإحسان، وألقينا إليه طرف التّكريم فبلغ الأمانيّ والأمان، ولحظناه بعين عنايتنا فنال من فضلنا ما أخجل الغيث الهتّان، ومنحناه من برّنا ما شرح له صدرا، واستصحبنا له ما ألفه من كرمنا وجعلنا له بعد عسر يسرا، وأيقظنا حظّه وقد كاد أن يغفى، وأطلعنا كوكب سعده بعد أن كاد يخفى- من ألفت مهمّاتنا منه الهمم العليّة، وسلك بين أيدينا المسالك المرضيّة، وأتمن على أموال الحوطات الدّيوانية، فنمت بحسن أمانته، وشكرت الدولة جميل تدبيره ودرايته.
وكان المجلس العالي فلان- أدام الله عزّه- هو الّذي أخبر عنه الوصف بما أثبته العيان، وأظهر الاختبار منه حسن السّيرة والسّريرة والسّجايا الحسان.
فلذلك رسم بالأمر العالي- أعلاه الله تعالى، وضاعف إحسانه على أهل الهمم ووالى- أن يستمرّ المشار إليه في شدّ الحوطات الديوانية بدمشق المحروسة، على عادته، ومستقرّ قاعدته، وحمله على ما بيده من التّوقيع الشريف المستمرّ حكمه.
فليباشر هذه الوظيفة على أجمل عوائده، وليعد إليها على أكمل قواعده؛ إلّا أنّ التّذكرة بتقوى الله تعالى لا بدّ من اقتباس ضياها، والتّنبيه على سلوك سبيل هداها؛ فلتكن قاعدة أمله، وخاتمة عمله. والاعتماد في معناه، على الخطّ الكريم أعلاه، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع