من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطرف الأوّل (في بيان معنى الإقطاعات وأصلها في الشرع)
أما الإقطاعات فجمع إقطاع، وهو مصدر أقطع؛ يقال: أقطعه أرض كذا يقطعه إقطاعا، واستقطعه إذا طلب منه أن يقطعه، والقطيعة الطائفة من أرض الخراج.
وأما أصلها في الشرع فما رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده إلى ابن سيرين عن تميم الداريّ أنه قال: «استقطعت رسول الله ﵌ أرضا بالشأم قبل أن تفتح فأعطانيها، ففتحها عمر بن الخطاب في زمانه فأتيته، فقلت: إنّ رسول الله ﵌ أعطاني أرضا من كذا إلى كذا، فجعل عمر ثلثها لابن السبيل، وثلثا لعمارتها، وثلثا لنا».
وفي رواية: استقطعت أرضا بالشام فأقطعنيها، ففتحها عمر في زمانه فأتيته، فقلت: إنّ رسول الله ﵌ أعطاني أرضا من كذا إلى كذا، فجعل عمر ثلثها لابن السبيل، وثلثها لعمارتها، وترك لنا ثلثا.
وذكر الماورديّ في «الأحكام السلطانية»: أنّ أبا ثعلبة الخشنيّ ﵁ سأل النبيّ ﵌ أن يقطعه أرضا كانت بيد الروم فأعجبه ذلك، وقال ألا تسمعون ما يقول؟ فقال: والذي بعثك بالحق ليفتحنّ عليك، فكتب له بذلك كتابا وذكر أنّ رسول الله ﵌: أقطع الزّبير بن العوّام ركض فرسه من موات البقيع فأجراه ورمى بسوطه رغبة في الزيادة، فقال رسول الله ﵌: «أعطوه منتهى سوطه».
وذكر أنّ الأبيض بن حمّال استقطعه ملح مأرب فأقطعه، فأخبره الأقرع بن حابس أنه كان في الجاهلية [وهو بأرض ليس فيها غيره من ورده أخذه، وهو مثل الماء العدّ بالأرض، فاستقال الأبيض في قطيعة الملح فقال قد أقلتك على أن تجعله منّي صدقة، فقال النبيّ ﵊: هو منك صدقة، وهو مثل الماء العدّ من ورده أخذه] وذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل»: أنّ أوّل من أقطع القطائع بالأرضين أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ (ولا وجه له بعد ما تقدّم ذكره)؛ اللهم إلا أن يريد أن عثمان أوّل من أقطع القطائع بعد الفتح، فإنّ ما أقطعه النبيّ ﵌ كان قبل الفتح كما تقدّم.
قال بعد ذلك: ويروى أن النبي ﵌: أقطع قطائع فاقتدى عثمان به في
ذلك، وأقطع خبّاب بن الأرتّ وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد والزّبير، وأقطع طلحة أجمة الجرف: وهو موضع النّشاستج، فكتب إلى سعيد بن العاص وهو بالكوفة أن ينفّذها له.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع