من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطرف الأوّل (في ذكر أصله وشرطه وحكمه)
اعلم أنّ الأمان هو الأمر الأوّل من الأمور الثلاثة التي يرفع بها القتل عن الكفّار.
قال العلماء: وهو من مكايد القتال ومصالحه، وإن كان فيه ترك القتال: لأن الحاجة [داعية] إليه. والأصل فيه من الكتاب قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
، ومن السّنّة قوله ﷺ: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويجير عليّهم أدناهم، وهم يد على من سواهم».
وقد ذكر الفقهاء له أركانا وشرائط وأحكامها.
فأما أركانه، فثلاثة:
الأوّل- العاقد للأمان من المسلمين. وليعلم أنّ الأمان على ضربين: عامّ وخاصّ؛ فالعامّ هو عقده للعدد الذي لا يحصر كأهل ناحية؛ ولا يصحّ عقد الأمان فيه إلا من الإمام أو نائبه كما في الهدنة. والخاصّ هو عقده للواحد أو العدد المحصور؛ ويصحّ من كلّ مسلم مكلّف [وإن لم تكن] له أهلية القتال، فيصح من العبد والمرأة والشّيخ الهرم والسّفيه والمفلس، بخلاف أمان الصّبيّ والمجنون.
الثاني- المعقود له، ويصح عقده للواحد والعدد من ذكور الكفّار وإناثهم. نعم في تأمين المرأة عن الاسترقاق خلاف.
الثالث- صيغة العقد. وهي كلّ لفظ يفهم الأمان كناية كان أو صريحا، وفي معنى ذلك الأشارة المفهمة. ويعتبر فيه قبول الكافر، فلا بدّ منه، حتى لو ردّ الأمان لم ينعقد، وفيما إذا سكت خلاف. نعم لو دخل للسّفارة بين المسلمين والكفّار في تبليغ رسالة ونحوها؛ أو لسماع كلام الله تعالى لم يعتبر فيه عقد الأمان، بل يكون آمنا بمجرد ذلك؛ أما لو دخل لقصد التجارة بغير أمان فإنه لا يكون آمنا إلّا أن يقول الإمام أو نائبه: من دخل تاجرا فهو آمن.
وأما شرطه، فأن لا يكون على المسلمين ضرر في المستأمن: بأن يكون طليعة أو جاسوسا، فإنّه يقتل ولا يبالى بأمانه، ويعتبر أن لا تزيد مدّة الأمان على سنة بخلاف الهدنة، فقد تقدّم أنها تجوز عند ضعف المسلمين إلى عشر سنين.
وأما حكمه، فإذا عقد الأمان لزم المشروط، فلو قتله مسلم وجبت الدّية. ثم هو جائز من جهة الكفّار، فيجوز للكافر نبذه متى شاء، ولازم من جهة المسلمين، فلا يجوز النّبذ إلا أن يتوقّع من المستأمن الشّرّ، فإذا توقّع منه ذلك جاز نبذ العهد إليه ويلحق بمأمنه؛ وبقيّة فقه الفصل مستوفى في كتب الفقه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع