تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

المذهب الثاني (أن تفتتح الهدنة بلفظ: «استقرّت الهدنة بين فلان وفلان» ويقدّم فيه ذكر الملك المسلم)

وعلى ذلك كانت الهدن تكتب بين ملوك الدّيار المصرية، وبين ملوك الفرنج، المتغلّبين على بعض البلاد الشامية.

وهذه نسخة هدنة على هذا النّمط، دون تقرير من الجانبين، كتبت بين الملك الظّاهر «بيبرس البندقداري» صاحب الدّيار المصرية، وبين الاسبتار بحصن الأكراد والمرقب، في رابع شهر رمضان سنة خمس وستين وستّمائة؛ وهي:

استقرّت الهدنة المباركة الميمونة بين مولانا السلطان الملك الظّاهر ركن الدّين أبي الفتح «بيبرس» الصّالحيّ النّجميّ، وبين المقدّم الكبير الهمام فلان مقدّم بيت الاسبتار الفلانيّ بعكّا، والبلاد السّاحليّة، وبين فلان مقدّم حصن الأكراد، وبين فلان مقدّم حصن المرقب، وجميع الإخوة الاسبتار، لمدّة عشر سنين متوالية وعشرة أشهر وعشرة أيّام وعشر ساعات:

أوّلها يوم الاثنين رابع رمضان سنة خمس وستّين وستّمائة من الهجرة النّبويّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام، الموافق لليوم الثّلاثين من أيّام ..... سنة ألف وخمسمائة وتسعة وسبعين للإسكندر بن فيلبّس اليونانيّ- على أن جميع المملكة الحمصيّة والشّيزريّة والحمويّة وبلاد الدّعوة المباركة، واقع عليها الاتفاق المبارك، ومستقرّة لها هذه الهدنة الميمونة بجميع حدود هذه الممالك المعروفة، وبلادها الموصوفة، وقراها وضياعها، وسهلها وجبلها، وعامرها وغامرها، ومزروعها ومعطّلها

وطرقاتها ومياهها، وقلاعها وحصونها- على ما يفصّل في كلّ مملكة، ويشرح في هذه الهدنة المباركة للمدّة المعيّنة إلى آخرها.

وعلى أن المستقرّ بمملكة حمص المحروسة أنّ جميع المواضع والقرى والأراضي التي من نهر العاصي، وتغرّب إلى الحدّ المعروف من الغرب لبلد المناصفات: عامرا وداثرا، وبما فيها من الغلّات صيفيّا وشتويّا، والعداد وغيرها من الفوائد جميعها- تقرّر أن يكون النّصف من ذلك للسّلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدّين أبي الفتح «بيبرس»، والنّصف لبيت الاسبتار.

وعلى أن كلّا من الجهتين يجتهد ويحرص في عمارة بلد المناصفات المذكورة بجهده وطاقته، ومن دخل إليها من الفلّاحين بدوابّ، أو من التّركمان، أو من العرب، أو من الأكراد، أو من غيرهم، أو الفناة- كان عليهم العداد كجاري العادة، ويكون النّصف للسلطان، والنّصف لبيت الاسبتار.

وعلى أن الملك الظاهر يحمي بلد المناصفات المقدّم ذكرها من جميع عسكره وأتباعه، وممّن هو في حكمه وطاعته، ومن جميع المسلمين الدّاخلين في طاعته كافّة. وكذلك مقدّم بيت الاسبتار وأصحابه يحمون بلاد مولانا السلطان الدّاخلة في هذه الهدنة.

وعلى أنّ جميع من يتعدّى نهر العاصي مغرّبا لرعي دوابّه: سواء أقام أو لم يقم، كان عليه العداد سوى قناة البلد ودوابّه، ومن يخرج من مدينة حمص ويعود إليها، ومن غرّب منهم ومات كان عليه العداد.

وعلى أن يكون أمر فلّاحي بلد المناصفات في الحبس والإطلاق والجباية راجعا إلى نائب مولانا السلطان، باتّفاق من نائب بيت الاسبتار، على أن يحكم فيه بشريعة الإسلام إن كان مسلما، وان كان نصرانيّا يحكم فيه بمقتضى دولة حصن الأكراد. وأن يكون الفلاحون الساكنون في بلاد المناصفات جميعها مطلقين من السّخر من الجانبين.

وعلى أن الملك الظاهر لا يأخذ في بلد المناصفات المذكورة: من تركمان ولا عرب ولا أكراد ولا غيرهم عدادا ولا حقّا من حقوق بلد المناصفات، إلا ويكون النّصف منه للملك الظاهر، والنّصف الآخر لبيت الاسبتار.

وعلى أن الملك الظاهر لا يتقدّم بمنع أحد من الفلّاحين المعروفين بسكنى بلاد المناصفات من الرّجوع إليها، والسّكن فيها إذا اختاروا العود، وكذلك بيت الاسبتار لا يمنعون أحدا من الفلّاحين المعروفين بسكنى بلاد المناصفات من الرّجوع إليها والسّكن فيها إذا اختاروا العود.

وعلى أن الملك الظاهر لا يمنع أحدا من العربان والتّركمان وغيرهم:

ممّن يؤدّي العداد، من الدّخول إلى بلد المناصفات، إلّا أن يكون محاربا لبعض الفرنج الداخلين في هذه الهدنة، فله المنع من ذلك. وأن تكون خشارات الملك الظاهر وخشارات عساكره وغلمانهم وأهل بلده ترعى في بلد المناصفات آمنة من الفرنج والنّصارى كافّة. وكذلك خشارات بيت الاسبتار وخشارات عسكرهم وغلمانهم وأهل بلدهم ترعى آمنة من المسلمين كافّة في بلد المناصفات. وعند خروج الخشارات من المراعي وتسليمها لأصحابها، لا يؤخذ فيها حقّ ولا عداد ولا تعارض من الجهتين.

وعلى أن تكون مصيدة السّمك الرّوميّة مهما تحصّل منها، يكون النّصف منه للملك الظاهر والنّصف لبيت الاسبتار، وكذلك المصايد التي في الشّطّ الغربيّ من العاصي يكون النّصف منه للملك الظاهر والنصف لبيت

الاسبتار، ويكون لبيت الاسبتار في كلّ سنة خمسون دينارا صوريّة عن القشّ، ويكون القشّ جميعه للملك الظاهر يتصرّف نوّابه فيه على حسب اختيارهم، ويكون اللّينوفر مناصفة: النّصف منه للملك الظاهر والنّصف لبيت الاسبتار. وتقرّر أن الطاحون المستجدّ المعروف بإنشاء بيت الاسبتار، الذي كان حصل الحرب فيه، والبستان الذي هناك المعروف بإنشاء بيت الاسبتار أيضا يكون مناصفة، وأن يكون متولّي أمرهما نائب من جهة نوّاب السلطان ونائب من جهة بيت الاسبتار، يتوليان أمرهما والتّصرّف فيهما وقبض متحصّلهما. وتقرّر أنّ مهما يجدّده بيت الاسبتار على الماء الذي تدور به الطاحون ويسقي البستان من الطواحين والأبنية وغير ذلك، يكون مناصفة بين الملك الظاهر وبين بيت الاسبتار.

وأما المستقرّ بمملكة شيزر المحروسة، فهي شيزر، وأبو قبيس وأعماله، وعينتاب وأعمالها، ونصف زاوية بغراس المعروفة بحماية بيت الاسبتار وأعمالها، وجميع أعمال المملكة الكسروية والبلاد المذكورة بحدودها المعروفة بها، وقراها المستقرّة بها، وسهلها وجبلها وعامرها وغامرها.

وما استقرّ بمملكة الملك المنصور، ناصر الدّين «محمد» بن الملك المظفّر أبي الفتح «محمود» بن الملك المنصور «محمد» بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب فهي: حماة المحروسة وقلاعها ومدنها، والمعرّة وقراها وسهلها وجبلها وأنهارها، ومنافعها وثمارها وعامرها وغامرها؛ وبلاد رقيبة وبلاد بارين. بحدودها وتخومها وعامرها وداثرها وجميع من فيها وما فيها- على أن الملك المنصور لا يرخّص للتّركمان ولا للعرب أن ينزلوا بلد رقيبة وبارين سوى

ثلاثين بيتا يحملون الغلّة لقلعة بارين، وإن أرادوا الزيادة يكون بمراجعة الإخوة الاسبتارية والاتفاق معهم على ذلك.

وعلى أنّه إن تعدّى أحد من أصحابه بأذيّة، أو تعدّى أحد من الفرنجة في بلاده بأذيّة، كانت المهلة في ذلك خمسة عشر يوما؛ فإن انكشفت الأخيذة، أعيدت، وإلا تحلّف الجهة المدّعى عليها أنها ما علمت وما أحسّت، وكما لهم، كذلك عليهم.

والمستقرّ لمملكة الصاحبين: نجم الدّين وجمال الدّين، والأمير صارم الدّين نائبي الدّعوة المباركة، وولد الصاحب رضيّ الدّين، وهي:

مصياف والرّصافة وجميع قلاع الدّعوة وحصونها وسهلها ووعرها وعامرها وداثرها، ومدنها وبلادها، وضياعها وطرقاتها، ومياهها ومنابعها، وجميع بلاد الإسماعيلية بجبلي بهرا واللّكّام، وكلّ ما تشتمل عليه حدود بلاد الدّعوة وتخومها- أن يكون الجميع آمنين من على الرّصيف الذي بشيزر إلى نهاية الأراضي التي بحصون الدّعوة وبلادها. وحماية القرية المعروفة (بعرطمار) يكون له أسوة الإسماعيلية. وإن علم الأصحاب أن أحدا من الإسماعيلية قد عبر إلى بيت الاسبتار لأذيّة، أعلموا بيت الاسبتار قبل أن تجري أذيّة، وما لم يعلموا به عليهم اليمين أنّهم ما علموا به، وإن لم يحلفوا يردّوا الأذيّة التي تجري.

وتقرّر أن يكون فلّاحو بيت الاسبتار رائحين وغادين ومتصرّفين في بيعهم وشرائهم، مطمئنّين لا يتعدّى أحد عليهم. وكذلك جميع فلّاحي بلاد الإسماعيلية لا يتعدّى أحد عليهم، وأن يكونوا آمنين مطمئنّين في جميع بلاد

الاسبتارية؛ وإن تعدّى أحد من الجهتين في سوق أو طريق، في ليل أو نهار، تكون المهلة خمسة عشر يوما؛ فإن ردّت الشّكوى كلّها فما يكون إلا الخير بينهم؛ ومن توجّهت عليه اليمين حلف، ومن لم يفعل يحلّف وإلا يردّ الأذيّة. وتكون الضّيعة التي رهنها عبد المسيح رئيس المرقب الاسبتار، وهي «المشيرقة» تكون آمنة إن كان الحال استقرّ عليها إلى آخر وقت عند كتابة هذه الهدنة المباركة بين الأصحاب وأصحابهم. ويحمل الأمر في الحقوق.

ويبطل ما هو على بلاد الدّعوة المباركة من جميع ما لبيت الاسبتار على حماية مصياف والرّصافة، وهو في كلّ سنة ألف ومائتا دينار قومصيّة، وخمسون مدّا حنطة، وخمسون مدّا شعيرا، ولا تبقى قطيعة على بلاد الدّعوة جميعها، ولا يتعرّض بيت الاسبتار ولا نوّابهم ولا غلمانهم إلى طلب قديم من ذلك ولا جديد، ولا منكسر ولا ماض، ولا حاضر ولا مستقبل على اختلافه.

وتقرّر أن تكون جميع المباحات من الجهتين مطلقة مما يختصّ بالمملكة الحمصيّة، يسترزق بها الصّعاليك، وأنّ نوّاب الملك الظاهر يحمونهم من أذيّة المسلمين من بلاده المذكورة، وأن نوّاب بيت الاسبتار يصونونهم ويحرسونهم ويحمونهم من النّصارى والفرنج من جميع هذه البلاد الداخلة في هذه] الهدنة. ولا يتعرّض أحد من المسلمين كافّة من هذه البلاد الدّاخلة في [هذه] الهدنة [إلى بلاد الاسبتارية] بأذيّة ولا إغارة، ولا يتعرّض أحد من جميع الفرنجة من هذه البلاد الداخلة في هذه الهدنة بحدودها الجارية في يد نوّاب الاسبتار وفي أيديهم، إلى بلاد الملك الظاهر بأذيّة ولا إغارة.

وعلى أنه متى دخل في بلاد المناصفات أحد ممن يجب عليه العداد

وامتنع من ذلك، وكان عداد إحدى الجهتين حاضرا: إمّا عداد ديوان الملك الظاهر، وإمّا عداد بيت الاسبتار، فلنائب العداد الحاضر من إحدى الجهتين أن يأخذ من ذلك الشّخص الممتنع عن العداد أو الخارج من بلد المناصفات رهنا بمقدار ما يجب عليه من العداد، بحضور رئيس من رؤساء بلد المناصفات، ويترك الرّهن عند الرّئيس وديعة إلى أن يحضر النائب الآخر من الجهة الأخرى، ويوصّل إلى كلّ من الجهتين حقّه من العداد.

وإن خرج أحد ممن يجب عليه العداد، وعجز النائب الحاضر عن أخذ رهنه: فإن دخل بلدا من بلاد الملك الظاهر، كان على النوّاب إيصال بيت الاسبتار إلى حقّهم مما يجب على الخارج من العداد، وكذلك إن دخل الخارج المذكور إلى بيت الاسبتار، كان عليهم أن يوصّلوا إلى نوّاب الملك الظاهر حقّهم مما يجب على الخارج من العداد. وكذلك يعتمد ذلك في المملكة الحمويّة وبلاد الدّعوة المحروسة.

وعلى أن التّجّار والسّفّار والمتردّدين من جميع هذه الجهات المذكورة يكونون آمنين من الجهتين: الجهة الإسلامية، والجهة الفرنجية والنّصرانيّة، في البلاد التي وقعت هذه الهدنة عليها- على النّفوس والأموال والدّوابّ وما يتعلق بهم، يحميهم السّلطان ونوّابه، ويتعاهدون البلاد الداخلة في هذه الهدنة المباركة الواقع عليها الصّلح وفي بلد المناصفات- من جميع المسلمين، ويحميهم بيت الاسبتار في بلادهم الواقع عليها الصّلح وفي بلد المناصفات- من الفرنج والنصارى كافّة.

وعلى أن يتردّد التّجّار والمسافرون من جميع المتردّدين على أيّ طريق اختاروه من الطّرق الداخلة في عقد هذه البلاد الداخلة في هذه الهدنة المباركة المختصّة بالملك الظاهر، وبلاد معاهديه، وبلاد المناصفات، وخاصّ بيت الاسبتار والمناصفات، يكون الساكنون والمتردّدون في الجهتين آمنين مطمئنّين على النّفوس والأموال، تحمي كلّ جهة الجهة الأخرى.

وعلى أنّ ما يختص بكلّ جهة من هذه الجهات: الإسلامية، والفرنجية الاسبتارية، لا يكون عداد على مالها في المناصفات: من الدّوابّ والغنم والبقر والجمال وغيرها، على العادة المقرّرة في ذلك.

وعلى أنّ إطلاق الرّؤساء يكون باتفاق من الجهتين: الإسلامية، والفرنجية الاسبتارية. ومتى وقعت دعوى على الجهة الأخرى، وقف أمرها في الكشف عنها أربعين يوما؛ فإن ظهرت أعيدت على صاحبها، وإن لم تظهر حلف ثلاثة نفر ممّن يختارهم صاحب الدّعوى على ما يعلمونه في تلك الدّعوى، وإن ظهرت بعد اليمين أعيدت إلى صاحبها، وإن كان قد تعوّض عنها أعيد العوض.

وعلى أن يكشفوا عن الأخيذة بجهدهم وطاقتهم. ومتى تحققت أعيدت إلى صاحبها، فإن حلفوا يبرؤون من الدعوى، وإن ظهرت بعد اليمين أعيدت على صاحبها، وإن امتنع المدّعى عليه من اليمين حلف المدّعي، ولا يستحق عوض ما عدم من كل شيء مثله. وكذلك يجري الأمر في القتل:

عوض الفارس فارس، وعوض الرّاجل راجل، وعوض البركيل بركيل، وعوض التّاجر تاجر، وعوض الفلّاح فلّاح. وإذا انقضت الأربعون يوما المذكورة لكشف الدعوى ولم يحلف المدّعى عليه للمدّعي وجب عليه العوض حتّى يردّ، وإن ردّ اليمين على المدّعي ومضى على ذلك عشرة أيّام، ولم يحلف صاحب الدعوى بطلت دعواه وحكمها، وإن حلف أخذ العوض.

ومتى هرب من إحدى الجهتين إلى الأخرى أحد، ومعه مال لغيره أعيد جميع ما معه، وكان الهارب مخيّرا بين المقام والعود. وإن هرب عبد وخرج عن دينه، أعيد ثمنه، وإن كان باقيا على دينه أعيد.

وعلى أن لا يدخل أحد من القاطنين في بلد المناصفات: من الفلّاحين والعرب والتركمان وغيرهم، إلى بلاد الفرنج والنّصارى كافّة لإغارة ولا أذيّة بعلم الملك الظاهر وبلاد معاهديه، [ولا يدخل أحد] بلاد المسلمين لإغارة ولا أذيّة بعلم بيت الاسبتار ولا رضاهم ولا إذنهم.

وعلى أنّ الدعاوى المتقدّمة على هذا الصّلح يحمل أمرها على شرط المواصفة التي بين الملك الظاهر وبين معاهديه وبين بيت الاسبتار.

وعلى أن هذه الهدنة تكون ثابتة مستقرّة، لا تنقض بموت أحد من الجهتين، ولا وفاة ملك ولا مقدّم، إلى آخر المدّة المذكورة، وهي: عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيّام وعشر ساعات، أوّلها يوم تاريخه.

وعلى أن نوّاب الملك الظاهر ومعاهديه لا يتركون أحدا من التّركمان، ولا من العربان، ولا من الأكراد، يدخل بلاد المناصفات بغير اتّفاق من بيت الاسبتار أو رضاه، إلا أن يكفلوه على نفوسهم في هذه الطوائف المذكورة، ويعلموا حاله، لئلّا تبدو منهم أذيّة أو ضرر أو فساد ببلد المناصفات وببلد النصارى. ولنوّاب مولانا السلطان أن تتركهم على شرط أنهم يعلم بهم بيت الاسبتار في غد نزولهم المكان، إن كان المكان قريبا. وإن ظهر منهم فساد كان النوّاب يجاوبون بيت الاسبتار.

وعلى أن المهادنة بحدودها يكون الحكم فيها كما في المناصفات، والحدود في هذه البلاد جميعها تكون على ما تشهد به نسخ الهدن، وما استقرّ الحال عليه إلى آخر وقت.

وعلى أن تخلّى أمور المملكة الحمصيّة على ما كان مستقرّا في الأيام الأشرفيّة، على ما قرّره الأمير علم الدّين «سنجر».

هذا ما وقع الاتّفاق والتّراضي عليه من الجهتين، وبذلك جرى القلم الشريف السلطانيّ الملكيّ الظاهريّ: حجّة بمقتضاه، وتأكيدا لما شرح أعلاه. كتب في تاريخ كذا وكذا.

وهذه نسخة هدنة من هذا النّمط، عقدت بين السلطان الملك الظاهر «بيبرس» أيضا، وبين ملكة بيروت من البلاد الشامية، في شهور سنة سبع وستين وستمائة حين كانت بيدها، وهي:

استقرّت الهدنة المباركة بين السّلطان الملك الظاهر ركن الدين

«بيبرس» وبين الملكة الجليلة المصونة الفاخرة، فلانة ابنة فلان، مالكة بيروت وجميع جبالها وبلادها التّحتية مدّة عشر سنين متوالية، أوّلها يوم الخميس سادس رمضان سنة سبع وستين وستمائة الموافق لتاسع أيار سنة ألف وخمسمائة وثمانين يونانية- على بيروت وأعمالها المضافة إليها، الجاري عادتهم في التّصرّف فيها في أيام الملك العادل، أبي بكر بن أيّوب، وأيام ولده الملك المعظّم عيسى، وأيّام الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن الملك العزيز، والقاعدة المستقرّة في زمنهم إلى آخر الأيام الظاهرية، بمقتضى الهدنة الظاهريّة، وذلك مدينة بيروت وأماكنها المضافة إليها: من حدّ جبيل إلى حدّ صيدا، وهي المواضع الآتي ذكرها: جونية بحدودها، والعذب بحدودها، والعصفورية بحدودها، والراووق بحدودها، وسنّ الفيل بحدودها، والرح والشّويف بحدودها، وأنطلياس بحدودها، والجديدة بحدودها، وحسوس بحدودها، والبشرية بحدودها، والدكوانة وبرج قراجار بحدودها، وقرينة بحدودها، والنصرانية بحدودها، وجلدا بحدودها، والناعمة بحدودها، ورأس الفيقة، والوطاء المعروف بمدينة بيروت، وجميع ما في هذه الأماكن من الرّعايا والتّجّار، ومن سائر أصناف الناس أجمعين، والصّادرين منها والواردين إليها من جميع أجناس النّاس، والمتردّدين إلى بلاد السلطان فلان، وهي: الحميرة

وأعمالها وقلاعها وبلادها وكلّ ما هو مختصّ بها، والمملكة الأنطاكية وقلاعها وبلادها، وجبلة واللّاذقيّة وقلاعها وبلادها، وحمص المحروسة وقلاعها وبلادها، وما هو مختصّ بها، ومملكة حصن عكّا وما هو منسوب إليه، والمملكة الحمويّة وقلاعها وبلادها وما هو مختصّ بها، والمملكة الرّحبيّة وما هو مختصّ بها: من قلاعها وبلادها، والمملكة البعلبكّيّة وما هو مختصّ بها: من قلاعها وبلادها، والمملكة الدّمشقية وما هو مختصّ بها: من قلاعها وبلادها ورعاياها وممالكها، والمملكة الشّقيفية وما يختصّ بها من قلاعها وبلادها ورعاياها، والمملكة القدسيّة وما يختصّ بها، والمملكة الحلبيّة وما يختصّ بها، والمملكة الكركيّة والشّوبكيّة وما يختص بها من القلاع والبلاد والرّعايا، والمملكة النّابلسيّة، والمملكة الصّرخديّة، ومملكة الدّيار المصريّة جميعها: بثغورها، وحصونها، وممالكها، وبلادها، وسواحلها، وبرّها، وبحرها، ورعاياها، وما يختصّ بها، والسّاكنين في جميع هذه الممالك: المذكورة وما لم يذكر من ممالك السّلطان وبلاده، وما سيفتحه الله تعالى على يده ويد نوّابه وغلمانه يكون داخلا في هذه الهدنة المباركة، ومنتظما في جملة شروطها، ويكون جميع المتردّدين من هذه البلاد وإليها آمنين مطمئنّين على نفوسهم وأموالهم وبضائعهم، من الملكة فلانة وغلمانها، وجميع من هو في حكمها وطاعتها: برّا وبحرا، ليلا ونهارا، ومن مراكبها وشوانيها. وكذلك رعيّة الملكة فلانة وغلمانها يكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم وبضائعهم من السّلطان ومن جميع نوّابه وغلمانه ومن هو تحت حكمه وطاعته: برّا وبحرا، ليلا ونهارا: في جبلة، واللّاذقيّة، وجميع بلاد السلطان، ومن مراكبه وشوانيه.

وعلى أن لا يجدّد على أحد من التّجّار المتردّدين رسم لم تجر به عادة، بل يجرون على العوائد المستمرّة، والقواعد المستقرّة من الجهتين. وإن عدم لأحد من الجانبين مال، أو أخذت أخيذة، وصحت في الجهة الأخرى ردّت إن كانت موجودة، أو قيمتها إن كانت مفقودة. وإن خفي أمرها كانت المدّة للكشف أربعين يوما، فإن وجدت ردّت، وإن لم توجد حلّف والي تلك الولاية المدّعى عليه، وحلّف ثلاثة نفر ممّن يختارهم المدّعي، وبرئت جهته من تلك الدّعوى. فإن أبى المدّعى عليه من اليمين حلّف الوالي المدّعي، وأخذ ما يدّعيه. وإن قتل أحد من الجانبين خطأ كان أو عمدا، كان على القاتل في جهته العوض عنه نظيره: فارس بفارس، وبركيل ببركيل، وراجل براجل، وفلّاح بفلّاح. وإن هرب أحد من الجانبين إلى الجانب الآخر بمال لغيره، ردّ من الجهتين هو والمال، ولا يعتذر بعذر.

وعلى أنه إن تاجر فرنجي صدر من بيروت إلى بلاد السّلطان يكون داخلا في هذه الهدنة، وإن عاد إلى غيرها لا يكون داخلا في هذه الهدنة.

وعلى أنه إن تاجر فرنجي صدر من بيروت إلى بلاد السّلطان يكون داخلا في هذه الهدنة، وإن عاد إلى غيرها لا يكون داخلا في هذه الهدنة.

وعلى أنّ الملكة فلانة لا تمكّن أحدا من الفرنج على اختلافهم من قصد بلاد السّلطان من جهة بيروت وبلادها، وتمنع من ذلك وتدفع كلّ متطرّق بسوء، وتكون البلاد من الجهتين محفوظة من المتجرّمين المفسدين.

وبذلك انعقدت الهدنة للسلطان، وتقرّر العمل بهذه الهدنة والالتزام بعهودها والوفاء بها إلى آخر مدّتها من الجهتين: لا ينقضها مرور زمان، ولا يغيّر شروطها حين ولا أوان، ولا تنقض بموت أحد من الجانبين. وعند انقضاء الهدنة تكون التّجّار آمنين من الجهتين مدّة أربعين يوما، ولا يمنع أحد منهم من العود إلى مستقره؛ وبذلك شمل هذه الهدنة المباركة الخطّ الشريف حجّة فيها، والله الموفّق، في تاريخ كذا وكذا.

وهذه نسخة هدنة عقدت بين السلطان الملك الظاهر «بيبرس» وولده

الملك السّعيد، وبين الفرنج الاسبتارية، على قلعة لدّ بالشام، في سنة تسع وستين وستمائة؛ وهي:

استقرّت الهدنة المباركة بين السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين «بيبرس الصّالحيّ» قسيم أمير المؤمنين وولده الملك السّعيد ناصر الدّين «محمد بركه خاقان» خليل أمير المؤمنين، وبين المباشر المقدّم الجليل افريز أولد كال مقدّم جميع بيت اسبتار سرجوان بالبلاد السّاحليّة، وبين جميع الإخوة الاسبتارية، لمدّة عشر سنين كوامل متواليات متتابعات، وعشرة أشهر، أوّلها مستهلّ رمضان سنة تسع وستين وستمائة للهجرة النبويّة المحمّديّة، الموافق للثامن عشر من نيسان سنة ألف وخمسمائة واثنتين وثمانين للإسكندر بن فيلبّس اليونانيّ- على أن تكون قلعة لدّ بكمالها وربضها وأعمالها، وما هو منسوب إليها ومحسوب منها، بحدودها المعروفة بها من تقادم الزمان، وما استقرّ لها الآن، وما يتعلّق بذلك: من المواضع، والمصايد، والملّاحات، والبساتين، والمعاصر، والطّواحين، والجزائر:

سهلها وجبلها، وعامرها، وداثرها، وما يجري بها من أنهار، وينبع بها من عيون، وما هو مبنيّ بها من عمائر، وما استجدّ بها من القراح وغير ذلك،

وكلّ ما عمّر في أراضي المناصفات على دورها وأنهارها، وما بحدود ذلك من نهر «بدرة» إلى جهة الشّمال، وما استقرّ «لبلدة» من هذه الجهات إلى آخر الأيام النّاصريّة من الحدود المعروفة بها والمستقرّة لها، وحصن برغين وما ينسب إلى ذلك من البلاد والضّياع والقرى التي كانت مناصفة- تكون جميع «بلدة» وهذه الجهات خاصّا إلى آخر الزائد للملك الظّاهر، ولا يكون لبيت الاسبتار ولا للمرقب فيها حقّ ولا طلب بوجه ولا سبب إلى حين انقضاء مدّة الهدنة وما بعدها إلى آخر الزائد، ولا لأحد من جميع الفرنجة فيها تعلّق ولا طلب بوجه ولا سبب.

وكذلك مهما كان مناصفة كقلعة «العليقة» في بلادها لبيت الاسبتار، يكون ذلك جميعه للدّيوان المعمور والخاصّ الشريف، ولا يكون للمرقب فيها شيء ولا لبيت الاسبتار.

وكذلك كلّ ما هو في بلاد الدّعوة المباركة جميعها وقلاعها من القرى- لا تكون فيها مناصفة لبيت الاسبتار ولا للمرقب، ولا حقّ، ولا رسم، ولا شرط، ولا طلب في جميع بلاد الدّعوة: مصياف المحروسة، والكهف، والمنيقة، والقدموس، والخوابي، والرّصافة، والعليقة، وكلّ ما هو في هذه

القلاع وفي بلادها من مناصفة، يكون ذلك خاصّا للملك الظاهر، وليس لبيت الاسبتار ولا الفرنجة فيه حديث ولا طلب.

وعلى أن تكون بلاد المرقب وحدودها من نهر لدّ ومقبّلا ومغرّبا إلى حدود بلاد مرقبة المعروفة بها، الدّاخل جميعها في الفتوح الشريف، واستقرارها بحكم ذلك في الخاصّ المبارك الشّريف، وحدّ البيوت المحاذية لسور الرّبض، تستقرّ جميعها مناصفة بين السّلطان وبين بيت الاسبتار نصفين بالسّويّة، وما في جميع هذه البلاد: من بساتين، وطواحين، وعمائر، ومصايد، وملّاحات، ووجوه العين، والمستغلّات الصّيفيّة والشّتويّة، والقطاني، والحقوق المستخرجة، وما هو مزروع من الفدن لأهل الرّبض وبيادرها: يكون ذلك مناصفة بين السلطان وبين بيت الاسبتار سرجوان بالسّويّة نصفين.

وما هو داخل الرّبض وداخل المرقب، فإنه مطلق من الملك الظاهر للمقدّم الكبير «افريز أولد كال» مقدّم بيت الاسبتار سرجوان وخيّالته، ورجاله وحمّالته ورجّالته ورعيّته، برسم إقامتهم وسكناهم من داخل الأسوار، وعن سور الرّبض المحاذية للسّور تكون مناصفة جميعها، بما فيه من حقوق طرقات وأحكار، ومراعي المواشي على اختلاف أصوافها وأوبارها، وجميع السخريات، وكلّ أرض مزروعة أو غير مزروعة مهما أخذ منه من حقّ أو عداد يكون مناصفة.

وكلّ ما هو من المواني والمراسي البحريّة المعروفة جميعها بحصن المرقب: من مينا بلدة إلى مينا القنطرة المجاورة لحدود مرقبة- تكون هي وما يتحصّل منها من الحقوق المستخرجة من الصادرين والواردين والتّجّار، وما ينعقد عليه ارتفاعها، وتشهد به الحسبانات- جميعه مناصفة. وما يدخل في

ذلك من أجناس البضائع على اختلافها يؤخذ الحقّ [منه] مناصفة على العادة الجارية من غير تغيير لقاعدة من حين أخذ بيت الاسبتار المرقب إلى تاريخ هذه الهدنة المباركة مناصفة على العادة الجارية، بل تجري التّجّار في الحقوق على عادتهم في البضائع التي يحضرونها والمتجر كائنا من كان.

يعتمد ذلك في كلّ ما يصل للمتردّدين والمقيمين بالقلعة والرّبض: من عامّة وغير عامّة، وخيّالة وغير خيّالة، على اختلاف أجناسهم، خلا ما يصل للإخوة ولغلمانهم المعروفين بالإخوة الاسبتارية من الحبوب والمؤونة والكسوة والخيل التي هي برسم ركوبهم خاصّة، لا يكون عليها حقّ، بشرط أنه لا يكون فيها للتّجّار شيء من ذلك، وما خلا ذلك جميعه يؤخذ الحقّ منه مناصفة على ما شرحناه.

وعلى أنه لا يحمي أحد من الإخوة الخيّالة، والوزراء، والكتّاب، والنّوّاب، والمستخدمين شيئا على اسم بيت الاسبتار، ليستطلق الحقّ ويمنع من استيدائه، ولو أنّه أقرب أخ إلى المقدّم أو ولد المقدّم، إذا ظهر منه خلاف ما وقع عليه الشّرط، أخذ جميع ماله مستهلكا للجهتين: للدّيوان السّلطانيّ المعمور، ولبيت الاسبتار، إن كان خارجا من البحر أو نازلا إلى البحر، صادرا وواردا، وكذلك في البرّ صادرا وواردا بعد المحاققة على ذلك وصحّته.

وعلى أنّ نوّاب المباشر المقدّم الكبير لبيت الاسبتار، وولاته وكتّابه ومستخدميه وغلمانه، يكونون آمنين مطمئنّين على نفوسهم وأموالهم وجميع ما يتعلّق بهم. وكذلك غلماننا وولاتنا ونوّابنا ومستخدمونا وكتّابنا ورعايا بلادنا يكونون آمنين مطمئنّين على نفوسهم وأموالهم، متّفقين على مصالح البلاد وأخذ الحقوق، وسائر المقاسمات والطّرقات والبساتين والطّواحين،

والحقوق المقرّرة على الفدن على اختلاف أجناسها. وكذلك الرّآسة واستخراج وجوه العين، والحبوب، والتصاريف الجاري بها العادة المقرّرة على الفدن، من جميع ما يتعلّق بها.

وعلى أن جميع الضمانات يكون نوّاب السلطان ونوّاب بيت الاسبتار متّفقين جملة على ذلك، لا ينفرد أحد منهم بشيء إلا باتفاق وتنزيل في دفاتر الديوان المعمور وديوان بيت الاسبتار، ولا يطلق ولا يحبس إلا باتّفاق من الجهتين، ولا ينفرد واحد دون آخر.

وعلى أنّ أيّ مسلم تصدر منه أذيّة يحكم فيه بما يقتضيه الشرع الشريف في تأديبه، يعتمد ذلك فيه نائبنا: من شنق يجب عليه، أو قطع، أو أدّب بحكم الشّرع الشريف: من شنق، وقطع، وكحل أعين، بحيث لا يعمل ذلك إلا بحضور نائب من جهة بيت الاسبتار، حاضر يعاين ذلك بعينه، ويكون قد عرف الذّنب وتحقّقه. وإن كان ذنبه يستوجب جناية أو غرامة دراهم أو ذهب أو مواش أو غير ذلك على اختلاف أجناسه، يكون ما يستأدى مناصفة للدّيوان المعمور ولبيت الاسبتار وصاحب المرقب. فإن كان فيها قماش وبضائع على اختلاف أجناسه، وصاحبه مسلم، يأخذ بضاعته من غير اعتراض من الجهتين بعد أداء الحقّ للدّيوان المعمور ولبيت الاسبتار. وإن لم يعرف صاحب البضاعة وكانت لمسلم، أعيدت للخزانة السّلطانية، ولا يكون لبيت الاسبتار فيها تعلّق. وإن كان صاحب البضاعة نصرانيّا على اختلاف أجناس النّصارى، تؤخذ بضاعته، من غير اعتراض من جهتنا، بعد أداء الحقّ، وإن لم يعرف صاحب البضاعة، وكانت لنصرانيّ، تبقى تحت يد بيت الاسبتار، خلا من كان من بلاد مملكة السّلطان على

اختلاف دينه: إن كان نصرانيّا أو ذميّا، على اختلاف جنس دينه، ليس لبيت الاسبتار عليهم اعتراض، ويحمل ذلك جميعه على اختلاف أجناس البضائع للدّيوان المعمور.

وعلى أنه متى انكسر مركب، وظهر إلى برّ المواني بضاعة، وقصد صاحبه شيله إلى جهة يختارها في البرّ والبحر، ولا يتبع، فيؤخذ الحقّ منه:

إن باع يؤخذ الحقّ، وإن حمل يؤخذ الحقّ، ويكون الحقّ للجهتين: وهو الحقّ المعروف الجاري به العادة.

وعلى أن التّجّار السّفّارة والمتردّدين بالبضائع من بلاد المسلمين والنّصارى متى ما خرجوا من المواني المحدودة أعلاه يتوجّهون بخفارة الجهتين من غير حقّ: لا يتناول من الخفارة شيء منسوب إلى نفوسهم إلى أن يخرجهم ويحضرهم إلى برّ حدود المرقب آمنين مطمئنّين تحت حفظ الجهتين.

ومتى وصل التّجّار من مملكة السّلطان إلى بلاد المرقب وموانيها، فالتّرتيب على الخفارة من الجهتين، مع تدرّك الرّؤساء الحفظ للطرقات صادرا وواردا، بحيث إنّهم يحضرون إلى بلاد المرقب، وإلى المواني بالمرقب المحدودة أعلاه، طيّبين آمنين على أرواحهم وأموالهم بالخفارة من الجهتين، على ما شرحناه.

وعلى أنّ غلمان المباشر المقدّم لبيت الاسبتار والإخوة والخيّالة والرّعيّة المقيمين بقلعة المرقب والرّبض، يكونون آمنين مطمئنّين على أنفسهم وأموالهم ومن يلوذ بهم ويتعلّق، في حال صدورهم وورودهم إلى بلادنا الجارية في مملكتنا في البرّ، منّا ومن نوّابنا بالمملكة والبلاد الجارية في حكمنا، ومن ولدنا الملك السّعيد، ومن أمرائنا وعساكرنا المنصورة. وإن قتل قتيل أو أخذت أخيذة في حدود المناصف ببلاد المرقب، فيقع الكشف

عن ذلك عشرين يوما: فإن وجد فاعل ذلك، يؤخذ الفاعل بذنبه، وإن لم يظهر فاعل ذلك مدّة عشرين يوما فيمسك رؤساء مكان قطع الطّريق وأخذ الأخيذة، وقتل القتيل، إن كان أخذ وقتل- مكان من قتل القتيل أو أخذ الأخيذة- أقرب القرباء إلى الذي قطع عليه الطريق أو قتل قتيلا، فإن خفي الفاعل لذلك، وعجز عن إحضاره بعد عشرين يوما، يلزم أهل نوّاب الجهتين من القرباء الأقرب لذلك المكان بألف دينار صوريّة: للدّيوان السلطانيّ النّصف، ولنقيب الاسبتار النّصف، ولا تتكاسل الولاة في طلب ذلك، ويكون طلبه يدا واحدة، ولا يختص الواحد دون الآخر، ولا يحابي أحد منهم لأخذ الفلّاح في هذا أو غيره في مصلحة عمارة البلاد، واستخراج الحقوق، ومقاسمة الغلال، وطلب المفسدين ليلا ونهارا.

وعلى أن لا تغيّر الهدنة المباركة بأمر من الأمور، لا من جهتنا ولا من جهة ولدنا الملك السّعيد، إلى انقضاء مدّتها المعيّنة أعلاه وفروعها، ولا تتغيّر بتغيّر المقدّم المباشر لبيت الاسبتار الحاكم على المرقب وغيره. وإذا جرت قضيّة في أمر من الأمور يعرّفهم نوّابنا، ويحقّق الكشف إلى مدّة أربعين يوما؛ فمن يكون للبداية يخرج منها على من يثبت ويكون قد عرف دينه الذي بدا من جهة كلّ واحد. وإذا تغيّر النّواب بالمرقب وحضر نائب مستجدّ يعتمد ما تضمّنته هذه الهدنة، ولا يخرج عن هذه المواصفة. وإذا تسحّب من المسلمين أحد على اختلاف أجناسه، إن كان مملوكا أو غير مملوك، أو معتوقا أو غير معتوق، أو كائنا من كان من المسلمين على اختلاف منازلهم، وإن كان غلاما أو غير غلام- يردّ بجميع ما يوجد معه، إن كان قليلا أو كثيرا يردّ. ولو أنّ المتسحّب دخل الكنيسة وجلس فيها يمسك بيده ويخرج ويسلّم لنوّابنا بجميع ما معه؛ وإن كان خيلا أو قماشا أو دراهم أو ذهبا وما يتعامل الناس به، يسلّم بما معه إلى نوّابنا على ما شرحناه. وكذلك إذا تسحّب أحد

من جهتهم من الفرنج أو النّصارى إلى أبوابنا الشريفة، أو وصل إلى جهة نوّابنا يمسك ويسلّم بما يحضر معه: من الخيل والأقمشة والعدّة وجميع ما يصل إن كان قليلا أو كثيرا، يمسكه نوّابنا ويسلّمون ذلك بما معه لنائب المقدّم الماستر المقيم بالمرقب، وأخذوا الخطوط بذلك بتسليمه بما حضر معه.

وعلى أنهم لا يكون لهم حديث مع قلعة العليقة، ولا الرّعيّة الذين فيها، ولا مع نوّاب ابن الرديني المقيمين فيها: لا بكتاب، ولا بمشافهة، ولا برسالة، ولا بقول، ولا يطلع أحد من جهتهم إليهم، ولا يمكّن أحد من الحضور إليهم، [والوصول] إلى جهتهم من القلعة المذكورة، ولا تسيّر إليهم مؤونة ولا تجارة ولا جلب على اختلاف أجناسه، ولا تكون بينهم معاملة. وإن حضر من جهة قلعة العليقة إليهم يمسكون ويسلّمون لنوّابنا ويأخذوا بذلك خطوطهم.

وعلى أنهم لا يجدّدون عمارة قلعة، ولا في القلعة عمارة، ولا في البدنة ولا في أبراجها، ولا [يعتمدون] إصلاح شيء منها إلا إذا عاينه نوّابنا أو أبصروا أنه يحتاج إلى الضّرورة في ترميم يرمّمونه بعد أن يعاينه نوّابنا من هذا التاريخ، ولا يجدّدون عمارة في ربضها، ولا في سورها، ولا في

أبراجها، ولا يجدّدون حفر خندق، وعمارة خندق، أو تجدّد بناية خندق أو قطع جبل، أو تحصّن عمارة، أو تحصّن بقطع جبل، منسوبا لتحصين يمنع أو يدفع. ولم نأذن لهم بسوى البناية [على] أثر الدّور التي أحرقت عند دخول العساكر صحبة الملك السّعيد. وقد أذنّا لهم في عمارة باطن الرّبض على أثر الأساس القديم.

وعلى أنّ صهيون وأعمالها، وبرومه وأعمالها، والقليعة وأعمالها، وعيدوب وأعمالها، الجارية تحت نظر الأمير سيف الدّين محمد ابن عثمان صاحب صهيون- يجري حكم هذه البلاد المختصة به حكم بلادنا في المهادنة، بحكم أنّ بلاده المذكورة جارية في ممالكنا الشّريفة.

وعلى أنه لا يمكّن بيت الاسبتار من دخول رجل غريبة في البرّ ولا في البحر إلى بلادنا، بأذيّة ولا ضرر يعود على الدّولة، وعلى بلادنا وحصوننا ورعيّتنا، إلا أن يكونوا يدا غالبة، صحبة ملك متوّج.

وعلى أنّ البرج الداخل في المناصفة، وهو برج معاوية الذي عند المحاصّة الداخلة في مناصف المرقب الآن، يخرّب ما يخصّنا منه، وهو النّصف من البرج المذكور أعلاه؛ وأن الجسر المعروف بجسر بلدة لم يكن لبيت الاسبتار فيه شيء من البرّين، وأنه خالص للديوان المعمور دون بيت الاسبتار؛ وأن الدّار المستجدّة عمارتها بقلعة المرقب برسم الماستر المقدّم الكبير، الذي هو عايز تكميل عمارة سقف القبو بالحجارة والكلس، لا

تكمّل عمارتها، ويبقى على حاله، وهو في وسط القلعة الظاهر منه قليل إلى البرّ الشّرقيّ وهو المذكور أعلاه.

وعلى أن نوّاب الاسبتار بالمرقب لا يخفون شيئا من مقاسمات البلاد ولا شيئا من حقوقها الجارية بها العادة أن بيت الاسبتار يستخرجونه ولا يخفون منه شيئا؛ وكلّ ما كان يستأدى من البلاد في أيدي الاسبتار قبل هذه الهدنة يطلعون نوّابنا عليه ولا يخفون منه شيئا قليلا ولا كثيرا من ذلك.

وعلى أنّ السلطان يأمر نوّابه بحفظ مناصفات بلاد المرقب الداخلة في هذه الهدنة، من المفسدين والمتلصّصين والحراميّة ممن هو في حكمه وطاعته. وكذلك الماستر المقدّم افريز أولد كال يلزم ذلك من الجهة الأخرى. ومتى وقع- والعياذ بالله- فسخ بسبب من الأسباب، كان التّجّار والسّفّار آمنين من الجهتين إلى أن يعودوا بأموالهم، ولا يمنعون من السّفر إلى أماكنهم من الجهتين، وتكون النهاية لهم أربعين يوما. وتكون هذه الهدنة منعقدة بشروطها المذكورة، مستقرّة بقواعدها المسطورة للمدّة المعيّنة، وهي: عشر سنين وعشرة أشهر كوامل، أوّلها مستهلّ رمضان سنة تسع وستّين وستمائة إلى آخرها، متتابعة متوالية، لا تفسخ بموت أحد من الجهتين، ولا بعزل وال وقيام غيره موضعه، ولا زوال رجل غريبة، ولا حضور يد غالبة، بل يلزم كلّا من الجهتين حفظها إلى آخرها، ومن تولّى بعد الآخر حفظها إلى آخرها، بالشّروط المشروطة فيها أوّلا وآخرا. والخطّ أعلاه، حجّة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى. في تاريخ كذا وكذا.

وهذه نسخة هدنة عقدت بين السلطان الملك المنصور «قلاوون» الصالحيّ صاحب الدّيار المصريّة والبلاد الشاميّة وولده الملك الصالح «عليّ» وليّ عهده، وبين حكّام الفرنج بعكّا وما معها من بلاد سواحل

الشّام، في شهور سنة آثنتين وثمانين وستمائة، وهي يومئذ بأيديهم؛ وصورتها:

استقرّت الهدنة بين مولانا السّلطان الملك المنصور سيف الدّين أبي الفتح «قلاوون» الملكيّ الصّالحيّ وولده السلطان الملك الصالح علاء الدّين «عليّ» - خلّد الله تعالى سلطنتهما - وبين الحكّام بمملكة عكّا، وصيدا، وعثليث، وبلادها التي انعقدت عليها هذه الهدنة، وهم: (الشيخان أو دهيل المملكة بعكّا)، وحضرة المقدّم الجليل (افريز كاسام ديبا حول) مقدّم بيت الديويّة، وحضرة المقدّم الجليل (افريز سكفل للورن) مقدّم بيت الاسبتارية، والمرشان الأجلّ (افريز) كورات نائب مقدّم بيت الاسبتار الآمن - لمدّة عشر سنين كوامل، وعشرة أشهر، وعشرة أيّام، وعشر ساعات: أوّلها يوم الخميس خامس ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانين وستمائة للهجرة النّبويّة، صلوات الله على صاحبها وسلامه، الموافق للثالث

من حزيران سنة ألف وخمسمائة وأربع وتسعين لغلبة الإسكندر بن فيلبّس اليونانيّ- على جميع بلاد السّلطان وولده، وهي التي في مملكتهما وتحت حكمهما وطاعتهما وما تحويه أيديهما يومئذ: من جميع الأقاليم والممالك، والقلاع، والحصون الإسلامية، وثغر دمياط، وثغر الإسكندريّة المحروستين، ونسترو، وسنتريّة وما ينسب إليها من المواني والسواحل، وثغر فوّة، وثغر رشيد، والبلاد الحجازية، وثغر غزّة المحروس، وما معها من المواني والبلاد، والمملكة الكركيّة، والشّوبكيّة وأعمالها، والصّلت وأعمالها، وبصرى وأعمالها، ومملكة بلاد الخليل صلوات الله عليه وسلامه، ومملكة القدس الشّريف وأعمالها، وبيت لحم وأعماله

وبلاده، وجميع ما هو داخل فيها ومحسوب منها، وبيت جبريل، ومملكة نابلس وأعمالها، ومملكة الأطرون وأعمالها، وعسقلان وأعمالها وموانيها وسواحلها، ومملكة يافا والرّملة وميناها، وقيساريّة وميناها وسواحلها وأعمالها، وأرسوف وأعمالها، وقلعة قاقون وأعمالها وبلادها، وأعمال العوجاء وما معها من الملاحة، والفتوح السّعيد وأعمالها ومزارعها، وبيسان وأعمالها وبلادها، والطّور وأعماله، واللّجون وأعماله، وجينين وأعمالها، وعين جالوت وأعمالها، والقيمون

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.