تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

المذهب الثاني (أن تفتتح الهدنة بلفظ: «استقرّت الهدنة بين فلان وفلان» ويقدّم فيه ذكر الملك المسلم) (٢)

وأعماله وما ينسب إليه، وطبريّة وبحيرتها وأعمالها وما معها، والمملكة الصّفدية وما ينسب إليها، وتبنين وهونين وما معهما من البلاد والأعمال، والشّقيف المحروس المعروف بشقيف أرنون وما معه من البلاد والأعمال وما هو منسوب إليه، وبلاد الفرن وما معه خارجا عما عيّن في هذه الهدنة المباركة، ونصف مدينة إسكندرونة، ونصف ضيعة مأرب بفدنهما وكرومهما وبساتينهما وحقوقهما؛ وما عدا ذلك من حقوق إسكندرونة المذكورة، يكون جميعه بحدوده وبلاده للسلطان الملك المنصور ولولده النّصف، والنّصف الآخر لمملكة عكّا. والبقاع العزيزي وأعماله، وشعرا وأعمالها، وشقيف تيرون وأعماله، والعامر جميعها (ولا با

وغيرها)، وبانياس وأعمالها وقلعة الصّبيبة وأعمالها وما معها من البحيرات والأعمال، وكوكب وأعمالها وما معها، وقلعة عجلون وأعمالها، ودمشق والمملكة الدّمشقيّة- حرسها الله تعالى- وما لها من القلاع والبلاد والممالك والأعمال، وقلعة بعلبكّ المحروسة وما معها وأعمالها، ومملكة حمص وما لها من الأعمال والحدود، ومملكة حماة المحروسة ومدينتها وقلعتها وبلادها وحدودها، وبلاطنس وأعمالها، وصهيون وأعمالها، وبرزية وأعمالها، وفتوحات حصن الأكراد المحروس وأعماله، وصافيثا وأعمالها، و [ميعار و] أعمالها، والعريمة وأعمالها، وقدقيا وأعمالها، وحلبا وأعمالها، والقليعة وأعمالها، وحصن عكّار وأعماله وبلاده، وقلعة شيزر وأعمالها، وأفامية وأعمالها، وجبلة وأعمالها، وأبو قبيس وأعماله، والمملكة الحلبيّة وما هو مضاف إليها من القلاع والمدن والبلاد والحصون، وأنطاكية وأعمالها وما دخل في الفتوح

المبارك، وبغراس وأعمالها، والدّربساك وأعمالها، والرّاوندان وأعمالها، وعينتاب وأعمالها، وحارم وأعمالها، ويبرين وأعمالها، وسيح الحديد وأعماله، وقلعة نجم وأعمالها، وشقيف دركوش وأعماله، والشّغر وأعماله، وبكاس وأعماله، والسّويداء وأعمالها، والباب وبزاعا وأعمالهما، والبيرة وأعمالها، والرّحبة وأعمالها، وسلمية وأعمالها، وشميمس وأعمالها، وتدمر وأعمالها، وما هو منسوب إليها، وجميع ما هو منسوب لمولانا السلطان ولولده من البلاد التي عيّنت في هذه الهدنة المباركة، والتي لم تعيّن.

وعلى جميع العساكر، وعلى جميع الرّعايا من سائر الناس أجمعين:

على اختلافهم، وتغيّر أنفارهم وأجناسهم وأديانهم، للقاطنين فيها، والمتردّدين في البرّ والبحر، والسّهل والجبل، في اللّيل والنهار، يكونون آمنين مطمئنّين في حالتي صدورهم وورودهم- على أنفسهم، وأموالهم، وأولادهم، وحريمهم، وبضائعهم، وغلمانهم، وأتباعهم، ومواشيهم، ودوابّهم، وعلى جميع ما يتعلّق بهم، وكلّ ما تحوي أيديهم من سائر الأشياء على اختلافها، من الحكّام بمملكة عكّا: وهم كفيل المملكة بها، والمقدّم

(افريز كليام ديبا حول) مقدّم بيت الديوية، والمقدّم (افريز بيكوك للورن) [مقدّم بيت الاسبتار]، وافريز اهداب نائب مقدّم بيت الاسبتار الامن، ومن جميع الفرنج والإخوة، والفرسان الدّاخلين في طاعتهم وتحويه مملكتهم السّاحليّة، ومن جميع الفرنج على اختلافهم، الذين يستوطنون عكّا والبلاد الساحليّة الداخلة في هذه الهدنة من كلّ واصل إليها في برّ أو بحر على اختلاف أجناسهم وأنفارهم، لا ينال بلاد السّلطان وولده، ولا حصونهما، ولا قلاعهما، ولا بلادهما، ولا ضياعهما، ولا عساكرهما، ولا جيوشهما، ولا عربهما، ولا تركمانهما، ولا أكرادهما، ولا رعاياهما، على اختلاف الأجناس والأنفار، ولا ما تحويه أيديهم من المواشي والأموال والغلال وسائر الأشياء منهم غدر ولا سوء، ولا يخشون من جميعهم أمرا مكروها ولا إغارة، ولا تعرّضا ولا أذيّة.

وكذلك ما يستفتحه ويضيفه السلطان وولده على يديهما، وعلى يد نوّابهما وعساكرهما: من بلاد، وحصون، وقلاع، وملك، وأعمال، وولايات، برّا وبحرا، سهلا ووعرا.

وكذلك جميع بلاد الفرنج التي استقرّت الآن عليها هذه الهدنة [من البلاد الساحلية] وهي مدينة عكّا وبساتينها، وأراضيها وطواحينها، وما يختصّ بها من كرومها، وما لها من حقوق حولها، وما تقرّر لها من بلاد في هذه الهدنة [وعدتها بما فيها من مزارع ثلاثة وسبعون ناحية خاصّا

للفرنج] وهي: البصة ومزرعتها، مجدل، حمصين، رأس عبده، المنواث ومزرعتها، الكابرة ومزرعتها، نصف وفيه جمعون، كفر بردى ومزرعتها، كوكب عمقا ومزرعتها، المونية، كفر ياسيف»

ومزرعتها، توسيان، مكر حرسين ومزرعتها، الحديدة، الغياضة، العطوانية، مرتوقا الحارثية ثمرا الطرة، الرنب، البابوحيه ومزرعتها، العرج ومزرعتها، المزرعة السّميرية البيضاء، دعوق والطاحون، كردانه والطاحون، حدرول، تل النحل، الغار، الرخ والمجدل، تلّ كيسان، البروة، الرامون، ساسا السياسية، الشبيكة، المشيرقة، العطرانية، المنيير، اكليل، هرياسيف

العربية، هوشة، الزراعة الجديدة الشمالية، الرحاحيه، قسطه، كفرنبتل، الدويرات، ماصوب، متماس، العباسية، سيعانه، عين الملك، المنصورة، الرصيفة، حبابا، سرطا، كفرتا، أرض الزراعة، رولس، صغد عدي، سفرعم، هذه البلاد المذكورة [تكون] خاصّا للفرنج. حيفا والكروم والبساتين التي لها جميعها، والقصر وهو الحوش وكفر توثا، وهي: الكنيسة، والطيرة، والسعبة،

والسعادة، والمعر، والباجور، وسومرا. تكون حيفا وهذه البلاد المذكورة بحدودها وأراضيها خاصّة للفرنج. وكذلك قرية (مارنياباره) بها، المعروفة بها وكرومها وغروسها يكون خاصّا للفرنج. ودير السياح، ودير مارلياس بأراضيهما المعروفة بهما وكرومهما وبساتينهما يكون خاصّا للفرنج.

وعلى أن يكون للسّلطان الملك المنصور ولولده الصّالح، من بلاد الكرمل وهي: الدالية، ودونه، وضريبة الريح، والكرك، ومعليا، والرامون، ولوبيه، وبسور، وخربة يونس، وخربة خميس، ورشميا، ودوابه، يكون خاصّا للفرنج في بلاد أخرى ذكرها. وما عدا ذلك من البلاد الجبلية جميعها للسلطان ولولده بكمالها.

وتكون جميع هذه البلاد العكّاويّة وما عيّن في هذه الهدنة المباركة من البلاد السّاحليّة آمنة من السّلطان الملك المنصور وولده الملك الصّالح،

وآمنة من عساكرهما وجنودهما ومن خدمهما، وتكون هذه البلاد المشروحة أعلاه، الداخلة في هذه الهدنة المباركة: الخاصّ بها»

، وما هو مناصفة- مطمئنّة هي ورعاياها، وسائر أجناس الناس فيها، والقاطنين بها، والمتردّدين إليها على اختلاف أجناسهم وأديانهم، والمتردّدين إليها من جميع بلاد الفرنجة والسّفّار، والمتردّدين منها وإليها في برّ وبحر، في ليل أو نهار، سهل وجبل، آمنين على النّفوس والأموال والأولاد، والمراكب والدّوابّ، وجميع ما يتعلّق بهم، وكلّ ما تحويه أيديهم من الأشياء على اختلافها، من السّلطان وولده، وجميع من هو تحت طاعتهما، لا ينالهم ولا ينال هذه البلاد المذكورة التي انعقدت عليها الهدنة سوء ولا ضرر ولا إغارة، ولا ينال إحدى الجهتين المذكورتين: الإسلاميّة والفرنجية من الأخرى ضرر ولا أذيّة، ويكون ما تقرّر أنه يكون خاصّا للفرنج حسب ما بيّن أعلاه لهم، وما تقرّر أن يكون للسّلطان ولولده خاصّا لهما، والمناصفات تكون كما شرح. ولا يكون للفرنج من البلاد والمناصفات إلا ما شرح في هذه الهدنة وعيّن فيها من البلاد.

وعلى أنّ الفرنج لا يجدّدون في غير عكّا وعثليث وصيدا: ممّا هو خارج عن

أسوار هذه الجهات الثّلاث المذكورات، لا قلعة، ولا برجا، ولا حصنا، ولا مستجدّا.

وعلى أنه متى هرب أحد- كائنا من كان- من بلاد السّلطان وولده إلى عكّا والبلاد السّاحلية المعيّنة في هذه الهدنة، وقصد الدّخول في دين النّصرانيّة وتنصّر بإرادته، يردّ جميع ما يروح معه ويبقى عريانا، وإن كان ما يقصد الدّخول في دين النصرانية ولا يتنصّر، ردّ إلى أبوابهما العالية بجميع ما يروح معه، بشفاعة ثقة بعد أن يعطى الأمان. وكذلك إذا حضر أحد من عكّا والبلاد السّاحليّة الداخلة في هذه الهدنة، وقصد الدّخول في دين الإسلام وأسلم بإرادته، يردّ جميع ما معه ويبقى عريانا، وإن كان ما يقصد الدّخول في دين الإسلام ولا يسلم، يردّ إلى الحكّام بعكّا، والمقدّمين بجميع ما يروح معه بشفاعة بعد أن يعطى له الأمان.

وعلى أنّ الممنوعات المعروف منعها قديما تستقرّ على قاعدة المنع من الجهتين. ومتى وجد مع أحد من تجّار بلاد السّلطان وولده من المسلمين وغيرهم على اختلاف أديانهم وأجناسهم شيء من الممنوعات بعكّا والبلاد السّاحليّة الداخلة في هذه الهدنة، مثل عدّة السّلاح وغيره، يعاد على صاحبه الذي اشتراه منه، ويعاد إليه ثمنه، ويردّ ولا يؤخذ ماله استهلاكا، ولا يؤذى.

وللسّلطان ولولده أن يفتصلا في من يخرج من بلادهما من رعيّتهما، على اختلاف أديانهم وأجناسهم، بشيء من الممنوعات. وكذلك كفيل المملكة بعكّا والمقدّمون لهم أن يفتصلوا في رعيّتهم الذين يخرجون بالممنوعات من بلادهم الدّاخلة في هذه الهدنة.

ومتى أخذت أخيذة من الجانبين، أو قتل قتيل من الجانبين، على أيّ وجه كان- والعياذ بالله- ردّت الأخيذة بعينها إن كانت موجودة أو قيمتها إن

كانت مفقودة، والقتيل يكون العوض عنه بنظيره من جنسه: فارس بفارس، وبركيل ببركيل، وتاجر بتاجر، وراجل براجل، وفلّاح بفلّاح، فإن خفي أمر القتيل والأخيذة، كانت المهلة في الكشف أربعين يوما؛ فإن ظهرت الأخيذة أو تعيّن أمر المقتول، ردّت الأخيذة بعينها ويكون العوض عن القتيل بنظيره، وإن لم تظهر كانت اليمين على والي المكان المدّعى عليه، وثلاثة نفر يقع اختيار المدّعي عليهم، من تلك الولاية. وإن امتنع الوالي عن اليمين حلّف من الجهة المدّعية ثلاثة نفر تختارهم الجهة الأخرى وأخذ قيمتها. وإن لم ينصف الوالي ولا ردّ المال، أنهى المدّعي أمره إلى الحكّام من الجهتين، وتكون المهلة بعد الإنهاء أربعين يوما، ويلزم الولاة من الجهتين بالوفاء بهذا الشّرط.

ومتى أخفوا قتيلا أو أخيذة، أو قدروا على أخذ حقّ ولم يأخذه كلّ واحد في ولايته، يتعيّن على الذي يوليه من ملوك الجهتين إقامة السّياسة فيه: من أخذ الرّوح والمال والشّنق، والإنكار التامّ على من يتعيّن عليه الإنكار إذا فعل ذلك في ولايته وأرضه.

وإن هرب أحد بمال واعترف ببعضه وأنكر بعض ما يدّعى به عليه، لزمه أن يحلف أنه لم يأخذ سوى ما ردّه؛ فإن لم يقنع المدّعي بيمين الهارب، حلف والي تلك الولاية أنه لم يطّلع على أنه وصل معه غير ما ردّه؛ وإن أنكر أنّه لم يصل معه شيء أصلا، استحلف الهارب أنه لم يصل معه للمدّعي شيء.

وعلى أنه إذا انكسر مركب من مراكب تجّار السّلطان وولده التي انعقدت عليها الهدنة، ورعيّتهما من المسلمين وغيرهم: على اختلاف أجناسهم وأديانهم، في مينا عكّا وسواحلها، والبلاد السّاحليّة التي انعقدت

عليها الهدنة، كان كلّ من فيها آمنا على الأنفس والأموال والأتباع والمتاجر؛ فإن وجد أصحاب هذه المراكب التي تنكسر تسلّم مراكبهم وأموالهم [إليهم]؛ وإن عدموا بموت أو غرق أو غيبة، فيحتفظ بموجودهم ويسلّم لنوّاب السّلطان وولده. وكذلك المراكب المتوجّهة من هذه البلاد السّاحلية المنعقد عليها الهدنة للفرنج، يجري لها مثل ذلك في بلاد السّلطان وولده، ويحفظ بموجودها إن لم يكن صاحبها حاضرا إلى أن يسلّم لكفيل المملكة بعكّا أو المقدّم.

ومتى توفّي أحد من التّجّار الصادرين والواردين، على اختلاف أجناسهم وأديانهم، من بلاد السّلطان وولده، في عكّا وصيدا وعثليث، والبلاد السّاحلية الداخلة في هذه الهدنة على اختلاف أجناسهم وأديانهم [فيحتفظ على ماله حتى يسلم لنواب السلطان وولده]، وإذا توفّي أحد في البلاد الإسلامية الداخلة في هذه الهدنة، يحتفظ على ماله إلى حين يسلّم إلى كفيل المملكة بعكّا والمقدّمين.

وعلى أنّ شواني السّلطان وولده إذا عمّرت وخرجت لا تتعرّض بأذيّة إلى البلاد الساحليّة التي انعقدت عليها هذه الهدنة؛ ومتى قصدت الشّواني المذكورة جهة غير هذه الجهات، وكان صاحب تلك الجهة معاهدا للحكّام بمملكة عكّا، فلا تدخل إلى البلاد التي انعقدت عليها هذه الهدنة ولا تتزوّد منها؛ وإن لم يكن صاحب تلك الجهة التي تقصدها الشّواني المنصورة معاهدا للحكّام بمملكة عكّا والبلاد التي انعقدت عليها الهدنة، فلها أن تدخل إلى بلادها وتتزوّد منها. وإن انكسر شيء من هذه الشّواني- والعياذ بالله- في مينا من مواني البلاد التي انعقدت عليها الهدنة وسواحلها: فإن

كانت قاصدة [إلى] من له مع مملكة عكّا ومقدّمي بيوتها عهد، فيلزم كفيل المملكة بعكّا ومقدّمي البيوت بحفظها، وتمكين رجالها من الزّوادة وإصلاح ما انكسر منها، والعود إلى البلاد الإسلامية، [ويبطل حركة ما ينكسر] منها- والعياذ بالله- أو يرميه البحر. هذا إذا كانت قاصدة من له مع مملكة عكّا ومقدّميها عهد، فإن [قصدت من] لم يكن لها معهم عهد، فلها أن تتزوّد وتعمر رجالها من البلاد المنعقد عليها هذه الهدنة، وتتوجّه إلى البلاد المرسوم لها بقصدها، ويعتمد هذا الفضل من الجهتين.

وعلى أنّه متى تحرك أحد من ملوك الفرنجة وغيرهم من جوّا البحر لقصد الحضور لمضرّة السّلطان وولده في بلادهما المتّفقة عليها هذه الهدنة، فليلزم نائب المملكة والمقدّمين بعكّا، أن يعرّفوا السلطان وولده بحركتهم قبل وصولهم إلى البلاد الإسلاميّة الداخلة في هذه الهدنة بمدّة شهرين، وإن وصلوا بعد انقضاء مدّة شهرين، فيكون كفيل المملكة بعكّا، والمقدّمون بريئين من عهدة اليمين في هذا الفصل. ومتى تحرّك عدوّ من جهة البرّ من التّتار وغيرهم، فأيّ من سبق الخبر إليه من الجهتين يعرّف الجهة الأخرى بما سبق الخبر إليه من أمرهم.

وعلى أنه إن قصد البلاد الشّاميّة- والعياذ بالله- عدوّ من التّتار وغيرهم في البرّ، وانحازت العساكر الإسلامية من قدّام العدوّ، ووصل العدوّ إلى

القرب من البلاد السّاحليّة الداخلة في هذه الهدنة وقصدوها بمضرّة، فيكتب إلى [كفيل] المملكة بعكّا، والمقدّمين بها أن يدرؤوا عن بيوتهم ورعيّتهم وبلادهم بما تصل قدرتهم إليه. وإن حصل- والعياذ بالله- جفل من البلاد الإسلاميّة إلى السّاحليّة الداخلة في هذه الهدنة، فيلزم كفيل المملكة بعكّا، والمقدّمين بها حفظهم والدّفع عنهم ومنع من يقصدهم بضرر، ويكونون آمنين مطمئنّين بما معهم.

وعلى أنّ النّائب بمملكة عكّا والمقدّمين بها يوصون في سائر البلاد الساحلية التي وقعت الهدنة عليها، أنّهم لا يمكّنون حراميّة البحر من الزوادة من عندهم ولا من حمل ماء، وإن ظفروا بأحد منهم يمسكونه، وإن كانوا يبيعون عندهم بضائع فيمسكها كفيل المملكة بعكّا والمقدّمون حتّى يظهر صاحبها وتسلّم إليه. وكذلك يعتمد السلطان وولده [في أمر الحراميّة هذا الاعتماد].

وعلى أن الرّهائن بعكّا والبلاد السّاحلية الدّاخلة في هذه الهدنة، كلّ من عليه منهم مبلغ أو غلّة، فيحلف والي ذلك المكان الذي منه الرّهينة، ويحلف المباشر والكاتب في وقت أخذ هذا الشّخص رهينة أنه عليه كذا وكذا: من دراهم أو غلّة أو بقر أو غيره، فإذا حلف الوالي والمباشر والكاتب قدّام نائب السلطان وولده على ذلك يقوم أهل الرّهينة عنه بما للفرنج عليه ويطلقونه. وأما الرّهائن الذين أخذوا منسوبين إلى الجفل والاختشاء أنهم لا يهربون إلى بلاد الإسلام ويمتنع الولاة والمباشرون من اليمين عليهم، فأولئك يطلقون.

وعلى أن لا يجدّد على التّجّار المسافرين: الصادرين والواردين من الجهتين حقّ لم تجر به عادة، ويجروا على عوائدهم المستمرّة إلى آخر وقت، وتؤخذ منهم الحقوق على العادة المستمرّة، ولا يجدّد عليهم رسم ولا حقّ لم تجر به عادة. وكلّ مكان عرف باستخراج الحقّ فيه يستخرج بذلك المكان من غير زيادة من الجهتين، في حالتي سفرهم وإقامتهم، ويكون التّجّار والسّفّار والمتردّدون آمنين مطمئنّين مخفّرين من الجهتين في حالتي سفرهم وإقامتهم، وصدورهم وورودهم بما صحبتهم من الأصناف والبضائع التي هي غير ممنوعة.

وعلى أنه ينادى في البلاد الإسلامية والبلاد الفرنجية الدّاخلة في هذه الهدنة: أنه من كان من فلّاحي بلاد المسلمين يعود إلى بلاد المسلمين مسلما كان أو نصرانيّا، وكذلك من كان من فلّاحي بلاد الفرنج مسلما كان أو نصرانيّا، معروفا قراريّا من الجهتين، ومن لم يعد بعد المناداة يطرد من الجهتين. ولا يمكّن فلّاحو بلاد المسلمين من المقام في بلاد الفرنج المنعقد عليها هذه الهدنة، ولا فلّاحو بلاد المسلمين من المقام في بلاد المسلمين التي انعقدت عليها هذه الهدنة؛ ويكون عود الفلّاح من الجهة إلى الجهة الأخرى بأمان.

وعلى أن تكون كنيسة النّاصرة وأربع بيوت من أقرب البيوت إليها لزيارة الحجّاج وغيرهم من دين الصّليب: كبيرهم وصغيرهم على اختلاف أجناسهم وأنفارهم: من عكّا والبلاد الساحليّة الداخلة في هذه الهدنة، ويصلّي بالكنيسة الاقسّاء والرّهبان، وتكون البيوت المذكورة لزوّار كنيسة النّاصرة خاصّة، ويكونون آمنين مطمئنّين في توجّههم وحضورهم إلى حدود البلاد الداخلة في هذه الهدنة. وإذا نقبت الحجارة التي بالكنيسة المذكورة ترمى برّا، ولا يحطّ حجر منها على حجر لأجل بنايته، ولا يتعرّض إلى

الأقسّاء والرّهبان، وذلك على وجه الهبة لأجل زوّار دين الصّليب بغير حقّ.

ويلزم السلطان وولده حفظ هذه البلاد المشروحة التي انعقدت عليها الهدنة من نفسهما وعساكرهما وجنودهما، ومن جميع المتجرّمة والمتلصّصين والمفسدين: ممّن هو داخل تحت حكمهما وطاعتهما. ويلزم كفيل المملكة بعكّا والمقدّمين بها حفظ هذه البلاد الإسلامية المشروحة التي انعقدت عليها الهدنة، من نفسهم وعساكرهم وجنودهم، وجميع المتجرّمة والمتلصّصين والمفسدين: ممن هو داخل تحت حكمهم وطاعتهم بالمملكة السّاحليّة الداخلة في هذه الهدنة. ويلزم كفيل المملكة بعكّا، ومقدّمي البيوت بها الحكّام بعكّا والبلاد الساحلية الداخلة في هذه الهدنة- القيام بما تضمّنته هذه الهدنة من الشّروط جميعها، شرطا شرطا، وفصلا فصلا، والعمل بأحكامها، والوقوف مع شروطها إلى انقضاء مدّتها. ويفي كلّ منهم بما حلف به من الأيمان المؤكّدة: من أنّه يفي بجميع ما في هذه الهدنة على ما حلفوا به.

تستمرّ هذه الهدنة المباركة بين السّلطان وولده وأولادهما وأولاد أولادهم، وبين الحكّام بمملكة عكّا، وصيدا، وعثليث؛ وهم الشيخان (أودرا) المقدّمون المذكورون فلان وفلان إلى آخرها، لا تتغيّر بموت ملوك أحد الجهتين، ولا بتغيّر مقدّم وتولية غيره، بل تستمرّ على حالها إلى آخرها وانقضائها، بشروطها المحدودة، وقواعدها المقرّرة، كاملة تامّة، ومتى انقضت هذه الهدنة المباركة، أو وقع- والعياذ بالله- فسخ، كانت المهلة في ذلك أربعين من الجهتين. وينادى برجوع كلّ أحد إلى وطنه بعد الإشهاد، ليعود الناس إلى مواطنهم آمنين مطمئنّين، ولا يمنعون من السّفر من الجهتين، ولا تبطل بعزل أحد من الجهتين، وتشيّد أحكامها متتابعة

متوالية، بالسنين والشّهور والأيّام إلى انقضائها، ويلزم المتولي حفظها والعمل بشروطها وفصولها، وفروعها وأصولها، ويجري الحال فيها على أجمل الحالات إلى آخرها. وعلى جميع ذلك وقع الرّضا والصّفح والاتّفاق، وحلف عليها من الجهتين، والله الموفّق.

وهذه نسخة هدنة، عقدت بين الملك الأشرف، صلاح الدّين «خليل» ابن الملك المنصور سيف الدّين «قلاوون» صاحب الديار المصريّة والبلاد الشّامية، وبين دون حاكم الريد أرغون، صاحب برشلونة من بلاد الأندلس، على يد رسله: أخويه وصهريه الآتي ذكرهم، في صفر سنة اثنتين وتسعين وستّمائة؛ وهي:

استقرّت الموّدّة والمصادقة بين الملك الأشرف، وبين حضرة الملك الجليل، المكرّم، الخطير، الباسل، الأسد، الضرّغام، المفخّم، المبجّل «دون» حاكم الريد أرغون، وأخويه دون ولذريك، ودون بيدرو، وبين صهريه اللّذين طلب الرّسولان الواصلان إلى الأبواب الشريفة عن مرسلهما الملك دون حاكم أن يكونا داخلين في الهدنة والمصادقة،

وأن يلتزم الملك دون حاكم عنهما بكلّ ما التزم به عن نفسه، ويتدرّك أمرهما، وهما الملك الجليل، المكرّم، الخطير، الباسل، الأسد، الضّرغام، دون شانجه، ملك قشتالة، وطليطلة، وليون، وبلنسية، وأشبيلية، وقرطبة، ومرسية، وجيّان، والغرب، الكفيل بمملكة أرغون وبرتقال - والملك الجليل دون أتفونش ملك برتقال، من تاريخ يوم الخميس تاسع عشر صفر سنة اثنتين وتسعين وستّمائة، الموافق لثلاث بقين من جنير سنة ألف ومائتين واثنتين وتسعين لمولانا السّيّد المسيح ﵇، وذلك بحضور رسولي الملك دون حاكم، وهما: المحتشم الكبير «روصوديمار موند» الحاكم، عن الملك دون حاكم في بلنسية، ورفيقه المحتشم العمدة «ديمون المان قراري» برجلونة، الواصلين بكتاب الملك دون حاكم، المختوم بختم الملك المذكور، المقتضي معناه أنّه حمّلهما جميعا أحوالهم ومطلوبهم، وسأل أن يقوما فيما يقولانه عنه، فكان مضمون مشافهتهما وسؤالهما تقرير قواعد الصّلح والمودّة والصّداقة، والشّروط التي يشترطها الملك الأشرف على الملك دون حاكم، وأنّه يلتزم بجميع هذه الشّروط الآتي ذكرها، ويحلف الملك المذكور عليها هو وأخواه وصهراه المذكورون، ووضع الرسولان المذكوران خطوطهما بجميع الفصول الآتي ذكرها، بأمره ومرسومه، وأن الملك دون حاكم وأخويه وصهريه يلتزمون بها؛ وهي: استقرار المودّة والمصادقة من التّاريخ المقدّم ذكره، على ممرّ السنين والأعوام، وتعاقب اللّيالي والأيّام: برّا وبحرا، سهلا ووعرا، قربا وبعدا.

وعلى أن تكون بلاد السلطان الملك الأشرف، وقلاعه، وحصونه،

وثغوره، وممالكه، ومواني بلاده وسواحلها، وبرورها، وجميع أقاليمها ومدنها، وكلّ ما هو داخل في مملكته، ومحسوب منها، ومنسوب إليها: من سائر الاقاليم الرّوميّة، والعراقيّة، والمشرقيّة، والشّاميّة، والحلبية، والفراتيّة، واليمنية، والحجازيّة، والدّيار المصرية، والغرب.

وحدّ هذه البلاد والأقاليم وموانيها وسواحلها من البرّ الشّاميّ من القسطنطينيّة والبلاد الرّومية السّاحليّة، وهي: من طرابلس الغرب، وسواحل برقة، والإسكندريّة، ودمياط، والطّينة، وقطيا، وغزّة، وعسقلان، ويافا، وأرسوف، وقيساريّة، وعثليث، وحيفا، وعكّا، وصور، وصيدا، وبيروت، وجبيل، والبيرون، وأنفة طرابلس الشّام، وأنطرسوس، ومرقيّة، والمرقب، وساحل المرقب: بانياس وغيرها، وجبلة، واللّاذقيّة، والسّويديّة وجميع المواني والبرور إلى ثغر دمياط وبحيرة تنّيس.

وحدّها من البرّ الغربيّ: من تونس وإقليم إفريقية وبلادها وموانيها، وطرابلس الغرب وثغورها، وبلادها وموانيها، وبرقة وثغورها وبلادها وموانيها، إلى ثغر الإسكندريّة ورشيد وبحيرة تنّيس وسواحلها وبلادها وموانيها.

وما تحويه هذه البلاد والممالك المذكورة والّتي لم تذكر، والمدائن والثّغور والسّواحل والمواني والطّرقات في البرّ والبحر، والصّدور والورود، والمقام والسّفر، من عساكر وجنود، وتركمان، وأكراد، وعربان، ورعايا، وتجّار، وشواني، ومراكب، وسفن، وأموال، ومواش، على اختلاف الأديان والأنفار والأجناس، وما تحويه الأيدي، من سائر أصناف الأموال والأسلحة والأمتعة والبضائع والمتاجر، قليلا كان أو كثيرا، قريبا كان أو بعيدا، برّا كان أو بحرا- آمنة على الأنفس، والأرواح، والأموال

والحريم، والأولاد من الملك دون حاكم ومن أخويه وصهريه المذكورين، ومن أولادهم، وفرسانهم، وخيّالتهم، ومعاهديهم، وعمائرهم، ورجالهم، وكلّ من يتعلّق بهم. وكذلك كلّ ما سيفتحه الله تعالى على يد الملك الأشرف، وعلى يد أولاده وعساكره وجيوشه، من القلاع والحصون، والبلاد والأقاليم، فإنه يجري عليه هذا الحكم.

وعلى أن تكون بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه وممالكه المذكورة في هذه الهدنة، وهي: أرغون وأعمالها وبلادها: صقلّية وجزيرتها وبلادها وأعمالها، برّبولية وأعمالها وبلادها، جزيرة مالقة، وقوصرة وبلادها وأعمالها، ميورقة ويابسة وبلادها، وأرسويار»

وأعمالها، وما سيفتحه الملك دون حاكم من بلاد أعدائه الفرنج المجاورين له بتلك الأقاليم- آمنين من الملك الأشرف وأولاده، وعساكره وجيوشه، وشوانيه وعمائره، هي ومن فيها من فرسان وخيّالة ورعايا، وأهل بلاده آمنين مطمئنّين على الأنفس والأموال، والحريم والأولاد، في البرّ والبحر، والصّدور والورود.

وعلى أنّ الملك دون حاكم هو وأخواه وصهراه أصدقاء من يصادق الملك الأشرف وأولاده، وأعداء من يعاديهم من سائر الملوك الفرنجية وغير الملوك الفرنجية. وإن قصد الباب برومية، أو ملك من ملوك الفرنج:

متوّجا كان أو غير متوّج، كبيرا كان أو صغيرا، أو من الجنويّة، أو من البنادقة أو من سائر الأجناس على اختلاف الفرنج والرّوم، والبيوت: بيت الإخوة

الديويّة، والاسبتارية، والرّوم، وسائر أجناس النّصارى- مضرّة بلاد الملك الأشرف، بمحاربة أو أذيّة، يمنعهم الملك دون حاكم هو وأخواه وصهراه ويردّونهم، ويعمرون شوانيهم ومراكبهم، ويقصدون بلادهم، ويشغلونهم بنفوسهم عن قصد بلاد الملك الأشرف وموانيه وسواحله وثغوره المذكورة، وغير المذكورة، ويقاتلونهم في البرّ والبحر بشوانيهم وعمائرهم، وفرسانهم وخيّالتهم ورجّالتهم.

وعلى أنّه متى خرج أحد من معاهدي الملك الأشرف من الفرنج عن شروط الهدنة المستقرّة بينه وبينهم، ووقع ما يوجب فسخ الهدنة، لا يعينهم الملك دون حاكم ولا أحد من أخويه ولا صهريه، ولا خيّالتهم، ولا فرسانهم، ولا أهل بلادهم، بخيل ولا خيّالة، ولا سلاح ولا رجّالة، ولا مال ولا نجدة، ولا ميرة، ولا مراكب ولا شواني ولا غير ذلك.

وعلى أنّه متى طلب الباب برومية، وملوك الفرنج، والرّوم، والتّتار، وغيرهم من الملك دون حاكم أو من أخويه أو من صهريه أو من بلادهم، إنجادا، أو معاونة: بخيّالة، أو رجّالة، أو مال، أو مراكب، أو شواني، أو سلاح- لا يوافقهم على شيء من ذلك، لا في سرّ ولا جهر، ولا يعين أحدا منهم ولا يوافقه على ذلك. ومتى اطّلعوا على أنّ أحدا منهم يقصد بلاد الملك الأشرف لمحاربته أو لمضرّته بشيء، يعرّف الملك الأشرف بخبرهم، وبالجهة التي اتّفقوا على قصدها في أقرب وقت، قبل [حركتهم] من بلادهم، ولا يخفيه شيئا من ذلك.

وعلى أنّه متى انكسر مركب من المراكب الإسلاميّة في بلاد الملك دون حاكم، أو بلاد أخويه أو بلاد صهريه، [فعليهم] أن يخفروهم، ويحفظوا

مراكبهم وأموالهم، ويساعدوهم على عمارة مراكبهم، ويجهّزوهم وأموالهم وبضائعهم إلى بلاد الملك الأشرف. وكذلك إذا انكسرت مركب من بلاد دون حاكم، وبلاد أخويه وصهريه، ومعاهديه في بلاد الملك الأشرف، يكون لهم هذا الحكم المذكور أعلاه.

وعلى أنّه متى مات أحد من تجّار المسلمين ومن نصارى بلاد الملك الأشرف، أو ذمّة أهل بلاده، في بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه وأولاده ومعاهديه، لا يعارضوهم في أموالهم ولا في بضائعهم، ويحمل مالهم وموجودهم إلى بلاد الملك الأشرف ليفعل فيه ما يختار.

وكذلك من يموت في بلاد الملك الأشرف من أهل مملكة الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ومعاهديهم، فلهم هذا الحكم المذكور أعلاه.

وعلى أنّه متى عبر على بلاد الملك دون حاكم أو بلاد أخويه أو صهريه أو معاهديه رسل من بلاد الملك الأشرف قاصدين جهة من الجهات القريبة أو البعيدة، صادرين أو واردين، أو رماهم الرّيح في [بلاده]، تكون الرّسل وغلمانهم وأتباعهم، ومن يصل معهم من رسل الملوك أو غيرهم- آمنين محفوظين في الأنفس والأموال، ويجهّزهم إلى بلاد الملك الأشرف.

وعلى أنّ الملك دون حاكم وأخويه وصهريه متى جرى من أحد من بلادهم قضيّة توجب فسخ المهادنة، كان على كلّ من الملك دون حاكم وأخويه وصهريه طلب من يفعل ذلك وفعل الواجب فيه.

وعلى أنّ الملك دون حاكم وأخويه وصهريه يفسح كلّ منهم لأهل بلاده وغيرهم من الفرنج، أنّهم يجلبون إلى الثّغور الإسلامية، الحديد والبياض والخشب وغير ذلك.

وعلى أنّه متى أسر أحد من المسلمين في البرّ أو البحر، من مبدإ تاريخ

هذه المهادنة من سائر البلاد: شرقها وغربها، أقصاها وأدناها، ووصلوا به إلى بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ليبيعوه بها، فيلزم الملك دون حاكم وأخويه وصهريه فكّ أسره وحمله إلى بلاد الملك الأشرف.

وعلى أنّه متى كان بين تجّار المسلمين، وبين تجّار بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه معاملة في بضائعهم، وهم في بلاد الملك الأشرف، كان أمرهم محمولا على موجب الشّرع الشريف.

وعلى أنّه متى ركب أحد من المسلمين في مراكب بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، وحمل بضاعته معهم وعدمت البضاعة، كان على الملك دون حاكم وعلى أخويه وصهريه ردّها إن كانت موجودة، أو قيمتها إن كانت مفقودة.

وعلى أنّه متى هرب أحد من بلاد الملك الأشرف الدّاخلة في هذه المهادنة إلى بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، أو توجّه ببضاعة لغيره وأقام بتلك البلاد، كان على الملك دون حاكم وعلى أخويه وصهريه ردّ الهارب أو المقيم ببضاعة غيره، والمال معه إلى بلاد الملك الأشرف ما دام [المذكور] مسلما؛ وإن تنصّر، يردّ المال الذي معه خاصّة. ولمملكة الملك دون حاكم وأخويه وصهريه فيمن يهرب من بلادهم إلى بلاد الملك الأشرف هذا الحكم المذكور أعلاه.

وعلى أنّه إذا وصل من بلاد الملك دون حاكم وبلاد أخويه وصهريه ومعاهديه من الفرنج من يقصد زيارة القدس الشّريف، وعلى يده كتاب الملك دون حاكم وختمه إلى نائب الملك الأشرف بالقدس الشّريف، يفسح له في الزّيارة مسموحا بالحقّ ليقضي زيارته ويعود إلى بلاده آمنا مطمئنّا في نفسه وماله، رجلا كان أو امرأة، بحيث إن الملك دون حاكم لا يكتب لأحد من أعدائه ولا من أعداء الملك الأشرف في أمر الزيارة بشيء.

وعلى أنّ الملك دون حاكم يحرس جميع بلاد الملك الأشرف هو

وأخواه وصهراه من كل مضرّة، ويجتهد كلّ منهم في أنّ أحدا من أعداء الملك الأشرف لا يصل إلى بلاد الملك الأشرف، ولا ينجدهم على مضرّة بلاد الملك الأشرف ولا رعاياه، وأنه يساعد الملك الأشرف في البرّ والبحر بكلّ ما يشتهيه ويختاره.

وعلى أنّ الحقوق الواجبة على من يصدر ويرد ويتردّد من بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه، إلى ثغري الإسكندريّة ودمياط، والثّغور الإسلامية، والممالك السّلطانية، بسائر أصناف البضائع والمتاجر على اختلافها، تستمرّ على حكم الضرائب المستقرّة في الدّيوان المعمور إلى آخر وقت، ولا يحدث عليهم فيها حادث. وكذلك يجري الحكم على من يتردّد من البلاد السلطانية إلى بلاد الملك دون حاكم وأخويه وصهريه.

تستمرّ هذه المودّة والمصادقة على حكم هذه الشّروط المشروحة أعلاه بين الجهات على الدّوام والاستمرار، وتجري أحكامها وقواعدها على أجمل الاستقرار؛ فإن الممالك بها قد صارت مملكة واحدة وشيئا واحدا؛ لا تنتقض بموت أحد من الجانبين، ولا بعزل وال وتوليه غيره، بل تؤيّد أحكامها، وتدوم أيّامها، وشهورها وأعوامها. وعلى ذلك انتظمت واستقرّت في التاريخ المذكور أعلاه، وهو كذا وكذا، والله الموفّق بكرمه إن شاء الله تعالى.

قلت: وهذه النّسخ الخمس المتقدّمة الذّكر نقلتها من تذكرة محمد بن المكرّم، أحد كتّاب الإنشاء بالدّولة المنصورية «قلاوون» المسّماة:

«تذكرة اللّبيب، ونزهة الأديب» من نسخة بخطّه، ذكر فيها أن النّسخة الأولى منها كتبها بخطّه على مدينة صفد. وليس منها ما هو حسن التّرتيب، رائق الألفاظ، بهج المعاني، بليغ المقاصد، غير النّسخة الأخيرة المعقودة بين

الملك الأشرف وبين الملك دون حاكم. أما سائر النّسخ المتقدّمة فإنها مبتذلة الألفاظ، غير رائقة التّرتيب، لا يصدر مثلها من كاتب عنده أدنى ممارسة لصناعة الكلام. والعجب من صدور ذلك في زمن «الظّاهر بيبرس» و «المنصور قلاوون» وهما من هما من عظماء الملوك!!! وكتابة الإنشاء يومئذ بيد بني عبد الظّاهر الذين هم بيت الفصاحة ورؤوس أرباب البلاغة!!! ولعلّ ذلك إنما وقع، لأن الفرنج كانوا مجاورين للمسلمين يومئذ ببلاد الشّام، فيقع الاتّفاق والتراضي بين الجهتين على فصل فصل، فيكتبه كاتب من كلّ جهة من جهتي المسلمين والفرنج بألفاظ مبتذلة غير رائقة، طلبا للسّرعة، إلى أن ينتهي بهم الحال في الاتّفاق والتراضي، إلى آخر فصول الهدنة، فيكتبها كاتب الملك المسلم على صورة ما جرى في المسودّة، ليطابق ما كتب به كاتب الفرنج؛ إذ لو عدل فيها كاتب السلطان إلى الترتيب، وتحسين الألفاظ وبلاغة التّركيب، لاختلّ الحال فيها عما وافق عليه كاتب الفرنج أوّلا، فينكرونه حينئذ، ويرون أنه غير ما وقع عليه الاتّفاق، لقصورهم في اللّغة العربيّة، فيحتاج الكاتب إلى إبقاء الحال على ما توافق عليه الكاتبان في المسودّة. وبالجملة فإنما ذكرت النّسخ المذكورة- على سخافة لفظها، وعدم انسجام ترتيبها- لا شتمالها على الفصول التي جرى فيها الاتّفاق فيما تقدّم من الزّمان، ليستمدّ منها الكاتب ما لعلّه لا يحضر بباله من مقاصد المهادنات، أغنانا الله تعالى عن الحاجة إليها.

واعلم أنه قد جرت العادة، إنه إذا كتبت الهدنة، كتب قرينها يمين يحلف بها السلطان أو نائبه القائم بعقد الهدنة، على التّوفية بفصولها وشروطها، ويمين يحلف عليها القائم عن الملك الكافر بعقد الهدنة، ممّن يأذن له في عقدها عنه، بكتاب يصدر عنه بذلك، أو تجهّز نسختها إلى الملك الكافر ليحلف عليها، ويكتب خطّه بذلك، وتعاد إلى الأبواب السلطانية.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.