تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

والخصلة الثالثة: الدّيانة بالشّكر

، والإخلاص للمنعم في تصفية الودّ، فإن الدّين قائد المروءة، كما أن المروءة خطام الحميّة. وهذه الخصال وإن تشعّبت في بعض الوجوه، وافترقت في بعض الأماكن، فإنها ترجع إلى نصاب يجمعها، وإلى إناء يحفظها، منه نجمت، وعنه انبثّت، وإليه رجعت. ولاجتماع هذه الخصال على مخالفة الهوى، ومجانبة الهوينى، وعلى اتّهام دواعي الشّهوة، والامتناع من كلب الطّبيعة- وفّق الأوّلون بينها في جملة الاسم، وقارنوا بينها في جمهرة الحكم. ولذلك قال عمر بن الخطّاب ﵁: اعتبر عزمه بحميّته، وحزمه بمتاع بيته.

ومدار جميع الأحوال المحمودة على الصّبر، ولن يتكلّف مرارة الصّبر من يجهل عاقبة الصّبر. وقالوا: لمّا صار ثقل الشّكر لا يحتمل إلا بالصّبر، صار الشّكر من نتاج الصّبر. وكما أنه لا بدّ للحلم- مع كرم الحلم- من الصّبر، فكذلك لا بدّ للشّكر- مع كرم الشّكر- من الصّبر. فالصّبر يجري مع جميع الأفعال المحمودة، كما يجري الهوى مع جميع الأفعال المذمومة.

ولذلك قال رسول الله ﷺ: «خلق الله ﷿ النّار وحفّها بالشّهوات، وخلق الجنّة وحفّها بالمكاره».

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.