من «مرزبان نامه» للمرزبان بن رستم، بترجمة ابن عربشاه (ت ق ٤هـ)
الباب السابع في ذكر العقاب والحجلتين (٢)
ثم لما علمت الأنثى منه التعويل على الذهاب من دون مين وارتياب سلمت ذمام انقيادها إليه وعولت في عمل المصالح عليه ثم قالت عش واسلم وتيقن واعلم أنك إن أردت صحبة الملوك
وأردت في طريق مصاحبتهم السلوك فإنك تحتاج في ذلك المنهاج إلى صفات جميلة وخصائل نبيلة فتتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها وتتجلى في شمائل جمالها الأولى أن تقدم في مصادرك ومواردك مراد الملك على جميع مقاصدك وأن تتلقى أموره بالتعظيم وتقيم أوامره بالاحترام والتفخيم، الثانية تحسن أقواله وتصوب أفعاله وتزين أحواله وتتعامى أوحاله وترده بوجه لا يجلى إلى تشويشه ولا يحتاج فيه إلى تهويشه، الثالثة تجتهد في صيانة عرضك عن وصمة الخنا وإياك أن تقول أنا فإن ذلك يوقع في العنا الرابعة أن يعد الدوام ومرور الأيام خدماتك الوافرة عن حقوق نعمة قاصرة، الخامسة إذا وقعت منك زلة فلا تعد لها جموع القله بل اطلب لتلك الهفوة في الحال محوه واقصد مراحمه وعفوه، فإن الذنوب إذا تراكمت وتجمعت وتراحمت أشبهت المزبلة ففاحت روايحها المنتنة، والشخص غير معصوم والآدمي بالخطأ موسوم السادسة احفظ وجهك في حضرته عن التقطيب وكلامك عن أن يفوح منه غير الطيب، السابعة إياك ومصادقة أعدائه ومصادمة أوليائه الثامنة كلما زادك رفعة وتقريبا مل إلى التواضع تصويبا، التاسعة إذا استعملك في أمر ولو المشي على الجمر فلا تطلب منه أجر ولا تبدي لذلك ذكر فإن الطمع يورث العقوق ويسود وجه الحقوق العاشرة ولا تدخر عنه نصيحة ولو تكون في الخلوة لئلا تؤدي إلى الفضيحة وإياك أن تتعدى القواعد الكسروية وقوانين الملوك الفرسية إن أعظمها أن يعرف كل إنسان تقصير نفسه في خدمة مخدومه وقدر نعمة سيده وهمة ملكه ومقام مرسومه.
قال الذكر: أخبريني يا فخر القواعد بشيء من تلك القواعد قالت الأنثى: من القواعد الكسروية الدائرة بين البرية ما وضعها بعض الملوك وحمل فيها على السلوك وكان ملكا مشهورا
بالعدل والإحسان مذكور بإقامة البرهان متصفا بالصفات الحميدة مكتفيا بالشمائل السعيدة من الدين والعفة والعقول الراجحة المكفه والعلم الوافد والعطاء العاطر، واعلم أن بعض الملوك السالكين في رعيتهم أحسن سلوك أمر في بعض الأيام أن تجتمع الخواص والعوام ما بين وزير وأمير وصغير وكبير وغني وفقير وجليل وحقير وعالم وجاهل ومفضول وفاضل وحاكم وقاض وساخط وراض وجندي وتبع وقريب وبعيد وشقي وسعيد وقاص ودان وعاص ومذكور وخامل وناصر وعامل وصالح وطالح وضاحك وباك ومصيب وخاطئ ومسرع ومتباطي وصياد وملاح وشياح ومناح وبلدي وفلاح ومسلك وسالك ومملوك ومالك، بحيث أن لا يتخلف عن الحضور أحد ولا يجري في التقاعد ولد عن ولد ومهد لهم في روض أريض ومرج عريض تتدفق مياه أنهاره وتتباهى بالتسبيح فصحاء أطياره وتلتذ بفواكه جنانه ثماره كما قيل:
يلتذ جاني بأنعم مقطفوساكنه يحظى بأنعم معطف
والورق بين محلق في جوهطيرا ومنحط عليه برفرف
وأمر أن يفرش ذلك المكان بالفرش الحسان من الديباج والحرير وأطلق مجامر الند والعبير وبين من المقامات في هذه الأوقات الطيبات مقاما معلوما وقسم له مجلسا مقسوما وأحله محله وبسط عليه ظله ثم أمر بأنوع الأطعمة المفتخرة وأصناف الألوان الطيبة العطرة فأحضر في أواني الفضة والنضار ووضع بين يدي أولئك الحضار بحيث غمرت الجميع ووسعت الشريف والوضيع وجلس الملك في مسند السلطنة واكتنفه الميسرة والميمنة وأخذ كل منهم مكانه ورتب أصحابه وأعوانه ثم أقام عليهم أرباب الديون وأدخل جميعهم في دفاتر الحسان والإيوان وافر مناديا فشدا وأشهر الندا
وأعلن في ذلك الجميع بحيث تلقاه الجميع بالبصر والسمع، فقال يا أهل المكان برز مرسوم السلطان أن كل من كان في مرتبة مرضاة أو متعبة لا يلاحظ من هو فوقه ولو أنه أمير أو سوقه بل يراقب من هو دونه فائزة كانت منزلته أو معونه فإن ذلك أجمع للقلوب وأدعى للشكر المطلوب واجلب للرضا بحوادث القضا فإن من رأى نفسه في مقام ورأى غيره في أدنى من ذلك المقام استقام واستعظم منزلته عليه وعد أن لنفسه على غيره مزية لديه فتوطنت نفسه على الرضا واشتغلت بالشكر لوارد القضا مثل الراقي إلى منزلة الصدر إذا رأى من هو دونه في القدر لم يشك في أن محله محل البدر والباقي حواليه كالنجوم فلا يأخذه لنفسه وجوم، كذلك الغائب بالنسبة إلى الحاجب والدوا يدار بالنسبة إلى البزدار والخازندار بالنسبة إلى جابي الدينار والمهتار بالنسبة إلى السايس وللسايس والمارقدار وكذا السايس بالنسبة إلى الحارس وكاتب السر المرتفع بالنسبة إلى كاتب الدعاوى الموقع وكاتب الزمام بالنسبة إلى الخدام وكذا القاضي مع الفقيه والفقيه مع التاجر النبيه والتاجر مع العامي السفيه والغني والأمير بالنسبة إلى حال المآمير والفقير مع المأمور والناصر مع المنصور. وعلى هذا القياس أرباب الصنائع وجلاب البضائع وأهل المدن والقرى والبيع والشرا والألازر ذوي الوضاعة والشرف من أنواع المكتبات والحرف إلى أن ينزلوا في المراتب ويتدرجوا من البقاع إلى الحضيض في المناصب ويتفاوتوا في المعاتب والمناقب فيصل نظرهم في ذلك إلى كل ذي فعل سيء وحالك كأرباب العظائم وأصحاب الذنوب والجرائم فينظر المعتوب حاله بالنسبة إلى المضروب والصحيح بالنسبة إلى المكلوم والمشرم بالنسبة إلى المسموم والصحيح بالنسبة إلى جريح ويلاحظ مضروب العصا حال مسلوخ المقارع والمسلوخ حال مقطوع
الأكارع وكذا المقطوع بالنسبة إلى المصلوب على الجذوع. ولتكن هذه القواعد مستمرة العوائد ليعلم أن مصائب قوم عند قوم فوائد وليعلموا أن الملك الجليل على الرعية من أشرف خليل فإن الله يوكله وعن ما يحكمه بسهله فهو كما قيل:
قسمت يداه عفوه وعقابهقسمين ذاوبلا وذاك وبيلا
ثم إن هذه القواعد المتضمنة للفوائد استمرت مستعملة غير ملقاة ولا مهملة من زمان ذلك السلطان وإلى هذا الأوان. وإنما أوردت هذه المثلة وأطلت النفس في شأن هذه الأحوال لتأخذ منها حظك وتكرره وتعيه وتودعه حفظك وتجري بها ليلا ونهارا لفظك حتى تصلح لمنادمة الملك ولا يعلق بذيل مكانتك من هو من حساد مرتبتك وترضى بأي مقام أقامك فيه وتعلم أنه أعلى مقام يرتضيه.
قال الذكر: لقد أوضحت إذ نصحت وزينت بما بينت فجزاك الله خيرا وكفاك ضيرا فحقيق علي أن أقتدي بآثارك وأهتدي بأنوارك فما أرجح ميزانه برهانه وأعز حسنه وإحسانه لقد جمعت من فصاحة النقل ورجاحة العقل ومزجت روح اللطافة ببذل الطرافة وجلوت صورة النصيحة في خلوة اللطافة ثم إنهما تهيئا للذهاب وتوكلا على العزيز الوهاب وتوجها قاصدين حضرة العقاب فأوصلا السير بالسرى واستبدلا النوم
بالسهر المستمر لوم يزالا في سير مكد وسهر مجد ما بين مازح وماجن إلى أن وصلا إلى جبل قارن فوصلا وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب يسمى يؤيؤ وهو أحسن منظرا من اللؤلؤ صورته مسعودة وسيرته محمودة وبين الطير مشكور الأحوال مشهور الخير والدلال وفيه من المعرفة والدين والعقل الرزين والرأي المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين وعنده من الوقوف على دقائق الأمور ما فاق به الجمهور وسار به على جميع الطيور وكان صيته قد اشتهر حتى مل البدو والحضر فنزل الذكر في مكان ليعرض عليه ما عن له من شأن فوصل إلى جنابه وأتى بيت مقصده من بابه فحين دخل عليه قبل الأرض بين يديه وتمثل لديه فاقبل اليؤيؤ عليه وأشار بتقريبه إليه وأزال الدهشة والوحشة عن حضرته وأقبل عليه بكليته وزاد في إكرامه وتحيته وسلامه وسأله عن محتده وجرثومه وما سبب سفره وقدومه ومن أين شد ركابه وما قصده وطلابه فأجابه:
لقد قص ريشي الدهر عن كل مطلبوألهمني بأنك راشي
ففي سمري مد كهجرك مفرطوفي قصتي طول كصدرك فاشي
ثم إعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس أن مولدي في مكان من جبال الإيمان يضاهي الحنان ومن كثرة الروح والريحان يباهي روضة رضوان أنزه من عصر الشباب وافكه من معاقدة الأتراب ومنادمة الأحباب على رفيق الشراب، نشأت فيه مع قرينة جميلة صبية أمينة فقضيت فيه عمري ورجوت فيه بقية دهري قانعا بما تيسر من الرزق فارغا عن الاشتغال بما في أيدي الخلق متمسكا بذيل العزلة أعد الانفراد نعمة ذاكرا قول من بالتدريس اشتغل ومن بحار العلوم أغترف وتكمل ثلاثة تحسم: العقل والنفس الزوجة
الجميلة والأخ المؤانس والاكتفاء من الرزق فكنت قصرت على هذه الثلاثة دهري وقضيت بها غالب عمري ولكن كان مأوانا وصيفنا وشتانا على الحوادث وممرا لكل عابث ومعبرا لمصايد الصيد وموردا لمواطئ عمرو وزيد وكنا كلما ولدنا مولود وتجدد لنا بالبهجة عهود وحصل للعين قرة وللقلب مسرة فنقول هذا يبقى ذكرنا بعدنا ويحيي آثارنا عند حلولنا لحدنا. فلم يكن أسرع من هجوم خاطفة أو هبوب ريح عاصفة فيخطفه من بيننا ويجذبه قسراً من قلبنا وعيننا فإن سلم من تلك المصايد وتخلص من سهم المكايد حطمت عساكر الملك كل سنة فلا يخلو منها موطئ قدم من تلك الأمكنة فتذهب منا قرة العين وتتهشم غلظاً تحت الرجلين وهذا البلاء التام والكرب العام ولابد منه في كل عام فكان أيها المخدوم في شأننا موجب الهموم وأنشد:
يا ابن آدم لا يغررك عافيةعليك شاملة فالعمر معدود
وما أنت إلا كزرع عند حضرتهبكل شيء من الآفات مقصود
فإن سلمت من الآفات أجمعهافأنت عند كمال الأمر محصود
فضاق مني لهذا العطن فلم أر أوفق من فراق الوطن فعرضت على الزوجة هذا الحال وأشرت عليها بالارتحال فأبت لا من حيث يولد ونفرت وعصت فقلت لها: المرء من حيث يوجد لا من حيث يولد فما زلنا نتحاور ونتراءى ونتشاور ويرمي كل منا سهم آرائه عن قوس فكره ومرائه حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن سلم ما في الحسبة ثم أعطت القوس باريها وأدركت من مقاصدي معانيها وسمحت غصباً بالانتقال من تلك البلاد وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد فرحلنا من شقة بعيدة وقاسينا مشقة شديدة وقصدنا هذا الحرم إذ رأيناه مسملاً على اللطف والكرم وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من إشراك كل صايد وفطمنا أنفسنا عن شباك
الطمع وتجرعنا من كاسات المخاوف جرعاً بعد جرع فوصلنا بحمد الله تعالى إلى جنابك الأمين وبشرنا مبشر الإقبال أنك لنا بكل خير ضمين فحمدنا السرى وأنشدنا الشعرا مبشراً ونعم البشارة والتصريح والإشارة وأنشد:
وجدنا من الدنيا كريماً نؤمهلدفع ملم أو لنيل جزيل
وإن لم تكن بيننا سوابق خدمة لكن تعارف أرواحنا له قدمه من أن ذاتك الجميلة وما جبلت عليه من صفات نبيلة تغني قاصد صدقاتك عن واسطة جميلة وأني لواثق بإسدائك المعاريف الجليلة وأن ظني بوفاء مكارمك يا خير من له في ملك صادق فاسأل إحسانك يا ذا الخير إيصالي إلى خير من ملك ملك الطير وإن كانت رفعته مكانه في العيوق ودون الوصول إليه بيض النوق لكن بواسطة الوسيلة يحصل الشرف والفضيلة ولا زالت الأكابر تأخذ بيد الغرباء الأصاغر ولربك العلو والشرف والسمو والعطف والحنو. فاهتز اليؤيؤ بهذا الكلام وارتاح وظهر في وجهه تأثير المسرة والارتياح وأنشد يقول بلسان ذلول:
قدمت بأنواع المسرة والهناعلى خير منزول وأيمن طائر
فأهلاً وسهلاً ثم أهلاً ومرحباًوبشراً ويسراً بالعلا والبصائر
أعلم أن قدومك قدوم صدق ومرافقتك سبب للرفق ورؤيتك فتح باب الفتوح ونظرتك غذاء للقلب والروح أبشرا بكما تؤمل وتختار ذهب العثار وجاء الأمن واليسار والبشر والاستبشار وأصبت مرامك وأرحت مقامك وآنست منزلك ونلت مأملك فطيب خاطرك وبشر أهلك وعشائرك وأخبر غائبك وحاضرك، لقد قادك الرأي السديد والأمر الرشيد والفأل السعيد إلى أن لوبت إلى ركن شديد ملك عظيم خلقه كريم وفضله جسيم وجوده عظيم
ونظيره عديم وبرعيته رؤوف رحيم لا يخيب قاصده ولا يرد سائله ولا يقطع واصله ولا يمنع حاصله لقد أنبتت مساعيك أزهار الأمن والأمان وتفتحت لورودك في رياض السعادة عيون النرجس وشقائق النعمان. أعلم أن هذا الملك ذو جناب عالٍ عزيز المثال جامع لصفتي الجمال والجلال وإن كان مأواه في رؤوس الجبال وطبعه لا يخلو من جسارة وقلبه لا يخلو من قساوة وغذاؤه من اللحوم والحيوانات مشربه والمطعوم، لكن إذا التجأ إليه فقير أو آوى إليه ضعيف أو كسير أو قصده مضطر أو محتاج أو سلك إلى باب مرضاته منهاج فلا يكون ألطف منه ولا أشفق ولا أقرب من عطفه على مؤمله ولا أرفق كما قيل:
بيض القطا بحضينه هو أجدرمخاليبه كالأسد إذ كن مسنه
منقاره ينسل سل السيوف على كل من خادعته
يسل ممطرها على أعدائه وعلى الآذنين حلو كالعسل وسبب ذلك أن ضميره المنير خالٍ عن المكر والتزوير لا يعرف حيلاً ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ولا كذباً ولا قطيعة ولا في خاطره فساد ولا في ضميره سوء اعتقاده ولا يعرف غير الحق ولا يقول غير الصدق، وذلك لبعده عن مخالطة الناس وعزلته عن كل ذي وسواس خناس. فقد اتفق العالم على أن صحبة بني آدم سم قاتل وهم هائل فإن دأبهم المكر والتلبيس والخداع والتلبيس وحسبك قول شاعرهم في شرح ضمائرهم وبيان أحوال سرهم وسرائرهم:
بنو آدم إن رمت من خيرهم طناًفأحلى الذي تجنيه عن وصلهم صبر
مكارمهم مكر ورؤيتهم رياوودهم مود وجبرهم كسر
وقال غيره:
خذ عن الناس جانباًكي يظنوك راهبا
قلب الناس كيف شئتتجدهم عقاربا
وإن كان فيهم صالح أفسدوه وإلى سبيل الضلال أرشدوه والكلام في هذا المقام الزال يكاد أن يبلغ حد الضلال فيكتفي بالقليل عن الجليل وشمس النهار لا تحتاج إلى دليل فانهض الآن فقد آن التوجه إلى السلطان فما كان زمان يحصل فيه هذا الإمكان فإن الاجتماع به في كل وقت مشكل فتتوكل على الله بأحسن متوكل فإذا دخلت عليه وتمثلت بين يديه فاعرف كيف تقف وانظر يا ذا الكمال ماذا يناسب الحال ويقتضيه المقام من فعل وكمال وكلام فاسلك طريقته وراعي مزاجه وحقيقته وادخل معه من ذلك الباب ومثلك لا يدل على صواب فما أسرع لطف الملوك من العنف وأقرب مباعدهم إذا استعطفوا من العطف وأصحبهم باللطف والأمانة وحدة الفهم والفطانة ويكفيك يا ذا العقل المتين ما قيل في شأن الملوك والسلاطين من شعر:
إن الملوك بلاء أينما حلوافلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمل من قوم إذا غضبواجاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا
وإن مدحتهم ظنوك تخدعهمواستثقلوك كما يستثقل الكل
فاستغن بالله عن أبوابهم كرماإن الوقوف على أبوابهم ذل
وقال سيد الأنام طراً جاوره ملكاً أو بحراً فإن رضوا رفعوا فوق الأفلاك وإن غضبوا والعياذ بالله تعالى فهو الهلاك، وأعلم أن هذا الملك له شمائل وصفات وخصائل يستدل بظاهرها على باطنها ويستدل بظهورها على حركات كامنها فإياك أن تغفل عن مراقبها وتهمل مآل عواقبها بل اجعل شواهدها نصب عينيك وتقرب من جنبك بجناحيك فإذا رأيته قد رجع من الاصطياد وقد ظفر منه بالمراد وقد اقتنصه وحصله وملأ منه الحوصلة وسكنت منه بواعث الشره التي هي في صفحات نيران البطش مؤثره حتى نراه جلس
في مجالس السرور السارة وبسط جبهته للكرام جناح الحبور والبشارة وضم عن مطامح الحرص القوادم والخوافي وطلب من رؤوس المملكة الأنيس الصافي والجليس الوافي ودعا من الأطياب البلبل والهزار وكل من رقص بدفوف الأزهار وصفق من ذوي عود وطار فاستمع لهذا وباسط ذاك وطفق جلساؤه ما بين صميت وحاكٍ فتلك أوقات النشاط وساعات الفرح والانبساط فاعمل فيها ما بدا لك واطنب مقالك وكرر جوابك وسؤالك واهدر في بغبغتك وسجع في نعنعتك والعب بإبطيك وصفق بجناحيك، فإن السعد ناظر إليك والوقت لك لا عليك. وإذا رأيته جالساً صامتاً وإلى الأرض باهتاً أو محمرة عيونه أو مضطرباً سكونه أو أفعاله على غير استوا أو أقواله دائرة مع الهوا فإياك والدخول عليه والوقوف بين يديه فإنه إذ ذاك يجعل ريان جسمك من روحك بلاقع ولو أنك النسر الطائر أو الواقع فتصير في مخالب البلا واقع من عير شك ولا دافع، وعلى كل حال فليكن عندك لكل مقام من هذه المقامات أبواب الكلام واقفله ولا تفتح فكثيراً ما يخلص الساكت من الورطات وأفلح كما قيل:
فإن لم تصب في القول فاسكت فإنماسكوتك عن هذا الصواب صواب
قال الفصيح وقد أمن شر القبيح جزى الله مولانا عن صدقاته أوفر صلاته وأوصل عليه فوائد الإحسان في عشيته وغلاته فما أشمل إحساناته وأسعد حركاته وسكناته وأوفى شفقته على قاصدي عتباته وهل هذا يطلب دليله كيف لا يوصل إلى الخير سبيله ويرجع حصول المرام مبيته ومقيله؟ ثم إن اليؤيؤ قطع ذلك
العتاب وتوجه إلى حضرة العقاب ثم رجع على الفور ووجهه يلمع بالنور ودعا اليعثوب وتوجه وهو محسوب وشرعا في السير إلى خدمة ملك الطير فصعدا في جبل يساوي في المثل قبة الفلك أو مركز الحمل يستمد السحاب من ماء واديه وتسبح سبحات المياه من وفي بحر ناديه يغرق جبين الوهن في صعود عقباته ويقصر سلم الهوى عن الوصول إلى أدنى درجاته، فلم يزالا يسيران وفي الجو يطيران حتى بلغا مقام الإمام الحجل واليؤيؤ واقف مواقف الخجل ينشد هذا الكلام ويتغنى بحسنه في مدح الهمام:
لكل أعلى إمام أسرة تقتدى بهوأنت لأهل المكرمات إمام
فوصلا من تلك المدارج إلى أعلى المراقي والمعارج وترقيا في تلك المسالك عن دركات المهالك حتى انتهيا إلى أوج ربا الشمس في حضيضه وتركا دور الدراري في قعر مغيضه فدخلا رياضاً تلونت ومروجاً بأزهارها تحسنت وأرضاً قال لها صانع القدرة تكوني كأخلاق الكرام العطرة، فطينتها من المسك والزعفران تكونت وأخذت الأرض زخرفها وأزينت وابتهج رضوانها برضوان خازن الجنان ثم إلى جدار سلطنة العقاب بعد مقاسات عقاب العقاب فوجد السلطان الطير جالساً على السرير وقد اكتنفه من الطير كل كبير وصغير وأنواع الجوارح في الحلقات والطير في الجو صافات كل يفدي الملك ويقدم جسده وروحه ويسبح من أعطاه الملك وكل قد علم صلاته وتسبيحه ﷻ وتعالى سبحانه، فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضرة فقبل الأرض بين يدي السلطان ووقف في مكانه وقال شخص يليق في خدمة الملوك عارف بطرائق السلوك واقف بالباب يروم تقبيل الأعتاب طالب الدستور والإنعام بالحضور ليشمله النظر الشريف ويغنم بحظ
وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل كالدولة والإقبال لنعمته فعطف بالقبول وأذن له بالقول وسمح له بالمسؤول وبلوغ المأمول فتوجه اليؤيؤ على عجل إلى دعوة الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة متعثر وعليه الحلة الكافورية تحت الخلعة السابورية كأنه شيخ الصوفية أو طائفة السادة الشاذلية ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بها وما وقف:
ولو أن يعفور أو كسرى وتبعاًرأوك لخروا بين أيديك سجدا
وما إن وفوا حقاً لديك وإنماعلى قدر ما في الوسع مد الفتى يدا
فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ ونادى الحجل يريد إزالة الدهشة عنه والخجل وطلب المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب والأديب الخطيب دع وهتمك وأزل وحشتك وأفصح بكلامك عن بيان مقامك فعبارتك عقيلة العقل وواسطة عقود النقل، فإن كان عندك نصيحة تصلح للملوك أو وصية ترشد أرباب السلوك يبين العدل من نورها طرائفه ويزين الفعل في مجاريها حقائقه وتستقيم به الأمور ويستفيد منها الجمهور، فقد أوفت تشنيف المسامع بجواهره ونثر درها على بادي الحاضرين وحاضره فإن المجال قابل وعنق الإصغاء إلى الاستماع لنصايحك مائل ومجال الحكم لذلك واسع ومحل الكريم الشريف معط بلا مانع أوان كنت وقفت على مظلمة أو تريد كشف مأثمه أو رفع بلوى أو بث شكوى أو حاجة في نفسك أو شيئاً قاسيته في يومك وأمسك فقل ولا تقف وأقبل ولا تخف فالقلوب عاطفة عليك والعيون ناظرة إليك.
فقال الحجل: الحمد لله الذي أبرأ جراحنا وأحيى بعد التلف أرواحنا قد كنا في بيداء الحيرة والهلاك وظلماء الخوف والضرر في
إنهماك ومرت علينا سنون ونحن في بحار الخسارة والغبون وطالما كادت نيران الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الأعتاب الشريفة الفواد تزدحم إلى أن انتشر في كل مكان أخبار عدلها وقد ظهر على كل لسان تكرار فضلها واشتهر لكل حيوان آثار مكارمها ونيلها فصارت أماناً لكل مخوف وملجأ لكل ملهوف، لكن كانت عوادي الدهر تقرع تلك الدواعي وحوادث الزمان تعترض من دونها تلك المساعي تارة باكتناف المخاوف وطوراً باختطاف الخواطف وحيناً بضعف المباني وأواناً ببعد المعاون المعاني. وأما الآن فقد زالت المهالك والمهاوي واسترحنا في ظل جناح هذا الملك العظيم من ضرر المسالك والمساوئ واضمحل الخلل والعلل إذ قد حللنا بعفوه شريعة وسدة منيعة وأمناً شر المكايد وتركنا المصايد وتوسدنا فراش الدعاء على أسرتها المرتفعة واستظللنا جناح الأمن والسعة فقد قيل عدل السلطان خير من الجود والامتنان والسلطان الفاضل كالأب الشفيق والولد الرفيق والأخ الصديق والزاهد الصديق يحفظ الرعية من برد الماء وحر النار كما يحرس الوالد ولده من هبوب الهوا وشم الغبار، أنشد يقول:
نزلنا في ذر ملك كريميرانا مثل أولاد الكرام
أضل نوائب الأيام عنهفلم ترنا ولا وقت المنام
ولا مطر السماء يصيب مناكأن مقامنا فوق الغمام
فقال الملك: أهلاً بك وسهلاً وناقة ورحلاً لقد حللت بساحة الاستراحة ومتاخمة للأمن هي مباحة ووجهه لبس بها الصائد وشاحه ولا لحي صحيحاً فضلاً عن مصاب الجراحة وتخلصت من حواسر الكواسر ومخاليب النواسك والنوائر وتزلت بوادي الخبر ونادي ملك الطير فأكرمت نزلك فاذهب بسلام وآت بثقلك وتخير مكاناً تختار وجاراً أحسن الجوار. فقال أيها الملك السعيد: أنا
شخص غريب فريد محتاج فقير لا إبريق ولا حصير أنشد يقول:
من رآني فقد رأى عش بيتيأنا ذلك البيت أتيت كما أنا
وقال أيضاً:
أنا لولا الحياء وخوف العارلم أكن في النوم إلا عاري
من رآني فقد رآني وبيتيودثاري ومركبي وشعاري
غير أن لي قرينة حقيرة وهي مثلي فقيرة مسكينة صابرة على السراء والضراء قضينا مقاماً مضرة من صباح ومساءً لم يترك لنا عقار الحوادث داراً ولا يد العوايق عقالاص ولا عقاراً ولا مخلب العوابث ولداً ولا قراراً ولا ناب الكوارث جاراً ولا جواراً، والويل كل الويل لمن كان مستقره من طوارق الدهر على طريق النيل ولما طال الكلام في ريت وريت وقضايا كيت وكيت ولم يبق في البيت سوى البيت وبلغ سيل العمر الربا وحزام الهم الصبا وما حال من رأى أولاده كبدة تتقطع وتعضعض ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخالب الجوارح تتبعض ولا يد للرافعة تمتد ولا نهضة للمانعة تشتد سوى ما ينشد الحال ولسان المقال وقد قال:
#كفى حزناً أني أرى من أحبه=رهين الردى يرنو إليّ بطرفه
أود بمالي لو يفدى ومهجتي=ولكن يد التقدير غلت لحتفه
فتركنا تلك الديار للأضرار وعلى ساحتك الشريفة وقع الاختيار فنظرنا إلى التحويل بين الساعات واخترنا للرحيل أحسن الأوقات ثم لما ضمتنا المها والقفار وأسرى بنا الليل والنهار فكم زغنا عن أبي الحصين ولاقينا من الكرب والبلا ما لاقى بكربلا الحسين وكم نجانا من بني زهار إلى كهف واجم وغار واحترزنا من قنافذ وحيات ذوات سم نافذ ونفرنا من أفاعي إشراك وحدنا عن أوهان شباك واخترنا الجوع وعدم الهجوع على الحب المبذور لاصطياد الطيور
كل ذلك والسعد قائدنا والفلاح رائدنا واليمن دليلنا وفي ظلال عدلك مبيتنا ومقيلنا حتى حللنا بدار الآمال ونزلنا بحرم مولانا السلطان فنادانا فضل خالق الورى لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى الغيا عصي التيار فقد أمنتما الدمار والبوار إذ نزلتما بجوار خير جار فتركت القريبة الغريبة في ذروة حصينة مهيبة وأقمت بجنانك الشريفة ومقامك المنيف مقراً عظيماً وجناباً كريماً ومجلساً عالياً وباباً سامياً فنوديت ونوجيت، وأنشد يقول:
هذا هو الملك الذي من يأتهيعطي المخوف أمانة لزمانه
رب الورى إحسانه فكأنماأرزاقه كتبت على إحسانه
ثم إنه نهض من مكانه وقتل الأرض بين يدي سلطانه وتوجه فائزاً بأمنية حتى وصل إلى خليلته فأخبرها بما جرى بتخبير المشترى وكيف تلقى مقدمه اليؤيؤ والملك وكيف به إلى الملك سلك وكيف كان خطابه وعلى صورة حسنة جوابه فسر صدرها وانشرح وطارت بهذه البشارة من الفرح ثم توجها إلى حضرة السلطان وحصل لهما من الأنعام والانتساب والإحسان ما نسيا به الأوطان وسلكا في خدمة الملك مع جماعة السنة وخوطب الحجل اليعقوب أسكن أنت وزوجك الجنة. فلما استقر بهما الدار وتبدل الانكسار بالانجبار وأضيف عليهما من الصدقات والإدرارات والنفقات ما لم يخطر ببالهما ولا مر على خيالهما وحصل لهما الأمن والأمان والسلامة والإطمئنان فاستقرت خواطرهما وسرت سرائرهما، لازم الحجل الخدمة على الوجه الأحسن قائماً بمواجب العبودية مهما أمكن متميزاً على سائر الخدم والتابعين عند الملك في الخدمة والحزم ناشراً ألوية النصيحة ناثراً للجواهر بالأثنية الفصيحة والعبارات المليحة والإشارات الصبيحة على ممر الأيام وسائر الشهور
والأعوام ثم ختم الكلام في هذا المقام بأعظم ختام ولله الملك العلام الحمد على التمام والشكر على الأنعام وعلى رسوله أفضل الصلاة والسلام وآله السادة الكرام وأصحابه السادة الأعلام ما فاح مسك الختام بهذا المقام.
فراغ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع