من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
والدارات (٢)
قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: البركة عشر بركات، في مصر تسع بركات وفي الأرضين بركة واحدة. والشرّ عشرة أجزاء، بمصر جزء واحد، وفي الأرض كلّها تسعة أجزاء وأما معنى قولهم: عمر مصّر الأمصار فإنه لم يحدث إلّا البصرة والكوفة، وقد تفعل العرب هذا فتسمّي الاثنين باسم الجميع، وقال الحسن: مصّر عمر سبعة أمصار: المدينة، والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر. وقال أبو الخطّاب: لم يذكر الله جلّ وعزّ شيئا من البلدان باسمه في القرآن ما ذكر مصر حين قال: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ
وقال ﷿: اهْبِطُوا مِصْراً
، وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
وكنّاها فقال ﷿: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ
وسمّاها الله ﷿ الأرض فقال: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها
الآية وسمّى الله جلّ وعزّ ملكها العزيز فقال: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ
وقال:
يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً
وأخبرني شيخ من آل أبي طالب قال: رأيت بمنف من كور مصر دار فرعون، ودرت في مجالسه، ومشارفه وغرفه وصفافه فإذا كلّه حجر واحد منقور، فإن كانوا لا حكوا بينه حتى صار في الملامسة لا يستبين فيه مجمع حجرين، ولا ملتقى صخرتين، فهذا عجب، وإن كان حجرا واحدا فنقرته الرجال بالمناقير حتى تخرّقت فيه تلك المخارق إن هذا لأعجب، والنيل قد سمّاه الله بحرا قال الله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ
واليمّ هاهنا النيل، وهي ذات عيون سفّاحة.
ومن مفاخر أهل مصر مارية القبطيّة أمّ إبراهيم بن رسول الله ﷺ، وتزوّج خمس عشرة امرأة، وتوفيّ ﷺ عن تسع، وحرّم الله جلّ وعزّ مارية على الرجال بعد أن ولدت إبراهيم من بعد وفاة النبيّ ﵇ كما حرّم سائر نسائه. من مفاخر مصر هاجر أمّ إسماعيل ﷺ الصادق الوعد.
وقال النبيّ ﷺ: «إذا استفتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإني لهم صهر».
وقالوا: لو عاش إبراهيم ما ملكت قبطيّة أبدا. قالوا: وأرض مصر محدودة في الكتاب. إنها مسيرة أربعين ليلة في مثلها، وأرض السودان مسيرة سبع سنين، فما فضل عنهم من مائها صار
إلى مصر، وأرض مصر جزء من ستّين جزءا من أرض السودان، وأرض السودان جزء من ستّين جزءا من الأرض.
ومن مفاخر مصر وسكّانها من القبط مؤمن آل فرعون، والسحرة وأصحاب التوبة النصوح، وهاجر، وآسية، وأمّ إبراهيم، وفي نسائهم ملح وهن يشبهن في الحظوة البربريّات، والقبط أحذق في الكمانكيّة واللعب من السند، ومع القبط خفّة عجيبة.
وبمصر جبل المقطّم، ويروى عن كعب أنه قال: جبل مصر مقدّس من القصير إلى اليحموم، وسأل كعب رجلا يريد مصر فقال: أهد لي تربة من سفح مقطّمها، فأتاه بجراب، فلمّا توفّي أمر به ففرش تحت جنبه في قبره. وقالوا: جبل الزمرّد من جبال البجة موصول بالمقطّم، والمقطّم جبل مصر. وقال ابن لهيعة:
سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطّم كلّه بسبعين ألف دينار، فكتب عمرو إلى عمر فقال عمر: سله لم أعطانا بها وهي لا تستنبط، ولا تزرع فقال: إني أجد في الكتب أن فيه غرس الجنّة، فأعلم عمرو عمر ذلك فكتب إليه:
إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلّا للمؤمنين، فاقبر فيه من مات من المسلمين، ولا تبعه بشيء، فكان أوّل من قبر فيه رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل عمرت.
ومدينة فسطاط: هي مدينة مصر سمّيت بذلك لأن عمرو بن العاص ضرب فسطاطه بذلك المكان بباب أليون، وسويقة وردان بمصر، وبمصر حائط العجوز على شاطئ النيل، بنته عجوز كانت في أوّل الدهر ذات مال، وكان لها ابن وكان واحدها فقتله السبع فقالت: لأمنعنّ السباع أن ترد النيل، فبنت ذلك الحائط حتى لا تصل السباع إلى النيل، ويقال: إن ذلك الحائط كان طلسما وكان فيه تماثيل، كلّ إقليم على هيئتهم وزيّهم، والدوابّ والسلاح، وكلّ أمّة مصوّرة في طرقها التي تجيء منها، فإذا أراد أهل إقليم غزو مصر وانتهوا إلى تلك الصور انصرفوا، ويقال: بني ذلك ليكون حاجزا بين أهل الصعيد والنوبة، لأنهم كانوا يغيرون على
أهل الصعيد ولا يستعرفون، فبني ذلك من أهل النوبة. وقيل أمر بعض الملوك أفلاطون فبني بناحية مصر ممّا يلي البرّ حائطا طوله ثلاثون فرسخا ما بين الفرما إلى أسوان حاجزا بينهم وبين الحبشة.
وبالفسطاط صورة امرأة من حجر عظيمة قاعدة، على رأسها إجّانة وعلى كلّ واحدة من ركبتيها درجة إلى غرفة، تسمّى أمّ يزيد الخولانيّة.
وقالوا: البطّ ترعى بمصر كما ترعى الغنم، وبها الثعابين وليس هي في بلد غيرها، وإليها حوّل الله عصا موسى، قال الله ﷿: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
يعني أنه حوّلها ثعبانا. ومن أعاجيب مصر النمس، وليس ذلك لأحد غيرهم، وهي من عجائب الدنيا، وذلك أنها دويبّة متحرّكة كأنها قديرة، فإذا رأت الثعبان دنت منه، فينطوي الثعبان عليها يريد أن يعضّها ويأكلها، فتزفر زفرة تقدّ الثعبان بقطعتين، وربّما قطعته قطعا، ولولا النمس لأكلت الثعابين أهل مصر، وهي هناك أنفع لأهلها من القنافذ لأهل سجستان، وسجستان بلد كثير الأفاعي وفي شروطهم أن لا يقتل لهم قنفذ ولا يصاد. وبمصر أعجوبة أخرى وهي التمساح، لا يكون إلّا في النيل، ويكون في نهر السند مهران، فإذا عضّ أوغل أسنانه واختلفت، فلم يدع ما أخذه حتى يقطع بأسنانه ما قبض من شيء، وحنكه الأعلى يتحرّك ولا يتحرّك الأسفل، وليس ذلك في غيره من الدوابّ، ولا يعمل الحديد في جلده، وما بين رأسه وذنبه عظم واحد، وليس يلتوي ولا ينقبض لأنه ليس في ظهره خرز، وإذا انقلب لم يستطع أن يتحرّك، وإذا سفد الذكر الأنثى خرج من النيل فيلقيها على ظهرها ثم يأتيها مثل ما يفعل الرجل بالمرأة، فإذا فرغ أقلبها، وإن أقرّها على ظهرها صيدت، لأنها لا تقدر أن تنقلب، وذنب التمساح حاد جدا، فربّما قتل من الضربة، وربّما جرّ الثور إلى نفسه فيأكله، وله بيض مثل بيض الأوزّ، ويبيض ستّين بيضة، وله ستّون فإذا سفد ففي ستّين مرّة، فإذا خرج التمساح من بيضة خرج مثل الحرذون في خلقه وجسمه، فيعظم حتى يكون عشرة أذرع أو
أكثر، وهو يزيد كلّما عاش، وإن أخذ من جانب حنكه الأيمن، أوّل سنّ في الحنك وعلّق على من به حمّى نافض تركته من ساعته، وربّما دخل اللحم في خلال أسنانه فيفتح فاه، وله صديق من الطير يشبّه بالطيطوى، يجيئه حتى يسقط على شدقه فيخلّل بمنقاره ذلك اللحم، فيكون ذلك طعاما للطير، وترفيها للتمساح لأنه ينقّى ما في أسنانه من اللحم ويحرسه هذا الطائر ما دام ينقّى أسنانه فإن رأى صيّادا أو إنسانا يريده. أو ابن عرس فإنه عدوّه أعلمه ذلك وذلك إن ابن عرس يجيء إلى التمساح وهو نائم ويحبّ النوم على شطّ النهر فيستحمّ في الماء ويتمرّغ في الطين ثم ينتفض حتى يقوم شعره في فم التمساح فيقتله قتلا عنيفا أو يأكل ما في جوفه فلذلك الطير يحرس التمساح وإذا رأى ابن عرس مقبلا أنبه التمساح وآذنه فيهرب التمساح إلى الماء وليس هذا بأعجب من الخلد وهي دابّة عمياء فتخرج من جحرها فتفتح فاها فيتساقط الذبّان في فيها وأشداقها ولا تزال تضمّ فاها على الذبّان وتبلعه حتى تشبع ثم تدخل جحرها وليس هذا بأعجب من طائرين يراهما الناس من أدنى حدود البحر من شقّ البصرة إلى غاية البحر من شق السند أحدهما كبير والآخر صغير يقال لأحدهما جوانكرك ويسمّى الآخر جرشي فلا يزال الصغير يرنّق على رأس الكبير ويعبث به ويطوف حوله ويخرج من بين رجليه ويغمّه ويكربه حتى يتّقيه بذرقة فإذا ذرق الجرشي تلقّاه الجوانكرك فلا يخطئ أقصى حلقه حتى كأنه ردى به في بئر فإذا استوفى ذلك الذرق رجع شبعان ريّان بقوت يومه ومضى ذلك الكبير لطيّته وأمرهما مشهور ظاهر، وأعجوبة أخرى وهو إن الدّخس من دوابّ الماء مما يقايس السمك وليس بسمك يعرض للغريق فيدنو منه حتى يضع الغريق يده على ظهره فيسبح والغريق يذهب معه ويستعين بالاتّكاء عليه والتعلّق به حتى ينجّيه، وهو عند البحريّين مشهور، قالوا ومن ادّهن بشحم حرذون ثم ألقى نفسه على التمساح في الماء صاده والحرذون دويّبة تكون بمصر وزبله ينفع من وجع العين ويقاتل العقرب وإذا ظفر بالجدي أكل أذنه، وأهل مصر يعدّون كون التمساح في النيل من غرائب ما عندهم وهو كثير في خلجان سندان والزنج ولكنهم لا يعرفون له هناك هذا الطائر الذي يخلّل أسنانه، وكون التمساح موصول في نيل
مصر بوادي مهران وهو وادي السند ومن هناك أتاه. وبمصر من العجائب الفرس الذي يكون في النيل يأكل التماسيح وغيره من الدوابّ ويربّي هذا الفرس إذا كان فلوا في البيوت مع النساء والصبيان وفي سنّه شفاء من وجع المعدة. والنوبة والحبشة تتعالج به لأنهم يأكلون الأطعمة الغليظة فيشرفون على الموت من وجع المعدة فيأخذون سنّ هذا ويتعالجون به فيبرؤون وأعفاجه تبرئ من الجنون الذي يأخذ في الأهلّة. ومن عجائب النيل دابّة تسمّى ذا القرن تكون في النيل على أنفها مثل السيف الحادّ تقطع الصخرة إذا ضربتها وربّما قتلت به الفيل.
وأهل مصر يعدّون النيل من أحد عجائبهم وذلك أنه مخالف لجميع الأودية التي عليها ضبع العالم وكلّ سرب ومغيض فإنّما استقباله من ناحية الشمال وليس النيل كذلك لأن مجراه من ناحية الجنوب وليست التماسيح في شيء من هذه الأودية المعروفة لا ترى بالفرات ولا دجلة ولا سيحان ولا جيحان ولا نهر بلخ، ولا فيها من الفساد والدواب الخبيثة، وشرب أهل مصر في البواقيل،
وقال النبيّ ﷺ: «تغور المياه كلّها وترجع إلى أماكنها، إلّا نهر الأردنّ ونيل مصر والحجرات وعرفات ومنا».
وقال ابن الكلبيّ: إذا طلع العيّوق غارت المياه كلّها ونقصت إلّا نيل مصر، ويمتدّ النيل لسبع من أيّار. وقال عبد الله بن عمرو: نيل مصر سيّد الأنهار، سخّر الله له كلّ نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجريه أمر كلّ نهر أن يمدّه، فأمدّته الأنهار بمائها، فإذا فجّر الله به الأرض عيونا وانتهى من جريته إلى ما أراد الله، أوحى الله ﷿ إلى كلّ ماء أن يرجع إلى عنصره، وفي الخبر أربعة أنهار من الجنّة: النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان.
وقال بعضهم: النيل يخرج من خلف خطّ الاستواء من بحيرتين يقال لهما بحيرتا النيل، وهو يطيف أرض الحبشة ويجيء فيمرّ بين بحر القلزم- وهو بحر الفرما- وبين المفازة، فيجيء فيصبّ بدمياط، ويخرج إلى البحر الروميّ المغربيّ، ودمياط على البحر الروميّ المغربيّ. وقال أبو الخطّاب: قال المشتري ابن الأسود: غزوت بلاد أنبية عشرين غزاة، من السوس الأقصى، فرأيت النيل بينه وبين البحر الأجاج
كثيب من رمل، يخرج النيل من تحته. وقال بعض الفلاسفة: أقول إنه قد يكون البحر في موضع من بعض المواضع ثم ينضب الماء عنه حتى يصير أرضا يابسة ثم يعود بحرا، والعلّة في ذلك أن قرار الأرض يشبه أجسام الحيوانات والنبات، وأن لها نهاية وغاية بمنزلة الشباب والهرم ينقص ويزيد، فإذا قربته الشمس حينا طويلا حلّلته فارتفع وجفّ ذلك الموضع، فإذا بعدت الشمس هنة رطب ذلك الموضع وندي واجتمعت فيه المياه من الندى والأمطار، ذكروا أن أرض مصر كانت بحرا، وكذلك جميع الأرض عليها فنضب ذلك الماء قليلا، فجفّت تلك المواضع في مدّة من الزمان، فظهر اليبس وغرس فيه الأشجار وزرع فيه الزرع.
ولما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل بوونه، فقالوا: أيّها الأمير لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلّا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضيناهما وجعلنا عليها من الحليّ والحلل والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. قال عمرو:
إن هذا أمر لا يكون أبدا في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله، فهمّوا بالجلاء فلمّا رأى ذلك عمرو كتب إلى عمرو بن الخطّاب، فكتب إليه أنك قد أصبت وأني قد بعثت إليك بطاقة في داخل كتابي هذا- يعني رقعة- فألقها في النيل، فلمّا قدم كتاب عمر على عمرو أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها من عبد الله عمر إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله العزيز الغفّار الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء لأنهم لا تقوم مصلحتهم إلّا بالنيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستّة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنّة عن أهل مصر، وقال ابن الكلبيّ: كتاب عمر إلى نيل هو الطلسم الأكبر.
ومن عجائب مصر: حشيشة يقال لها الدقس، يتّخذ منها حبال للسفن، تسمّى تلك الحبال القرقس، يؤخذ من القرقس قطعة فيشعل بين أيديهم كالشمع، ثم يطفي فيمكث سائر الليل، فإذا احتاجوا إليه أخذوا طرفه فأداروه كالمخراق
فيشتعل. ومن أعاجيب مصر: الشجرة التي تدعى باليونانيّة المومقس، يرى بالليل من بعيد كأنه حريق، فإذا دنا منه الإنسان لم يجد عنده شيئا بتّة. ومن أعاجيب مصر: الرماد الذي يقال له رماد السنط، وهو خشب يوقد نهارهم كلّه، ولو جمع الإنسان ذلك الرماد لما ملأ راحته. ولهم حجارة الواحات، كلّ من تناول منها حجرا فحرّكه فكأنّما يحرّك مقلة نواتها في جوفها، ولهم القراطيس التي لا يشركهم فيها أحد، ولهم دابّة يقال لها الأسقنقور يهيج الجماع إذا أكل، وفيه أعجوبة أخرى وذلك أن ثلاثة من الحيوان للذكر منها أيران: الأسقنقور والورل والضبّ.
ومن مفاخرهم: شراب العسل وهو هناك يختار على الخمر البابليّ للذّته وطيبه وشدّة أخذه، وموضع الأعجوبة فيه أنه يتّخذ في زمان مدود النيل، ويعمل من ذلك الماء الخاثر الكدر، ولو عمل من الصافي لم يخرج على صفاء هذا ولا جودته، ولا تزيده تلك الكدورة إلّا صفاء وحسنا، ولهم البلسان، ودهن الفجل، ودهن الخردل، ولهم الخيش والريش، ولهم أن كلّ واد في الأرض مخالف لواديهم، لأنه يستقبل الشمال وماؤها يجري من الجنوب، وأعجوبة أخرى أنها لا تمطر مطرا، وأعجوبة أخرى أن اسمها مصر، وعلى اسمها سمّيت الأمصار مثل:
الكوفة والبصرة- وإنّما سمّيت البصرة فسطاطا على التشبيه بفسطاط مصر-.
وقال الكلبيّ: كان لفرعون ما بين مصر إلى مغرب الشمس وهي مملكة إفريقية والأندلس، وإنّما هو مثل أرض واسط أربعون في مثلها وأعجوبة أخرى بمصر وهي الأترجّ، ربّما وضع الرجل الأترجّة بينه وبين صاحبه فلا يرى أحدهما الآخر لكبرها، وبمصر من الأعاجيب السمك الرّعاد، ومن صاد منه سمكة لم تزل يده ترعد وتنتفض ما دام في شبكته وشصّه، وليس هذا بأعجب من الجبل الذي بآمد، يراه جميع أهل البلد فيه صدع فمن انتضى سيفه فأولجه فيه ثم قبض على قبيعته بجميع يديه، اضطرب السيف في يديه وارتعد هو ولو كان أشدّ الناس، وفيه أعجوبة أخرى لأنه متى حكّ بهذا الجبل سيف أو سكين حمل ذلك السكّين الحديد، وجذب الأبر والمسالّ بأكثر من جذب المغناطيس، وأعجوبة أخرى أن ذلك الحجر بعينه لا يجذب الحديد، فإن حكّ عليه سكّين أو حدّ به جذب
الحديد، وفيه أعجوبة أخرى أنه لو بقي مائة سنة لكانت تلك القوّة قائمة فيه، ولو سقي كما تسقى السكاكين، والمغناطيس نفسه إذا حكّ عليه الثوم لم يجذب الحديد، وذلك شبيه بناب الأفعى، لأنهم إذا حشوا فيه حمّاض الأترجّ، ثم عضّ وانقلب لم يكن له سمّ قاتل.
وقد بارك رسول الله ﵇ في بنها قرية مصر. وقال أهل مصر:
اتّخذ يوسف ﵇ الفيّوم بالشرقي في جبل شرب أسفلها وأعلاها ووسطها بماء واحد لا تعدم الثمرة فيها رطبة شتاء ولا صيفا.
قالوا: وإذا جاوزت بلاد غانة إلى أرض مصر انتهيت إلى أمّة من السودان يقال لها كوكو، ثم إلى أمّة يقال لها مرندة، ثم إلى أمّة يقال لها مراوة، ثم إلى واحات مصر بملسانة.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع