من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
والدارات
في بلاد العرب سبع عشرة دارة، قال ابن حبيب، الدّور جمع دارة وكلّ أرض اتّسعت فأحاطت بها الجبال في غلظ أو سهولة فهي دارة فمن ذلك: دارة وشجى، ودارة جلجل، ودارة رفرف، ودارة مكمن، ودارة الجمد، ودارة الدّور، ودارة الكور، ودارة قطقط، ودارة صلصل، ودارة الجأب، ودارة العليق، ودارة مأسل، ودارة الخرج، ودارة رهبى، ودارة حيقور، والبهرة مثل الدارة لأن البهرة تكون في سهولة وغلظ جميعا
القول في اليمن
قال الكلبيّ: سمّيت اليمن لأن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح أقبل بعد خروج ثلاثة عشر ذكرا من ولد أبيه، فنزل موضع اليمن فقالت العرب: تيمّن بنو يقطن فسمّيت اليمن ويقال بل سمّيت اليمن لأنها عن يمين الكعبة ولمّا جاء أهل اليمن
قال رسول الله ﷺ: قد جاءكم أهل اليمن أرق قلوبا منكم وهم أوّل من جاءنا بالمصافحة.
وقال: «الإيمان يمان والحكمة يمانية والإسلام يمان»
وقال: «أهل اليمن زين الحاجّ».
وقال مجاهد في قول الله ﷿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
قال: سبي اليمن قال: وقدم رجل على النعمان بن المنذر فقال: أخبرني عن أهل اليمن. فقال: أكثر الناس سيّدا وأكثرهم جمعا. قال: فأخبرني عن بني عامر! قال: أعجاز النساء وأعناق الظباء.
قال: فتميم! قال: حجر إن وقعت عليه آذاك، وإن وقع عليك أذي.
وقال رسول الله ﷺ: «إذا تعذّر على أحدكم الملتمس فعليه بهذا الوجه» وأشار إلى اليمن.
وفي قوله ﷿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
الآية قال: هم أهل اليمن، وفضائل كثيرة.
قال: فاليمن ثلاثة وثلاثون منبرا قديمة، وأربعون محدثة، وسمّيت صنعاء بصنعاء بن أزال بن يقطن، وهو الذي بناها. وفي قوله ﷿: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
قال: صنعاء. وقوله ﷿ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
قال: كان سليمان بن داود ﵇ يغدو من إصطخر ويروح بصنعاء ويستعرض الشياطين بالرّيّ. قال: وصنعاء أطيب البلدان، وهي طيّبة الهواء كثيرة الماء، يشتون مرّتين، ويصيفون، مرّتين، [وكذلك أهل فران ومارب وعدن والشحر. وإذا
صارت الشمس إلى أول الحمل، صار الحر عندهم مفرطا. فإذا صارت إلى أول السرطان وزالت عن سمت رؤوسهم أربعة وعشرين، شتوا. ثم تعود الشمس إليهم إذا صارت إلى أول الميزان فيصيفون ثانية ويشتد الحرّ عليهم. فإذا زالت إلى الجنوب وصارت إلى الجدي شتوا ثانية، غير أن شتاءهم قريب من صيفهم. وكان في ظفار وهي صنعاء كذا.
وظفار مشهورة على ساحل البحر ولعل هذه كانت تسمى بذلك قريب من القصور: قصر زيدان وهو قصر المملكة، وقصر شوحطان، وقصر كوكبان وهو جبل قريب منها وقد ذكر في موضعه.
وكان لمدينة صنعاء تسعة أبواب وكان لا يدخلها غريب إلّا بإذن. كانوا يجدون في كتوبهم أنها تخرب من رجل يدخل من باب لها يسمى باب حقل.
وكانت مرتبة صاحب الملك على ميل من بابها وكان من دونه إلى الباب حاجبان بين كل واحد إلى صاحبه رمية سهم. وكانت له سلسلة من ذهب من عند الحاجب إلى باب المدينة ممدودة وفيها أجراس، متى قدم على الملك شريف أو رسول أو بريد من بعض العمال حركت السلسلة فيعلم الملك بذلك فيرى رأيه].
وأهل الحجاز واليمن يمطرون الصيف كلّه، ويخصبون في الشتاء فيمطر صنعاء وما والاها في حزيران وتموز وآب وبعض أيلول من الزوال إلى المغرب، يلقى الرجل الآخر منهم فيكلّمه فيقول: عجّل قبل الغيث لأنه لا بدّ من المطر في هذه الأيّام. وكان ابن عبّاس يقول: مجاهد عالم أهل الحجاز، وسعيد بن جبير عالم أهل العراق، وطاؤوس عالم أهل اليمن، ووهب عالم الناس.
وباليمن من أنواع الخصب وغرائب الثمر وطرائف الشجر ما يستصغر ما ينبت في بلاد الأكاسرة والقياصرة، وقد تفاخرت الروم وفارس بالبنيان وتنافست
فيه، فعجزوا عن مثل غمدان، ومأرب، وحضرموت، وقصر مسعود، وسدّ لقمان، وسلحين، وصرواح، ومرواح، وبينون، وهندة، وهنيدة، وفلثوم، بريدة قال:
أبعد بينون لا عين ولا أثروبعد سلحين يبني النّاس بنيانا
وبصنعاء غمدان قصر عجيب قد بني على أربعة أوجه: وجه بالجروب الأبيض، ووجه بالجروب الأصفر، ووجه بالجروب الأحمر، ووجه بالجروب الأخضر،- والجروب الحجارة- وابتني في داخله على ما أتقن من أساسه قصرا على سبعة سقوف، بين كلّ سقفين أربعون ذراعا، وسقفه من رخامة واحدة، وجعل على كلّ ركن تمثال أسد من شبه كأعظم ما يكون من الأسد، فكانت الريح إذا هبّت من ناحية تمثال من تلك التماثيل دخلت جوفه من دبره، ثم خرجت من فيه، فيسمع له زئير كزئير الأسد. وكان يأمر بالمصابيح فتسرج في بيوت الرخام إلى الصبح، فكان القصر يلمع من ظاهره كلمع البرق، فإذا أشرف الإنسان ليلا قال: أرى بصنعاء برقا شديدا ومطرا كثيرا، ولا يعلم أن ذلك من ضوء السّرج، فكان كذلك حتى أحرق، وعلى ركن من أركانه مكتوب: اسلم غمدان هادمك مقتول، فهدمه عثمان بن عفّان فقتل. وقالوا: إن الذي بناه سليمان بن داود وذلك أنه أمر الشياطين أن يبنوا لبلقيس ثلاثة قصور بصنعاء أحدها غمدان وسلحين وبينون وفيها يقول الشاعر:
هل بعد غمدان أو سلحين من أثروبعد بينون يبني النّاس بنيانا
وقال أبو عبيدة: لأهل اليمن أربعة أشياء ليست لغيرهم: الركن اليماني في القبلة، وسهيل اليماني في السماء، والبحر اليماني في الجور، واليمن في البلدان، ولهم الخطّ المسند، وعقد الجمّل، والحساب، والخطّ الحميريّ، وقال الكلبيّ، علوج مصر القبط، وعلوج الشام جراجمة، وعلوج الجزيرة جرامقة، وعلوج السواد نبط، وعلوج السند سبابجة، وعلوج عمان المزون، وعلوج اليمن سامران، ويحمل العقيق من مخاليف صنعاء وأجوده ما أتي به من معدن يسمّى مقرى، وقرية
أخرى تسمّى الهام، وجبل يقال له قساس، فيعمل بعضه باليمن، ويحمل بعضه إلى البصرة،
وحدث يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: قال لي جبرئيل: يا محمّد تختّم بالعقيق، فقلت: وما العقيق؟
قال: جبل باليمن يشهد لله بالتوحيد، ولي بالرسالة، ولك بالنبوّة، ولعليّ بالوصيّة، ولذريّته بالإمامة، ولشيعتهم بالجنّة،
وبها معدن الجزع وهو أنواع، وجميع هذه الأنواع يؤتى بها من معدن العقيق، وأجود هذه الأنواع البقرانيّ وأثمنها، ومنه: العروانيّ، والفارسيّ والحبشيّ والمعسّل، والمعرق، وقال الأصمعيّ: أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلّا باليمن: الورس، والكندر، والخطر، والعصب، فأما المعرق من الجزع فإنه يتّخذ منه الأواني لكبره وعظمه، ولهم الحلل اليمانية والثياب السّعديّة والعدنيّة والشبّ اليماني وهو ماء ينبع من قلّة جبل فيسيل على جانبه قبل أن يصل إلى الأرض فيجمد، فيصير هذا الشبّ اليماني الأبيض، ولهم الورس وهو شيء يسقط على الشجر كالترنجبين، ولهم البنك ويقال إنه من خشب أم غيلان، ومن أبنيتها القشيب الذي يقال له:
أقفر من أهله القشيب وعن مكحول قال: أربعة مدن من مدن الجنّة: مكّة، والمدينة، وإيلياء، ودمشق، وأربعة من مدن النار: أنطاكية، والطّوانة، وقسطنطينيّة، وصنعاء. وبها سدّ أسعد الملك وهو سدّ بين جبلين، بحجارة مربّعة منقّشة بين الحجرين عمود من حديد من الأسفل إلى الأعلى، وقد رصّص ما بين الجبلين مقدار ميلين، وسمكه ثلاثمائة ذراع، تنصبّ إليه أودية وأنهار فيرتفع الماء حتى يسقوا مزارعهم وحدائقهم، وهو أعجب سدّ في الأرض، مكتوب عليه بالمسند أشياء كثيرة. ومن عجائب اليمن القردة وهي بها كثيرة جدّا، وفيهم قرد عظيم، في عنقه لوح يقال إنه عهد من سليمان بن داود صلّى الله عليه وعلى سيدنا محمد، ويقال: إن هذه القردة
وكّلهم سليمان بحفظ شياطين محبّسين في هذه الناحية من الجنّ ومن عجائبهم العدار وهو شيطان يتعرّض للنساء والرجال منهم، وله أير كالقرن صلابة فيجامعه في دبره فيموت من ساعته، وفي المثل: ألوط من عدار وباليمن قرية وبار وهي مسكن الجنّ، وهي أخصب بلاد الله وأنزهها، لا يقدر أحد على الدنو منها من الأنس، وقال أبو المنذر: وبار ما بين نجران وحضرموت، وزعمت العرب أن الله حين أهلك عادا وثمودا أن الجنّ سكنت في منازل وبار وحمتها من كلّ من أرادها، وأنها أخصب بلاد الله، وأكثرها شجرا، وأطيبها تمرا ونخلا وعنبا وموزا، فإن دنا اليوم من تلك البلاد إنسان متعمّدا أو غالطا حثوا في وجهه التراب، فإن أبي إلّا الدخول خبّلوه، وربّما قتلوه، وزعموا أن الغالب على تلك البلاد الجنّ والإبل الحوشيّة- والحوش من الإبل عندهم التي قد ضرب فيها فحول إبل الجنّ وهي من نسل إبل الجنّ- والهنديّة، والمهريّة، والعسجديّة، والعمانيّة، هذه كلّها قد ضرب فيها الحوش قال ذو الرّمّة:
جرت رذايا من بلاد الحوش
قال بعضهم: قدمنا البحرين فلحقنا أعرابيّ على ناقة له صغيرة قد أكل الجرب جنبها ومعنا إبل لم ير الناس مثلها فقلنا: يا أعرابيّ أتبيع ناقتك ببعض هذه الإبل؟ قال: والله لو أعطيتموني بها جميع إبلكم كلّها ما بعتكم. قلنا: فلك مائة دينار، فأبى، فقلنا: ألف دينار، فأبى، ونحن في كلّ ذلك نهزأ به فقال: لو ملأتم جلدها ذهبا ما بعتكم. قلنا: فأرنا من سيرها شيئا. قال: نعم، فسرنا فإذا نحن بحمير وحش قد عنّت فقال: أي الحمير تريدون أعرضه لكم؟ فقلنا: نريد عير كذا؟ فغمزها ثم زجرها فمرّت ما يرى منها شيء حتى لحقت الحمير ثم تناول قوسه فرمى فلم يخط الحمار، فلم يزل يرشقه حتى صرعه ولحقناه وقد ذبحه، فلمّا رأينا ذلك ساومناه بجدّ فقال: ليس عندي من نسلها إلّا ابن لها وابنة ولا والله لا أبيعها أبدا بشيء.
وبأرض وبار النّسناس ويقال: إن لهم نصف رأس وعين واحدة ويصادون
فيؤكلون. قال: وهو شيء له وجه كوجه الإنسان وإنما له يد ورجل في صدره، ويتكلّمون وهم في غياض هناك وباليمن جبل فيه شقّ يقال له شمخ، يدخل منها الرجل الضخم حتى ينفذ إلى الجانب الآخر ما خلا ولد الزنا فإنه يضيق عليه حتى لا يقدر أن ينفذ منه.
قال المدائنيّ: كان أبو العبّاس السفّاح أبو الخلفاء يعجبه منازعة الناس، فحضر ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكنديّ وناس من بلحارث ابن كعب وكانوا أخواله، وخالد بن صفوان فخاضوا في الحديث وتذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين إن اليمن الذين هم العرب الذين دانت لهم الدنيا، لم يزالوا ملوكا وأربابا ووزراء الملك منهم: النّعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم غاصب البحر، وحميّ الدّبر وغسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومكلّم الذئب، ومنهم البذّاخ والفتّاح والرمّاح، ومن له مدينة الشعر وبابها، ومن له أقفال الوفاء ومفاتحها، ومنهم الخال الكريم صاحب البؤس والنعيم، وليس من شيء له خطر إلا إليهم ينسب، من فرس رائع، أو سيف قاطع، أو درع حصينة، أو حلّة مصونة، أو درّة مكنونة، وهم العرب العاربة وغيرهم متعرّبة. قال أبو العبّاس: ما أظنّ التميميّ يرضى بقولك، ثم قال: ما تقول أنت يا خالد؟ قال: إن أذنت لي في الكلام تكلّمت، قال: تكلّم ولا تهب أحدا. قال:
أخطأ المتقحّم بغير علم، ونطق بغير صواب، وكيف يكون ذلك لقوم ليست لهم ألسن فصيحة، ولا لغة صحيحة، ولا حجّة نزل بها كتاب، ولا جاءت بها سنّة،
وإنهم منّا لعلى منزلتين، إن جازوا حكمنا قتلوا، وإن جاروا عن قصدنا أكلوا، يفخرون علينا بالنعمانات والمنذرات والقابوسات وغير ذلك ممّا سيأتي، ونفخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام محمّد ﵇، فلله به المنّة علينا وعليهم، لقد كانوا أتباعه به عرفوا، وله أكرموا، فمنّا النبيّ المصطفى والخليفة المرتضى، ولنا البيت المعمور والمشعر الحرام وزمزم والمقام والبطحاء مع ما لا يحصى من المآثر، فليس يعدل بنا عادل، ولا يبلغنا قول قائل، ومنّا الصدّيق والفاروق وذو النورين والوليّ والسبطان وأسد الله وذو الجناحين وسيف الله، وبنا عرفوا الدين، وأتاهم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه، ومن عادانا اصطلمناه.
ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال: أعالم أنت بلغة قومك؟ قال: نعم. قال:
فما اسم العين؟ قال: الجحمة. قال: فما اسم السنّ؟ قال: الميذر. قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنّارة. قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم اللحية؟ قال: الزبّ. قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكتع. قال: أفعالم أنت بكتاب الله؟ قال: نعم. قال: فإن الله ﷿ يقول إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
وقال:
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
وقال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
فنحن العرب والقرآن علينا أنزل بلساننا، ألم تر أن الله ﷿ يقول وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِ
ولم يقل الجحمة بالجحمة، والصنّارة بالصنّارة، والمَيْذَر بالمَيْذَر، وقال: جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
ولم يقل شناترهم في صنّاراتهم، وقال تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي
ولم يقل بزُبّي، وقال: أَكَلَهُ الذِّئْبُ
ولم يقل أكله الكتع.
ثم قال خالد: إنّي أسألك عن أربع خصال لا يجعل الله لك منها مخرجا، إن أقررت بهن قهرت، وإن جحدت بهن كفرت، قال: وما هي؟ قال: الرسول ﷺ منّا أو منكم؟ قال: بل منكم. قال: القرآن علينا أنزل أو عليكم؟ قال: بل عليكم.
قال: فالبيت لنا أم لكم؟ قال: بل لكم. قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال بل فيكم.
قال: فاذهب فما كان بعد هذا فهو لكم. قال: فغلب خالد إبراهيم فأكرم أبو العبّاس خالدا وحباهما جميعا، فقام خالد وهو يقول ما أنتم إلّا سائس قرد، أو
دابغ جلد، أو ناسج برد، ملكتكم امرأة وغرّقتكم فأرة ودلّ عليكم الهدهد.
[شبام: جبل عظيم بقرب صنعاء بينها وبينه يوم واحد، وهو صعب المرتقى ليس إليه إلّا طريق واحد. وذروته واسعة فيها ضياع كثيرة ومزارع وكروم ونخيل والطريق إليها في دار الملك. وللجبل باب واحد مفتاحه عند الملك، فمن أراد النزول إلى السهل استأذن الملك حتى يأذن بفتح الباب له. وحول تلك الضياع والكروم جبال شاهقة لا تسلك ولا يعلم أحد ما وراءها إلّا الله. ومياه هذا الجبل تنسكب إلى سدّ هناك، فإذا امتلأ السدّ ماء فتح ليجري إلى صنعاء ومخالفيها.
وبها جبل كوكبان، إنه بقرب صنعاء عليه قصران مبنيان بالجواهر يلمعان بالليل كالكوكبين ولا طريق إليهما، قيل إنهما من بناء الجن.
وبار: كانت أكثر الأرضين خيرا وأخصبها ضياعا وأكثرها شجرا ومياها وثمرا، فكثرت بها القبائل وعظمت أموالهم. وكانوا ذوي أجسام، فأشروا وبطروا لم يعرفوا حق نعم الله تعالى عليهم، فبدّل الله تعالى خلقهم وصيّرهم نسناسا لأحدهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة. فخرجوا يرعون في تلك الغياض على شاطئ البحر كما ترعى البهائم، وهم فيما بين وبار وأرض الشحر وأطراف اليمن يفسدون الزرع فيصيدهم أهل تلك الديار بالكلاب، ينفرونهم عن زروعهم وحدائقهم]
باب في تصريف الجدّ إلى الهزل والهزل إلى الجدّ
قال منصور بن عمّار: خرجت في ليلة قد قيّدت العيون ظلامها، وأخذ بالأنفاس حندسها، فما يسمع إلّا غطيط. ولا يحسّ إلّا نباح، فوجدت في بعض أبواب أهل الدنيا الذين قد سخّرهم زخرفها، وراقهم زبرجها، وشغف قلوبهم بهجتها، رجلا واقفا وهو يقول بصوت لم يسمع أحسن منه ولا أشجى لقلب ولا أقرح لكبد ولا أبكى لعين:
أنا المسيء المذنب الخاطيالمفرط البيّن إفراطي
فإن تعاقب كنت أهلا لهوأنت أهل العفو عن خاطي
فلا والله أن ملكت نفسي، وتذكّرت ما سلف من ذنوبي، ووقفت كالواله المرعوب الحائر قد امتلأت من الله خوفا، وعملت على أنّي قد أحرزت وعظا فقلت: أيّها القائل ما أسمع والباكي على ما سلف زدنا من هذا، فإنّ دواءك قد وافق داء قديما فعسى أن يشفيه، فزاد في صوته بترجيع قوله الذي قرح، قلبي وذكّرني ذنبي، ثم قال:
يا ساحرا أورطني حبّهوعشقه في شرّ إيراط
قلت: قبحك الله واعظا وترّحك، وآجرني على وقفتي عليك وطلبي منك، وأنت تطيع الشيطان وتعصى الرحمن، ثم قلت: اللهمّ اغفر لي وتب عليه.
وقال عوف بن مسكين: سمع الربيع بن خثيم في جوف الليل رجلا يقول:
بعفوك يستكين ويستجيرعظيم الذّنب مسكين فقير
رجاك لعفو ما كسبت يداهوأنت على الّذي يرجو قدير
فقال الربيع: أسألك بحقّ من ترجوه لما تريد إلّا رددت ما تقول، فجعل يردّده، فقال الربيع: زدني يرحمك الله فقال:
فقد علم الإله بما ألاقيمن الحبّ الّذي ستر الضمير
فقال الربيع: وا سوأتاه من استماعي دعاء لغير الله جلّ وعزّ.
ومر سفيان الثّوريّ برجل يبكي ويقول:
أتوب إلى الّذي أمسى وأضحىوقلبي يتّقيه ويرتجيه
تشاغل كلّ مخلوق بشيءوشغلي في محبّته وفيه
قال له سفيان: يا هذا لا تقنط كلّ هذا القنوط، ولا تيأس من الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وذنبك بين المقصّر والغالي، فإن كنت قد أسلفت ذنوبا فإنك من الإسلام لعلى خير كثير، استغفر الله وتب إليه، وأقلل من هذا البكاء، عصمنا الله وإيّاك، فنعم ما شغلت به نفسك، فقال الرجل:
عسى قلب الممكّن من فؤادييرقّ لترك طاعة عاذليه
فقال سفيان: اللهمّ أعذنا من الحور بعد الكور: ولا تضلّنا بعد إذ هديتنا، أعزب عزب الله بك.
وقال إبراهيم بن الفرج: مرّ خليل الناسك بغرفة مخلّد الموصليّ الشاعر وهو لا يعرفه فسمعه يقول:
أسأت ولم أحسن وجئتك هارباوأنّى لعبد غير مولاه مهرب
فوقف الخليل ومخلّد يردّد البيت ويبكي، والخليل يبكي معه، ثم ناداه: يا قائل الخير عد، يا سائل الفضل زد، فقال مخلّد: نعم وكرامة يا أبا محمّد:
غزال إذا قبّلته ولثمتهرشفت له ريقا من الشّهد أطيب
فقال الخليل: سقاك الله حميما وغساقا. ثم قال: اللهمّ لا تؤاخذني بهذا الموقف ومضى.
وخرج عمر بن الخطّاب يوما فإذا جوار يضربن بالدفّ ويغنّين ويقلن:
تغنّين تغنّينفللهو خلقتنّ
فجعل يضرب رؤوسهن بالدّرة ويقول: كذبتنّ كذبتنّ:
فأخزى الله شيطانارمى هذا إليكنّ
وقال بعض المتعبّدين: كنت أماشي بعض الصوفيّة بين بساتين. البصرة فسمعنا ضارب طنبور يقول:
يا صباح الوجوه ما تنصفوناأنتم زدتم القلوب فتونا
كان في واجب الحقوق عليكمإذ بلينا بكم بأن ترحمونا
قال فشهق شهقة ثم أفاق وقال: يا مغرور قل:
يا صباح الوجوه سوف تموتون وتبلى خدودكم والعيونا
وتصيرون بعد ذاك رميمافاعلموا ذاك إنّ ذاك يقينا
ومر بعض الشعراء بنسوة فأعجبه شأنهن فأنشأ يقول:
إنّ النّساء شياطين خلقن لناأعوذ بالله من شرّ الشياطين
فأجابته واحدة:
إنّ النّساء رياحين خلقن لكموكلّكم يشتهي شمّ الرياحين
ومر حسين بن عليّ ﵁ بنسوة فقال لهن: لولا أنتنّ لكنّا مؤمنين،
فأجابته واحدة منهن وقالت: لولا أنتم لكنّا آمنين.
وكان عمرو الجهنيّ ناسكا فدخل المسجد الجامع بالبصرة فوقف على حلقة النّهديّين والقرشيّين وأنشأ يقول:
ما جرت خطرة على القلب منّيمنك إلّا استترت من أصحابي
بدموع تجري وإن كنت وحديخاليا أتبع الدّموع انتحابي
أنت همّي ومنيتي وهوايورجائي وغايتي وارتقابي
قال: فتصوّب الحلق يستمنعون إليه فأقبل عليهم وقال: هذا يقوله مخلوق لمخلوق وتدعون الخيرات الحسان المقصورات في الخيام.
وقال بشر بن أبي قبيصة: قلنا لأبي همّام- وقد كان غلب على عقله- تأمر في ميراثك عن أبيك؟ فأقبل علينا مغضبا وقال: يا بشر! أو يتوارث أهل ملّتين؟
قلت: ونحن أهل ملّتين؟ قال: نعم، أنتم تزعمون أن الله قضى الخير ولم يقض الشرّ، وأنا أزعم أن الله قضى الخير والشرّ، وأن من عذّبه الله عذّبه غير ظالم له، ومن رحمه فرحمته وسعت كلّ شيء.
وقال عبد الله بن إدريس: مررت بابن أبي مالك وكان معتوها ذاهب العقل لا يتكلّم حتى يكلّم، فإذا كلّم أجاب جوابا معجبا، فقلت: يا ابن أبي مالك ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال. قلت: أتشربه؟ قال: إن شربته فقد شربه وكيع وهو قدوة.
قلت: تقتدي بوكيع في تحليله ولا تقتدي بي في تحريمه وأنا أسنّ منه؟ قال: قول وكيع مع اتّفاق أهل البلد معه أحبّ إليّ من مقالتك مع خلاف أهل البلد عليك.
وقال عبد الله بن إدريس: مررت بابن أبي مالك فناديته فقال: ما تشاء؟ قلت: متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول بأعلم من السائل، غير أن من مات فقد قامت قيامته، والموت أوّل عدل الآخرة. قلت: فالمصلوب يعذّب؟ قال: إن كان مستحقّا فإن روحه يعذّب وما أدري لعلّ هذا البدن في عذاب من عذاب الله لا تدركه عقولنا وأبصارنا، فإن لله لطفا لا يدرك.
وكان جالسا في موضع قد كان فيه رماد ومعه قطعة جصّ فكان يخطّ به فيستبين بياض الجصّ في سواد الرماد، فتبسّم فقلت له: أيّ شيء تصنع؟ قال: ما كان يصنع صاحبنا مجنون بني عامر. قلت: وما كان يصنع؟ قال: أو ما سمعته يقول:
عشيّة ما لي حيلة غير أنّنيبلقط الحصى والخطّ في الدار مولع
أخطّ وأمحو الخطّ ثم أعيدهبكفّي والغزلان حولي ترتع
قلت: ما سمعته، فتضاحك ثم قال: أما سمعت الله ﷿ يقول: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ
أسمعته أم رأيته؟ يا ابن إدريس هذا كلام العرب.
وقال خلف بن تميم: عدنا مريضا فقال رجل ممن كان في البيت:
ناد ربّ الدار ذا المال الّذيجمع المال بحرص ما فعل
فأجابه من ناحية البيت:
كان في دار سواها دارهعلّلته بالمنى ثمّ ارتحل
إنّما الدنيا كظل زائلطلعت شمس عليه فاضمحل
وقال بعضهم: أحببت جارية من العرب ذات جمال وأدب، فما زلت أحتال في أمرها حتى التقينا في ليلة ظلماء شديدة السواد فقلت لها: طال شوقي إليك، قالت: وأنا كذلك، وإنّما تجري الأمور بالمقادير. فتحدّثنا ثم قلت: قد ذهب الليل وقرب الصبح، قالت: وهكذا تنفد اللذّات وتنقطع الشهوات، قلت: لو أدنيتني منك. قالت: هيهات إني أخاف الله من العقوبات، قلت: فما دعاك إلى الحضور في هذا الموضع الخالي؟ قالت: شقوتي وبلائي. قلت: فما أراك تذكريني بعد هذا، قالت: ما أراني أنساك وأمّا الاجتماع فما أراني أراك ثم ولّت عني وقالت:
أخاف الله ربّي من عذابشديد لا أطيق له اصطبارا
قال: فاستحييت والله ممّا سمعت منها وانصرفت وقد ذهب عني بعض ما كنت أجد بها.
قال: وكان سليمان بن عبد الملك شابّا وضيئا وكان يعجبه اللباس والخمرة، فلبس ذات يوم وتهيّأ ثم قال لجارية له حجازيّة: كيف ترين الهيئة؟ قالت: أنت أجمل الناس. قال: أنشديني على ذلك، فقالت:
أنت خير المتاع لو كنت تبقىغير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب وممّايكره الناس غير أنّك فان
قال عبد الملك بن مروان يوما لجارية له: ألقيت على جلسائي صدر بيت فأعياهم إجازته. قالت: وما هو؟ قال:
نروح إذا راحوا ونغدوا إذا غدوافقالت: وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
باب في مدح الغربة والاغتراب
قال الله ﷿: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
وقال: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
وقال: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
وقال: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
الآية،
قال: وروى الزبير بن العوّام قال: قال رسول الله ﷺ: «البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيث ما أصبت خيرا فأقم، واتّق الله»
وقال: «سافروا تغنموا»
وقال ﷺ: «موت الغريب شهادة».
قال أبو المليح: أتيت ميمون بن مهران وقلت له: إني أريد سفرا، فقال: اخرج لعلّك تصيب من آخرتك أفضل ما تؤمّل من دنياك، فإن موسى بن عمران خرج يقتبس نارا لأهله فكلّمه الله ﷿، وخرجت بلقيس تطلب ملكها فرزقها الله الإسلام.
وقال عمر ﵁: لا تلثّوا بدار معجزة- أي لا تقيموا.
وقال سفيان الثّوريّ: لمّا خرج يوسف ﵇ من الجبّ قال قائل منهم: استوصوا بالغريب خيرا، فقال يوسف: من كان الله معه فلا غربة عليه.
وعن شريح بن عبيد قال: ما مات غريب في أرض غربة غابت عنه بواكيه إلّا بكت السماء عليه والأرض وأنشد:
إنّ الغريب إذا بكى في حندسبكت النّجوم عليه كلّ أو ان
وقال معاوية للحارث بن الحباب: أيّ البلاد أحبّ إليك؟ قال: ما حسنت فيه حالي وعرض فيه جاهي ثم أنشأ يقول:
فلا كوفة أمّي ولا بصرة أبيولا أنا يثنيني عن الرّحلة الكسل
وقرئ على باب خان طرسوس:
ما من غريب وإن أبدى تجلّدهإلّا سيذكر عند الغربة الوطنا
وأسفل منه مكتوب:
أير الحمار وأير البغل في قرنفي است الغريب إذا ما حنّ للوطن
وقال بعضهم: غرس المشقّة مع دوام الغربة يحبّبان الدعة، وحسن التعب يصيّر إلى محلّ الراحة. وقال بعضهم: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تغنموا مالا كثيرا غنمتم عقلا كبيرا وأنشد:
لا يمنعنّك خفض العيش في دعةحنين نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكلّ بلاد إن حللت بهاأهلا بأهل وجيرانا بجيران
هذا كما قيل في الأثر: ليس بينك وبين البلدان عداوة، فخير البلاد ما احتملك. وقال بعض المحدثين:
وما بلد الإنسان غير الموافقولا أهله الأذنون غير الأصادق
وقال آخر:
وإذا الديار تنكّرت عن حالهافدع الديار وأسرع التحويلا
ليس المقام عليك فرضا لازمافي بلدة تدع العزيز ذليلا
وقال آخر:
إذا كنت في أرض تكرّهت أهلهافدعها وفيها إن رجعت معاد
وقالوا: الراحة عقلة. وقال أحمد بن المعافى:
إنّ التّواني أنكح العجز بنتهوساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيّا ثمّ قال لها أتّكيفقصرهما لا شكّ أن يلدا الفقرا
نعوذ بالله منه، وقال آخر:
أغرّك أن كانت لبطنك عكنةوأنّك مكفيّ بمكّة طاعم
وقال الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتهاوأقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
وقالوا: قناعة الناس بالأوطان من النقص والفشل والطلب من علم التجارب والعقل.
وقال أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أنّي مكفيّ أمر الدنيا، وأني أسمنت وألبنت.
قالوا: ولم؟ قال: مخافة عادة العجز.
وقالوا: لا توحشك الغربة إذا آنست بالكفاية، ولا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار.
وقالوا: الفقر أوحش من الغربة، والغنى آنس من الوطن، وترك الوطن أدنى إلى فرح الإقامة.
وقيل: الفقير في الأهل مصروم، والغنيّ في الغربة موصول.
وقالوا: أوحش قومك. ما كان في إيحاشهم أنسك، واهجر وطنك ما نبت عنه نفسك.
وقالوا: إذا عدمت أنكرك قريبك، وإن أثريت عرفك غريبك.
وقال قسّ بن ساعدة: أبلغ العظات النظر إلى محلّ الأموات، وأفضل الذكر ذكر الله، وخير الزاد التقوى، وأحسن الجواب الصمت، وأزين الأمور الاحتمال، والحزم شدّة الحذار، والكرم حسن الاصطبار، وفي طول الاغتراب فوز الاكتساب.
وقال آخر: تألّفوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا المزيد بحسن الشكر، واغتربوا لتكسبوا، ولا تكونوا كالنساء اللاتي قد رضين بالكنّ واقتصرن على
القعود، فإن الغربة تخرّج الغمر، وتشجّع الجبان، وتحرّك المضطجع، وتزيد في بصيرة الماهر.
وقال:
الفقر في أوطاننا غربةوالمال في الغربة أوطان
وقال آخر: لا يألّف الوطن إلّا ضيّق العطن.
وقال آخر: ما حنّ أحد إلى بلد جمع فيه شمله إلّا لوصمة في عقله، ولا تنزع بامرء نفسه إلى بلد قلّ به رفده إلّا لاستيلاء الموق عليه.
وقالوا: الحنين إلى الأوطان من أخلاق الصبيان وفي طول الاغتراب فوز الاكتساب، وفي فائدة صالح الإخوان مع النزوح عن الأوطان سلوّ عن مقارنة الجيران، ولولا اغتراب الناس عن محالّهم ضاقت بهم البلدان وسئم ألّافهم الإخوان، ومن طالب أخاه بمحلّه قلّت هيبته وسئمه أهله وتمنّوا الراحة منه. قال:
ولولا اغتراب المغتربين ما عرف ما بين الأندلس إلى الصين، ولا ردم الإسكندر السدود، ودوّخ الأقاليم، ومدّن المدن، وبخع له ملوكها بالطاعة، ولا قتل دارا بن دارا، ولا أسر الأساورة، ولا جمعت الملوك بين الصفائح اليمانية، والقضب الهنديّة، والرماح البلوصيّة، والأسنّة الخزريّة، والأعمدة الهرويّة، والأجرزنة الأسروشنيّة، والخناجر الصّغديّة، والسروج الصينيّة، والدروع السابريّة والجواشن الفارسيّة، والقسيّ الشاشيّة، والأوتار التركيّة، والسهام الناوكيّة، والجعاب السجزيّة، والدرق المغربيّة، والأترسة التبّتيّة، والجلود الزّنجيّة، والنمور البربريّة، واللجم الخانبديّة والركب المروزيّة، والستور الصينيّة، والخيل الخزريّة، والكراسيّ القمّيّة، والشهاريّ البخاريّة والبغال الأرمنيّة، والحمير المريسيّة، والكلاب السلوقيّة، والبزاة الروميّة، والصوالجة النهاونديّة، والثياب المنيّرة
الرازيّة، والأكسية القزوينيّة، والثياب السعيديّة، والحلل اليمانية، والأردية المصريّة، والملاحم الخراسانيّة، والثياب الطاهريّة، والحلل الأندلسيّة، والدرّ العمانيّ، والياقوت السّرنديبيّ، والحرير الصينيّ، والخزّ السوسيّ، والديباج التّستريّ، والبزيون الروميّ، والكتّان المصريّ، والوشي الكوفيّ، والعتّابيّ الأصبهانيّ، ولا علم أن ببلاد المغرب ومصر عجائب لا تكون إلّا بها مثل منارة الإسكندريّة وعمود عين الشمس، والهرمان وجسر أذنة، وقنطرة سنجة، وكنيسة الرّها، وسور أنطاكية، والأبلق الفرد، وبرهوت، وهاروت، والفرس الذي في أقصى المغرب، والأسد الذي بهمذان، والسمكة والثور بنهاوند، وإيوان كسرى بالمدائن، وتخت شبديز في الطاق، وبناء قصر شيرين والدكّان، وأساطين قصر اللصوص، وعجائب رومية، والتمساح بالنيل، والرعّاد والسقنقور، وغير ذلك مما لا يحصى ولا يعدّ. وقالوا: أبعد الناس نجعة في الكسب بصريّ، وحميريّ، ومن دخل فرغانة القصوى، والسوس الأقصى، فلا بدّ أن يرى فيها بصريّا، أو حميريّا على أن أهل إصبهان والخوز معروفون بذلك، ويجد في كلّ بلد منهما صفّا قائما.
وممّا قالوا في التقلّب في البلدان والتباعد في الأطراف قول أبي العتاهية في الرشيد:
ولولا أمير المؤمنين وعدلهإذا لبغى بعض البلاد على بعض
وسيّارة هادون في الأرض بالهدىليحكم بالإبرام لله والنّقض
لئن كان ذو القرنين أدرك غايةلحسبك من هارون ما سار في الأرض
وقال آخر في غزوة خراسان:
وما كان ذو القرنين يبلغ سعيهولا غزو كسرى للهياطلة الجرد
وجوّاب آفاق وطلّاع أنجدوطلّاب وتر لا ينام على حقد
وقال آخر في تقلّبه في البلاد:
خليفة الخضر من يربع على وطنفي بلدة فظهور العيس أوطاني
بالشّأم داري وبغداذ الهوى وطنيبالرّقمتين وبالفسطاط إخواني
وما أظنّ النّوى ترضى بما صنعتحتّى تسافر بي أقصى خراسان
وقال الطائيّ:
إن تراني ترى حساما صقيلامشرفيّا من السّيوف الحداد
ثاني اللّيل ثالث البيد والسّير نديم النّجوم ترب السّهاد
كلّم الخضر لي يصيّرني بعدك عينا على عيار البلاد
ليلة بالشام ثمّت بالأهواز يوما وليلة بالسّواد
وطني حيث حطّت العيس رحليوذراعي الوساد وهو مهادي
وقال آخر في شبيه هذا المعنى:
قبّح الله آل برمك إنّيصرت من أجلهم أخا أسفار
إن يك ذو القرنين قد مسح الأرض فإنّي موكّل بالعيار
ويقول الشاعر للمعتصم بالله:
تناولت أطراف البلاد بقدرةكأنّك فيها تبتغي أثر الخضر
قال: وقد كانت للخلفاء فتوح ولكنّه لم يتّسق لأحد ما اتّسق للمأمون وعبد الملك بن مروان والمعتصم بالله، إلّا أن فتوح المأمون وعبد الملك كانت لمن قصد إلى ملكهما، فبلغا في ذلك ما لم يبلغه أحد في الإسلام من الملوك، وللمعتصم ستّ فتوح عظام جليلة، لم يحارب في واحدة منهن إلّا من قصد المسلمين دون ملكه خاصّة، فمن ذلك: مازيار ملك طبرستان عبد أن غلب وقتل وتمكّن من تلك القلاع والجبال المنيعة والسبل الوعرة حتى ظفر به وقتله، ومن ذلك: بابك كسر العساكر وقلّ الأجناد وقتل القوّاد وأخرب البلاد وملأ القلوب هيبة ومخافة فأخذه أسيرا وقتله وصلبه إلى جنب مازيار، ومن ذلك: فتح عمورية، وهزيمة الطاغية أمير ياطيس صاحب الضّواحي، فأسره وصلبه إلى جنب بابك ومازيار، ومن ذلك: استباحته الزّطّ حتى اجتثّ أصلهم وأباد خضراءهم، بعد أن منعوا بغداذ الميرة، وقتلوا القوّاد، وغلبوا على البلاد، وبعد أن رامهم خليفة بعد
خليفة، ومن ذلك: أمر جعفر الكرديّ وإخافته السبل فظفر به وقتله، ومن ذلك:
ما كان منه في أمر الهند وشقّ الهند كلّه، حتى ظفر من عدد البروج ورؤساء الهند وإبطال المقاتلة وأخرب السواحل على يدي عمر بن الفضل الشيرازيّ.
ثم خليفتنا المعتضد بالله اتّسق له من الفتوح الجليلة العظيمة مثل ذلك فمن ذلك: أسره لهارون الخارجيّ الشاري بعد أن كان قد تغلّب على البلاد ومنع الميرة من جميع الآفاق، ومن ذلك: قصده لآل عبد العزيز بن أبي دلف بناحية الجبل، حتى اجتثّ أصلهم، واستباح حريمهم، ثم ما كان من شأن رافع بن هرثمة وخلعه الطاعة، فحمل رأسه إلى مدينة السلام، ثم أمر محمّد بن زيد العلويّ بطبرستان بعد أن تمكّن من القلاع والحصون التي لا ترام، بعد أن كانت الخطبة قد انقطعت عنهم ثمان وثلاثين سنة بمقامه ومقام الحسن بن زيد، وكان دخول الحسن بن زيد إليها في المحرّم سنة، وتوفّي في ذي الحجّة سنة، وصار مكانه أخوة محمّد بن زيد، فقتل ﵀ بجرجان يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان سنة، ومن ذلك: عمرو بن الليث الصفّار وقتله إيّاه، ومن ذلك: فتح آمد وهي أحصن مدينة في بلاد العرب، وإيقاعه بابن الشيخ، وأخذه إيّاه أسيرا، ثم أمر وصيف الخادم وخروجه إليه بنفسه إلى تخوم أرض الروم حتى أوقع به وأخذه أسيرا، ثم قتله وصلبه.
وكان الحسن بن عليّ ﵄ يتمثّل:
من عاذ بالسّيف لاقى فرصة عجباموتا على عجل أو عاش منتصفا
لا تركبوا السّهل إنّ السّهل مفسدةلن تدركوا المجد حتّى تركبوا عنفا
وقالوا: ليكن اليقين من أفضل سلاحك، والرضا بالقضاء من أفضل أعوانك والجدّ في طلب الخير من بالك، وأنشد:
فلا تحسبنّ الرّزق بابا سددتهعليّ ولا أنّي إليك فقير
ففي العيس منجاة وفي الأرض مذهبوفي الناس أبدال سواك كثير
وكتب بعضهم إلى أهله من بلاده بعيدة:
كتابي إليكم من بلاد بعيدةتجشّمتها كي لا يضرّ بي الفقر
وأنشد:
اصبر لها فالحرّ صبّارأو اشكها إن مسّك العار
دائرة دارت على عاقللم يخشها والدّهر دوّار
نبت بك الدار فسر آمنافللفتى حيث انتهى دار
ولبعضهم:
تبدّل بدار غير دارك موطناإذا صعبت فيها عليك المطالب
فما الكرج الدّنيا ولا النّاس قاسموفي غيرها للطالبين مكاسب
وللطائيّ:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلقلديباجتيه فاغترب تتجدّد
ألم تر أنّ الشّمس زيدت محبّةإلى النّاس إذ ليست عليهم بسرمد
وقالوا: العسر في الغربة مع العزّ، خير من اليسر في الوطن مع الذلّ. وقيل لآخر: ما العيش؟ قال: دوران البلدان، ولقاء الإخوان، ومغازلة القيان، ومرافقة
الفتيان، واستماع النغمات من الزير والمثاني.
وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: غيبة بعد غنى وأوبة تعقب منى. وقال آخر:
سرى طيفها نحو امرئ متطوّحطليح سفار أسفع اللّون شاحب
تراه كنصل السّيف أصدأ صفحةمقادمه والنّصل ماضي الضرائب
تغرّب يبغي اليسر ليس لنفسهخصوصا ولكن لابن عم وصاحب
وما عذر ذي العشرين والخمس قاعداولم يبل عذرا في طلاب الرغائب
ومن لا يزل يخشى العواقب لا يزلمهينا رهينا في حبال العواقب
وأشفق من اسم التنكّر مقترافلم ينجه إلّا نجاء الركائب
ولعبد الله بن طاهر:
وا سوءتى لامرئ شبيبتهفي عنفوان وماؤها خضل
وهو مقيم بدار مضيعةطباعه في اصطناعه الفشل
راض بدون المعاش متّضععلى تراث الآباء متّكل
لا حفظ الله ذاك من رجلولا رعاه ما حنّت الإبل
كلّا وربّي حتّى يكون فتىقد نهكته الأسفار والرّحل
تسمو به همّة منازعةوطرفه بالسّهاد مكتحل
نال بلا منّة ولا ضرعولا بوجه تفوته الحيل
إلّا بعض أو مت بشفرتهكفّ تمطّى بها فتى بطل
حتّى متى يصحب الرّجال ولايصحب يوما لأمّه الهبل
وكان عمرو بن العاص يقول: عليكم بكلّ أمر مزلفة مهلكة، أي عليكم بجسام الأمور.
ولمّا نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين ﵇ قال: من طلب عظيما خاطر بعظيمته- يعني برأسه-.
وكان يقال: من سرّه أن يعيش مسرورا فليقتنع، ومن أراد الذكر فليجتهد، ومن أراد أن يعتبر فليغترب. وقالوا: لا ينبغي للعاقل أن يكون إلّا في إحدى منزلتين: إمّا في الغاية القصوى من الدنيا والطلب لها، أو في الغاية والنهاية من الترك لها.
وقال آخر: الدنيا مرعى فمن وجد الكلأ في موضع فليلزمه. ولأبي نواس:
أرى النّفس قد أضحت تتوق إلى مصرومن دونها جوب الحزونة والوعر
وو الله ما أدري أللخفض والغنىأساق إليها أم أساق إلى قبري
سأرمي بنفسي عن قريب أمامهاوأترك قول العاذلين ذوي الزّجر
لأنّ الّذي قد قدّر الله كائنألا إنّما تجري الأمور على قدر
وقال آخر: السلامة إحدى العصمتين، والمرأة الصالحة إحدى الكاسبين، واللبن إحدى اللحمين، والعادة إحدى الطبيعتين، والدعاء للسائل إحدى الصدقتين، وخفّة الظهر أحد اليسارين، والغربة إحدى اللذّتين.
وأنشدني صديق لابن عبدوس الكاتب:
زعم الّذين تشرّقوا وتغرّبواأنّ الغريب وإن أعزّ ذليل
فأجبتهم إنّ الغريب إذا أتّقىحيث استقلّ به الركاب جليل
قالوا الغريب يهان قلت تجلّداإنّ الإله بنصره لكفيل
قالوا إذا مات الغريب ببلدةأدلي ولم يسمع عليه عويل
قلت الغريب كفاه رحمة ربّهوغنى البكاء عن الفقيد قليل
وله أيضا:
يقولون لي لا تغترب قلت إنّنيإذا ما اتّقيت الله غير غريب
إذا كنت ذا عسر وحال خسيسةأمنت شماتات بها لقريب
وإن كنت ذا مال وحال جليلةفأحذر أن لا يطلبون عيوبي
القول في مصر والنيل
قال الكلبيّ: سمّيت مصر بمصر بن أينم بن حام بن نوح، وافتتحها عمرو بن العاص، وروي في قول الله ﷿: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ
قال: مصر. قال ابن السّكّيت: سمّيت مصر لأنها الحدّ، وأهل هجر يكتبون في شروطهم اشترى جميع الدار بمصورها أي بحدودها، قال عديّ بن زيد التميميّ:
وصيّر الشّمس مصرا لا خفاء بهبين النّهار وبين اللّيل قد فصلا
أي حدّا حاجزا. وقال عبد الله بن عمرو: من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى مصر حين تحرث. وروي عن الضحّاك بن مزاحم عن ابن مسعود مرفوعا قال: ينادي يوم القيامة مناد من السماء يا أهل مصر فيقولون جميعا أوّلهم وآخرهم: لبّيك، فيقال: إن الله ﷿ يقول ألم أمنن عليكم بسكنى مصر، وأطعمتكم فيه الخمر والخمير وصيد طير السماء وحيتان البحر والماء العذب؟
فيقولون: بلى ربّنا.
وأرض مصر محدودة أربعين ليلة في مثلها، وكانت منازل الفراعنة وكان اسمها باليونانيّة مقذونية، وطول مصر من الشجرتين اللتين بين رفح والعريش إلى أسوان، وعرضها من برقة إلى أيلة وهي مسيرة أربعين ليلة في أربعين ليلة، ومن بغداذ إلى مصر خمس مائة وسبعون فرسخا، يكون ذلك أميالا ألف وسبع مائة وعشرة أميال.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع