من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
ناووس الظبية وقصر بهرام جور (٢)
ومضى أفريدون- بعد أن حبسه في الكهف واستوثق منه- منصرفا إلى دار مملكته ووكل أرمائيل بحفظ البيوراسف وطعامه. فكان يذبح له في كل يوم رجلين فيغذي بأدمغتهما حيّتيه اللتين على كتفيه أعواما.
ثم إن أرمائيل تحوّب من ذبح الناس فتلطّف في استنقاذهم واحتساب الأجر في إطلاقهم من القتل، فمضى إلى قرية من قرى دنباوند تسمى مندان فبنى على جبلها أبنية جليلة وقصورا عظيمة وجعل فيها بساتين وعيونا تجري في صحون تلك الدور والبساتين، وبنى في بعض تلك القصور بيتا بخشب الساج والابنوس وصور فيه جميع الصور، فلم يكن لأحد في ناحية المشرق، بناء أشرف منه ارتفاعا وحسنا ودقة نقوش وكثرة عمل وتزاويق وتصاوير وتماثيل.
فما زال ذلك البنيان قائما حتى استنزل المهدي بن المصمغان من القلعة المعروفة بالهيرين- وكان قد أعطاه الأمان- فلما جاء به إلى الري أمر بضرب عنقه.
فلما استخلف الرشيد وصار إلى الري أخبر بمكان ذلك البنيان فصار إليه
حتى وقف عليه وأمر بنقضه وحمله إلى مدينة السلام.
وكان أرمائيل نازلا في قصوره وأبنيته التي بناها فإذا جاءوه بالأسارى من الآفاق ليذبحهم ويأخذ أدمغتهم فيغذي الحيتين، أعتق في كل يوم أسيرا وذبح مكانه كبشا وخلط دماغه بدماغ المقتول وغذا به الحيتين أعواما كثيرة. ثم بدا له في الذبح فكان إذا جاءوه بالأسارى أعتقهم وأسكنهم الجبل الغربي من قرية ميندان فبقي على ذلك من حاله ثلاثين عاما يعتق في كل عام سبعمائة وثلاثين إنسانا- وقرية ميندان على جبلين بينهما واد فيه ماء عذب غزير لا ينقطع شتاء ولا صيفا، وعلى حافتي الوادي عيون تنصب إليه وشجر مثمر- فكان كلما أعتق أسيرا أعطاه دارا وأسكنه الجبل الغربي وأمره أن يزرع لنفسه ما يريد ويبني ما يشاء. فكانوا يفعلون ذلك. وقيض الله لأرمائيل مطلسما ألمّ به فقال: أنا اطلسم الطعام الذي يتغدى به هذا الملعون فيكون يتغلغل في جوفه ويرتفع إلى صدره ويجري في لهواته فيشبع منه ولا يحتاج إلى غيره أبدا ويجازيك الملك على ذلك.
ما الذي تجازيني عليه؟ قال: سل ما أحببت. قال: إذا أتتك رئاسة الناحية أشركتني فيها معك وفي نعمتك وعقدت بيننا قرابة لا تنقطع. فضمن أرمائيل له ذلك وطلسم مأكول الملعون ومشروبه في جوفه، فهو يتغلغل في صدره إلى بلوغ مدة [أيامه].
فلما كان بعد ثلاثين حولا من مملكة أفريذون أنفذ إلى أرمائيل رسولا يأتيه بخبر البيوراسف. فلما وافاه أنزله. أرمائيل معه في قصره. فسأله الرسول عما صنع فأخبره خبر المعتقين من الذبح وإنزاله إياهم الجبل الغربي. ولمّا أمسى أمر المعتقين أن يوقد كل واحد منهم على باب الموضع الذي هو فيه نارا ففعلوا. فقال الرسول: ما هذا؟ قال: هؤلاء المعتقون من الذبح. فقال الرسول بالفارسية: وس
مانا كي ته آزاد كردي؟ أي: كم من أهل بيت قد أعتقتهم؟ وتناهى الخبر إلى أفريدون فسرّ به سرورا شديدا ومضى نحو جبل دنباوند فوقف عليه فلما تقرر عند فعل أرمائيل شرفه ورفع درجته وسماه المصمغان وأقطعه مدينة دنباوند برساتيقها وقراها وعقد له تاجا وأقعده على سرير ذهب. فهم آل المصمغان المعروفون إلى يومنا هذا تلك الناحية.
وكان أفريذون سجن البيوراسف في النصف من ماه مهر وروز مهر، فلما أصبح جعله عيد المهرجان.
ويقال إن طول أفريذون تسعة أرماح- والرمح بباعه ثلاثة أبوع- وعرض عجزه ثلاثة أرماح، وعرض صدره أربعة أرماح، ووسطه رمحان.
وقال محمد بن إبراهيم بن نافع: كنت مقيما بطبرستان في خدمة موسى بن حفص الطبري أيام خلافة المأمون إذ ورد علينا قائد من قواد المأمون في مائة وخمسين فارسا ومعه كتاب المأمون إلى موسى بن حفص يأمره بالشخوص معه إلى موضع البيوراسف [بقرية الحدادة في سنة] حتى يقف عليه ويتفحص عن خبره ويكتب إليه بصحة الأمر فيه.
قال: فوافينا قرية الحدادين، فلما قربنا من الجبل الذي هو فيه، إذا نحن بدويبة في عظيم البغال. فلما رأتنا صعدت في الجبل. قال: وإذا طيور بيض كبار أكبر من النعام في خلق الفصلان. وإذا قلة الجبل مغشاة بالثلج، وإذا دود وعظام مثل الجذوع تنحط من ذلك الثلج، فإذا انفصلت الدودة عن الثلج وانحدرت إلى القرار وانسابت على الحجارة انفقأت فسال من جوفها مثل الساقية. فإذا كان ذلك
نهضت تلك الطيور إلى جلود هذا الدود فأكلتها.
فلم تزل العسكر في القرية أياما يرومون الوصول إلى موضع البيوراسف ولا يهتدون لموضع الجبل في الصعود. فبينا هم كذلك إذ أتاهم شيخ قد نيف على مائة سنة فسائلهم عما قدموا له، فعرّفوه الخبر، وإذا على الجبل حوانيت كثيرة فيها قوم من الحدادين حول تلك القلّة عليهم نوائب يضربون مطارقهم على سنداناتهم ساعة بعد ساعة ويتكلمون عليها بكلام يهجسون به موزون عند ضربهم، لا يفترون ليلا ولا نهارا. فسألوا الشيخ عن الخبر، فقال لهم: هذه الحوانيت وضرب هؤلاء على السندانات، طلسم على البيوراسف لئلا ينحل عن وثاقه، وإنه لدائب بلحس سلاسله وأغلاله، فإذا ضربت هذه المطارق عادت أغلاله وسلاسله إلى ما كانت عليه من الغلظ. فإن أحببتم الوقوف على صحة هذا الحيوان المحبوس في هذه القلة حتى لا يتخالجكم فيه ريب أريتكم برهان ذلك. فقال له القائد: ما جئت لغير هذا الذي وصفت. فأحضر الشيخ سلما مخروزا محكما من الصرم وسككا من سكك الحديد وجمع شباب القرية حتى صعد منهم من صعد على تلك السلّم من قرار القلّة إلى مقدار مائة ذراع في الجبل ثم أراهم في الجانب الشرقي من القلة عند مطلع الشمس جوبة عظيمة وعليها أسكفة باب حديد عليه مسامير من حديد مذهبة مكتوب عليها بالفارسية ما أنفق على كل مسمار وفوق الأسكفة كتابة تخبر أن على القلة سبعة أبواب من حديد، على كل باب أربعة أقفال قد كتب على بعض المسامير: لهذا الحيوان أمد يجري إلى غايته ونهاية لا يعدوها، فلا يعرض خلق لفتح شيء منها فيهجم من هذا الملعون على ما لا يقوم له أهل الأرض ولا حيلة لأحد عما يريد.
فقال القائد: ويحكم حيوان منذ آلاف من السنين يبقى بغير قوت؟ فقال الشيخ: طعامه القديم الذي تغدى به مطلسم في جوفه، فهو يتغلغل في صدره ويرتفع إلى لهواته حتى تمتلأ منه، وقد منع من إخراجه. فذلك غذاؤه. فانصرفوا
ولم يجدوا شيئا وكتب بخبره إلى المأمون فكتب أن لا تعرض له.
وعن رجل من كلب قال: كان الضحاك أشد الناس غيرة، فركب يوما إلى الصيد فجاء أفريذون في خيله فدخل داره واحتوى عليه وعلى نسائه. وبلغ ذلك الضحاك فوافى منزله. فلما نظر إلى أفريذون في داره مع نسائه أدركته الغيرة فغشى عليه وسقط عن دابته. ووثب أفريذون فأوثقه ثم تتبع عماله فأخذهم وغلب على ملكه وذلك ماه مهر وروز مهر، فصيره يوم المهرجان. فقالت الأعاجم مهريان لقتل من كان يذبح في كل يوم واتخذوه عيدا. وأخذ المصمغان وقال: إنك كنت شرّ عماله وكنت صاحب الذبح، فأذبحك كما كنت تذبح الناس. فقال: إن لي بلاء.
قال: وما هو؟ قال: كان يأمرني بذبح اثنين في كل يوم فكنت أذبح واحدا وأعتق الآخر. قال: وكيف نعلم صحة ما ذكرت؟ قال: اركب معي حتى أريك إياهم.
فركب معه وسار حتى أشرف على جبال الديلم والشور فنظر إلى عالم قد توالدوا وتناسلوا. فقال: هؤلاء كلهم عتقائي. فقال أفريذون: وس ما ناكي ته آزاد كردي؟
كم من أهل بيت أعتقتهم؟ اذهب فقد ملكتك عليهم. فأعطاه مملكة دنباوند. فلم يزل الضحاك عنده موثقا ستة أشهر ثم قتله يوم النيروز فقالت الأعاجم:
امروز نوروزي اي استقبلنا الدهر بيوم جديد. فاتخذوه عيدا.
وعن القاسم بن سلمان قال: أبجد وهوّز وحطي كلمن وسعفص وقرشت ثخذ ضظغ، كانوا ملوكا جبابرة ففكر قرشت يوما فقال: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
، فجعله الله اژدها، فله سبعة رؤوس. فهو الذي بدنباوند محبوس.
وزعم بعض أهل العلم: إن المحبوس بجبل دنباوند صخر الجني الذي أخذ خاتم سليمان بن داود ﵉ لما ردّ الله ﷿ على سليمان ملكه، حبس صخرا في جبل دنباوند.
ولأبي تمام من شعر طويل يمدح به الافشين ويقول إنه مثل أفريذون وأن بابك الخرمي مثل الضحاك:
ما نال ما قد نال فرعون ولاهامان في الدنيا ولا قارون
بل كان كالضحّاك في سطواتهبالعالمين وأنت أفريذون
وقال علي بن ربن كاتب المازيار: وجّهنا جماعة من أهل طبرستان إلى جبل دنباوند- وهو جبل عظيم شاهق في الهواء يرى من رأس مائة فرسخ وعلى رأسه أبدا مثل السحاب المتراكم لا ينحسر عنه في الصيف ولا في الشتاء، ويخرج من أسفله نهر ماؤه أصفر كبريتي تزعم جهّال الفرس أنه بول البيوراسف- فذكروا أنهم صعدوا إلى رأسه خمسة أيام وخمس ليال فوجدوا نفس قلّته تكاد تكون مائة جريب مساحة. على أن الناظر ينظر إليها من أسفل الجبل مثل رأس القبة المخروطة. قالوا: وجدنا عليها رملا تغيب فيه الأقدام، وانهم لم يروا عليها دابة ولا أثرا لشيء. وان سائر ما يطير في الجو لا يبلغها، وان البرد فيها شديد والريح عظيمة الهبوب والعصوف، وانهم عدوّا في قلتها سبعين كورة [يخرج] منها الدخان الكبريتي، وانه كان معهم رجل من أهل تلك الناحية فعرّفهم أن ذلك الدخان تنفّس البيوراسف، ورأوا حول كل ثقب من تلك الكوى كبريتا أصفر كأنه الذهب وحملوا معهم شيئا منه حتى نظرنا إليه. وزعموا أنهم رأوا الجبال حوله مثل التلال، وأنهم رأوا البحر مثل النهر الصغير، وبين البحر وهذا الجبل نحو عشرين فرسخا.
/
القول في قزوين وأبهر وزنجان
قال بكر بن الهيثم: كان حصن قزوين يسمى بالفارسية كشوين [ومعناه الحدّ المحفوظ]. قال وبينه وبين الديلم جبل كانت ملوك فارس تجعل فيه رابطة من الأساورة يدفعون الديلم إذا لم تكن بينهم هدنة، ويحفظون بلدهم من اللصوص.
[ويقال: إنهم نزلوا قرية يقال لها سسين فقالوا: جش اين. ثم دخلوا قرية يقال لها فاسقين فقالوا: بس اين. ثم دخلوا قرية سروين، فأندر صاحب الجيش قال: سروين].
قال: وكانت دستبى مقسومة بين الري وهمذان. فقسم منها يدعى دستبى الرازي وهو مقدار تسعين قرية، منها ما قد حازه السلطان [أعزه الله] في هذا الوقت واستخلصه لنفسه. ومنها ما هو في الري، قوم تغلبوا عليه.
قال وكان سبب [حيزه] دخول اذكوتكين بن ساتكين التركي قزوين وتغلبه عليها في سنة ست وستين ومائتين، وأسره محمد بن الفضل بن محمد بن سنان العجلي رئيس قزوين وكبيرها، أنه تقلد البلد، فلما صار إليه أظهر العدل والنصفة
أياما ثم أزالها عن ذلك وقبض على جماعة من وجوه البلدان وأخذ ضياعهم وأموالهم.
/ وقسم منها يدعى الهمذاني. وكان عامل همذان في وقت افتتاح الخراج ينفذ خليفته إلى قرية من قرى دستبى يقال لها اسفنقان فيجبي خراجها ويحمله إلى همدان. فما زال الأمر كذلك حتى كورت قزوين وزنجان.
[وكان العدل بقزوين من جهة طاهر بن الحسين، والجور بهمذان من قبل موالي المعتصم بالله أمير المؤمنين، فتظلم رجل يقال له محمد بن ميسرة من رجل آخر من أهل قزوين يدعى أحمد بن النصر بن سعيد، فوجّه وفده إلى نيسابور يسأل الكتّاب في نقل رستاق نسا وسلقانروذ إلى قزوين. فكتب صاحب خراسان بذلك فنقلت إلى قزوين].
قال: ولما زال ملك العجم وفتحت البلدان، ولي المغيرة بن شعبة الكوفة وولي جرير بن عبد الله همذان وولي البراء بن عازب قزوين، وأمر أن يغزو الديلم.
وكان مغزاهم قبل ذلك من دستبى. فسار البراء بن عازب ومعه حنظلة بن زيد الخيل حتى أتى أبهر، فأقام على حصنها- وهو حصن منيع بناه شابور ذو الأكتاف.
- وشابور أيضا بنى مدينة قزوين، ويقال إنه بنى حصن أبهر على عيون سدّها بجلود البقر والصوف واتخذ عليها دكة ثم بنى الحصن عليها-.
قال: ولما نزل عليه البراء، قاتله أهل الحصن أياما ثم طلبوا الأمان فآمنهم على مثل ما آمن حذيفة بن اليمان أهل نهاوند.
ثم سار إلى قزوين فأناح عليها، فطلبوا الصلح فعرض عليهم ما أعطى أهل أبهر من الشرائط فقبلوا جميع ذلك إلّا الجزية فإنهم نفروا منها. فقال: لا بدّ منها.
فلما رأوا ذلك أسلموا وأقاموا بمكانهم فصارت أرضهم عشرية.
فرتّب البراء فيهم خمسمائة رجل من المسلمين منهم: طلحة بن خويلد الأسدي وميسرة العائذي وجماعة من بني تغلب [على دستبى وقزوين، فتناسلوا هناك فأولادهم وأولاد أولادهم إلى اليوم فيها، قد توارثوا الضياع- وكانت قبالة من السلطان في أيديهم الخمسين السنة والأقل والأكثر- إذ كانت] أرضين وضياعا لا حق فيها لأحد. فعمروها وأجروا أنهارها وحفروا آبارها فسمّوا تنّاءها.
وكان نزولهم على ما نزل عليه أساورة البصرة على أن يكونوا مع من شاءوا. وصار جماعة منهم إلى الكوفة وحالفوا زهرة بن حوية، فسمّوا حمراء الديلم، وأقام أكثرهم بمكانهم فهم هناك إلى وقتنا هذا.
قال: وأنشدني رجل من أهل قزوين لجدّ أبيه- وكان ممن قدم مع البراء بن عازب لقتال الديلم-:
قد تعلم الديلم من تحاربلمّا آتى في جيشه ابن عازب
بأنّ ظن المشركين خائبفكم قطعنا في دجى الغياهب
من جبل وعر ومن سباسب ثم غزى البراء الديلم حتى أدوا الجزية. وغزا الجيل والببر والطيلسان وفتح زنجان عنوة.
وولي الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية الكوفة [لعثمان بن عفان، فغزا الديلم مما يلي قزوين، وغزا آذربيجان وجيلان وموقان والببر وطيلسان] ثم انصرف.
/ وولي سعيد بن العاص بن أمية بعد الوليد، فغزا الديلم ومصر وقزوين فصارت مغزى أهل الكوفة.
وكان موسى الهادي لما صار إلى الري أتى قزوين وأمر ببناء مدينة إزاءها فهي تعرف بمدينة موسى. وابتاع أرضا تدعى رستم آباذ فجعلها وقفا على مصالح المدينة. وكان عمرو الرومي يتولاها، ثم تولاها من بعده محمد بن عمرو. وكان مبارك التركي بنى حصنا بها وسماه المباركية وبه قوم من مواليه.
وحدث محمد بن هارون الأصبهاني قال: اجتاز الرشيد بهمذان وهو يريد خراسان، فاعترضه أهل قزوين وأخبروه بمكانهم من بلد العدو وعنائهم في مجاهدتهم وسألوه النظر لهم وتخفيف ما يلزمهم من عشر غلاتهم في القصبة، فسار إلى قزوين ودخلها وبنى مسجد جامعها واسمه إلى اليوم مكتوب على بابه في لوح حجر. وابتاع بها حوانيت ومستغلات وأوقفها على مصالح المدينة وعمارة قبتها وسورها فهي تنفق عليها ويبنى منها ما استرمّ بغلتها إلى هذا الوقت.
قال: وصعد في بعض الأيام القبة التي على باب المدينة وهي عالية جدا، فأشرف على الأسواق، ووقع النفير في ذلك الوقت، فنظر إلى أهلها وقد أغلقوا حوانيتهم وأخذوا سيوفهم وتراسهم وجميع أسلحتهم وخرجوا على راياتهم وساروا نحو العدو. فاستحسن ذلك منهم وأشفق عليهم وقال: هؤلاء قوم مجاهدون يجب أن ننظر لهم. فاستشار خواصه في ذلك، فكل واحد منهم أشار بما عنده فقال هو:
أصلح ما يعمل بهؤلاء أن يحط عنهم الخراج وتجعل لهم وظيفة القصبة. فجعلها عشرة آلاف درهم في كل سنة مقاطعة.
وكان القاسم بن الرشيد ولي جرجان وطبرستان وقزوين، فألجأ إليه أهل
زنجان ضياعهم تعززا به ودفعا لمكروه الصعاليك وظلم العمال عنهم وكتبوا له عليها الأشرية وصاروا له فلاحين.
وكان القاقزان عشريا لأن أهله أسلموا عليه وأحيوه بعد الإسلام، فألجأوه أيضا إلى القاسم على أن جعلوا له عشرا ثانيا سوى عشر بيت المال فصار في الضياع أيضا.
ولم تزل دستبى على قسميها: بعضها إلى الري وبعضها إلى همذان إلى أن سعى رجل من ساكني قزوين من بني تميم يقال له حنظلة بن خالد ويكنى أبا مالك، في أمرها، حتى صيرت كلها إلى قزوين. فسمعه رجل من أهل قزوين وهو يقول: كوّرتها وأنا أبو مالك. فقال له بل أتلفتها وأنت أبو هالك.
وقد روت الحشوية في فضائلها أخبارا كثيرة لا يصححها الثقات والحفاظ [وأنا أوردها هنا] لتكون فائدة في الكتاب.
قال أبو مجالد الصنعاني: قزوين وعسقلان العروسان شهداؤهما تزف إلى الله يوم القيامة.
وروي عن أبي هريرة [وابن عباس] قال: كنا عند رسول الله ﷺ يوما فرفع بصره إلى السماء كأنه يتوقع شيئا ثم بكى حتى جرت دموعه على خده وجعلت تقطر من أطراف لحيته وهو يقول: رحم الله إخواني بقزوين- ثلاث مرات-. قلنا: يا رسول الله، من إخوانك بقزوين الذين رققت لذكرهم وترحّمت عليهم، وما قزوين هذه؟ قال: هي مدينة من أرض الديلم وستفتح عليكم ويكون بها رباط.
فمن أدرك ذلك فليأخذ نصيبه من فضل رباطها، فإنه يستشهد فيها قوم يعدلون شهداء بدر.
قال الحسن في قوله ﷿ قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
قال: الديلم.
وقال عمار بن عبد الله: سألت أبا عبد الله ﵁ عن قتال الديلم فقال: ومن أحق بالقتال منهم؟ هم الذين قال الله تعالى [فيهم] قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ.
وعن مجاهد في قول الله تعالى فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ
قال:
الروم والديلم.
وبعث الحجاج إلى وفد الديلم فكانوا قد جاءوه فأرادهم على أن يسلموا فأبوا. فطالبهم بالجزية فامتنعوا فأمر أن يصور له بلدهم، سهله وجبله وعقابه وغياضه وأنهاره وطرقه وبنائه، فصوّر له ذلك. فقال لهم: إن بلادكم قد صورت لي بطرقها وعقابها وأنهارها وجبالها وسهولها، وقد رأيت فيها مطمعا، فأقرّوا لي بما دعوتكم إليه وإلّا أغزيتكم الجنود فأخربت بلدكم وقتلت رجالكم وسبيت الذراري والنساء. فقالوا: أرنا الصورة التي أطمعتك فينا وفي بلدنا. فدعا بالصورة، فلما نظروا إليها قالوا: قد صدقك الذي صورها لك غير أنه لم يصور الرجال الذين يمنعون هذه العقاب والجبال والطرق. وستعلم حقيقة ذلك لو قصدت البلد. فلم يلتفت إلى قولهم وأنفذ إليهم عسكرا عليه ابنه محمد بن الحجاج، فلم يصنع شيئا وانصرف إلى قزوين فبنى بها مسجدا ونصب فيها منبرا.
قال محمد بن زياد المذحجي: رأيت في مسجد قزوين لوحا فيه مكتوب:
ممّا أمر به محمد بن الحجاج.
وهذا المسجد الذي بناه محمد بن الحجاج هو المسجد الذي على باب دار بني الجنيد، وكان يسمى مسجد التوث. فلم يزل قائما إلى أن بني للرشيد مسجدها الجامع.
وحكى قوم من مشايخ أهل قزوين أنهم لحقوا عمال خالد بن عبد الله القسري وهم ينالون من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ على منبر قزوين، وأن رجلا من عبد القيس [حبيش بن عبد الله وهو من موالي الجنيد أو بني عمه] يسمع ذلك يوما، فاخترط سيفه ورقى إلى الذي على المنبر وقد نال منه، فقتله وقال: [لا نحتملكم على لعن علي بن أبي طالب] فانقطع من ذلك [إلى] اليوم.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ستفتح عليكم الآفاق وتفتح عليكم مدينة لها قزوين، من رابط فيها أربعين ليلة كان له في الجنة عمود من ذهب أحمر له سبعون ألف مصراع من ذهب، في كل باب منها زوجة من الحور العين.
ولما أراد علي بن أبي طالب ﵁ المسير إلى صفين قال: من أحب منكم أن يخرج معنا في وجهنا هذا وإلّا فليأت قزوين فإنها باب من أبواب الجنة.
قال فخرج الربيع بن خثيم إليها في أربعة آلاف. فلم يزل مقيما بها حتى انقضى أمر صفين.
ويروى أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده ليقاتلنّ قوم بقزوين لو أقسموا على الله لأبرّ اقسامهم.
ويروى أن النبي ﷺ قال: مثل قزوين في الأرض مثل جنة عدن في الجنان.
وروي أن سعيد بن جبير قدم قزوين وهو متوار من الحجاج فبات بها ليلة ثم خرج منها وقال: ليجتهد عباد المسجد أن يدركوا مثل ليلتي هذه
/
القول في طبرستان
قال: الببر والطيلسان والطالقان وخراسان- إلّا أهل خوارزم- من ولد اشتق بن إبراهيم ﵇. والكوفان والخزر والشور والاقليس من الديلم وهم بنو كماشج بن يافث بن نوح ﵇. وسميت جبالهم على أسمائهم إلّا الإيلام- جنس من الديلم- فإنهم من ولد بابيل بن ضبة بن أد، وموقان وجبالها وهم أهل طبرستان من ولد كماشج بن يافث بن نوح ﵇ قال:
وحدثني أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي [قال] حدثني عبد الله بن عمرو بن بشير البلخي [قال] حدثني أبي. قال: اجتمع في حبوس كسرى خلق كثير لم ير أن يقتلهم، فشاور فيهم فقيل: غرّبهم. فقال: انظروا موضعا أحبسهم فيه. فطلبوا ونقبوا البلاد فوقعوا على جبل طبرستان، فأخبروه بذلك، فوجّه بهم إلى ذلك الجبل وخلّاهم فيه وأخذ عليهم الباب- وهو يومئذ جبل لا ساكن فيه- ثم تركهم حولا.
فلما كان بعد الحول، وجّه إليهم من يقف على خبرهم. فأشرف عليهم رسوله وكلمهم فإذا هم أحياء فسألهم: ما الذي تريدون؟ - وكان الجبل أشبا كثير الشجر- فقالوا: طبرها، طبرها. أي نريد فأسا نقطع بها الشجر ونتخذ بيوتا. فأخبر كسرى بذلك، فأمر أن يبعث إليهم ما طلبوا. ثم أمهلهم حولا آخر ثم أرسل إليهم فسألهم عن حالهم- فوجدهم قد اتخذوا بيوتا- فقالوا: زنان، زنان. أي نريد نساء. فأخبر بذلك. فأتى بمن في حبوسه من النساء فبعث بهن إليهم، فتناسلوا. فعرّب الناس هذه الكلمة فقالوا: طبرستان. وإنما هي طبرزنان أي الفؤوس والنساء.
ومدينة طبرستان آمل [وبها منزلا الولاة]- وهي أكبر مدنها- ثم ممطير،
وبينها وبين آمل ستة فراسخ. ثم ترنجة وهي من ممطير على ستة فراسخ. ثم سارية، ثم طميس- وهي من سارية على ستة عشر فرسخا- هذا آخر حدّ طبرستان من ناحية خراسان وجرجان.
ومن ناحية الديلم على خمسة فراسخ مدينة يقال لها ناتل فإذا جزت ناتل فشالوس وهي ثغر الجبل. هذه مدن السهل.
فأمّا مدن الجبل منها فمدينة يقال لها الكلار وهي أيضا ثغر الجبل. ثم تليها مدينة صغيرة يقال لها سعيدآباذ فيها منبر. ثم الرويان وهي أكبر مدن الجبل. ثم في الجبل من ناحية حدود خراسان مدينة يقال لها تمار وشرز ودهستان. فإذا جزت الأزر وقعت في جبال ونداد هرمز. فإذا جزت هذه الجبال، وقعت في جبال شروين وهي مملكة ابن قارن. ثم الديلم ثم جيلان.
فلم تزل طبرستان في يد ولد العباس يجبون خراجها ويولون أعمالها إلى أن كانت سنة ثمان وأربعين ومائتين، فخرجت من أيديهم ودخلها العلوية في هذه السنة.
وقال البلاذري: كور طبرستان ثمان كور: سارية وبها منزل العامل. وإنما صارت منزل العامل في أيام الطاهرية، وقبل ذلك كان منزل العامل بآمل. وجعلها أيضا الحسن بن زيد ومحمد بن زيد العلوي دار مقامهما.
ومن رساتيق آمل: آرم خاست الأعلى وآرم خاست الأسفل، والميروان والاصبهبذ ونامية وطميس.
وبين سارية وشلنبة على طريق الجبال، ثلاثون فرسخا، وعامتها من جرجان وبعضها من خراسان.
وبين سارية ونامية والميروان عشرة فراسخ.
وبين سارية والبحر ثلاثة فراسخ.
وبين آمل وسارية ثمانية عشر فرسخا.
وبين آمل والري اثنا عشر فرسخا.
وبين آمل وشالوس وهي إلى ناحية جيلان، عشرون فرسخا.
وبين الجبال والرويان اثنا عشر فرسخا.
ومن مدن الرويان: شالوس، والأرز، والشرز، وونداشورج، ثم جيلان.
وطول طبرستان من جرجان إلى الرويان ستة وثلاثون فرسخا، وعرضها عشرون فرسخا، في يدي السكن من ذلك سنة ونام ستة وثلاثون فرسخا في عرض ستة عشر فرسخا والعرض من الجبل إلى البحر.
وأول من دفعت إليه السفوح، شروين [بن سهراب] وكانت قبل ذلك في أيدي الجند الذين كانوا ينزلون المسالح وغيرهم من المسلمين فأخرجها من أيدي المسلمين وأنزلت فيها قواد الجروية وأبناؤهم. فلم تزل في أيديهم إلى أن قدم الحرشي فطردهم عنها، وأراد مسحها وخرج فعسكر في مصلّى آمل ووجّه المساح، فخرجوا عليهم وقتلوا القائد الموجه معه ثم كتب إلى الرشيد في ذلك فقام الرشيد بنفسه إلى الري ودعا بنداد هرمز وشيروين. فخرج بنداد هرمز عن السفوح وسلمها وضياعه التي في السهل وصار إلى الرشيد في الأمان، فصيّره اصبهبذ خراسان، ووجه عبد الله بن مالك الخزاعي فحازها وردّها إلى القواد وأصحاب المسالح. فلما ولي المأمون أخذها منهم وردّها إلى أصحابه.
/ والمسالح فيما بين أول طبرستان إلى حدّ الديلم، إحدى وثلاثون مسلحة ما بين المائتين إلى ألفي رجل.
وأول مدن طبرستان مما يلي جرجان، طميش وهي على حدّ جرجان وعليها
درب عظيم ليس يقدر أحد من أهل طبرستان أن يخرج منها إلى جرجان إلّا في ذلك الدرب لأنه حائط ممدود من الجبل إلى جوف البحر من آجر وجص. وكان كسرى أنوشروان بناه ليحول بين الترك وبين الغارة على طبرستان.
وفي طميس خلق كثير من الناس ومسجد جماعة ومنبر وقائد مرتّب في ألفي رجل.
وبعدها في السهل مدينة المهروان وفيها أيضا منبر ومسجد وقائد في ألف رجل.
وبعدها قصبة سارية، وفيها منبر ومسجد. وخارج المدينة ألف جريب أرض لبنداد هرمزد على باب مدينة سارية مما كان ابتاعه من الصوافي في أيام بيعت.
فكان الذي تولّى بيعها مهاجر بن يزيد وإلى طبرستان.
وبعدها مدينة آمل وفيها قائد في ألفي رجل وفيها يعمل الفرش الطبري، وفيها خلق كثير من الناس وبها منبر ومسجد.
وبعدها ممطير فيها منبر ومسجد. وبين ممطير وآمل رساتيق وقرى وعمارة كثيرة.
وزعم أن الرويان ليست من طبرستان وإنما هي كورة مفردة برأسها، وبلاد واسعة تحيط بها جبال عظيمة وممالك كثيرة وأنهار مطردة وبساتين متسقة وعمارات متصلة. وكانت فيما مضى من مملكة الديلم فافتتحها عمر بن العلاء صاحب الجوسق بالري وبنى فيها مدينة وجعل لها منبرا.
وفيما بين جبال الرويان والديلم رساتيق وقرى. يخرج من القرية ما بين أربعمائة إلى ألف رجل، ويخرج من جميعها أكثر من خمسين ألف مقاتل. وخراجها على ما وظّف عليها الرشيد أربعمائة ألف وخمسون ألف درهم.
وفي بلاد الرويان مدينة يقال لها كجو بها مستقر الوالي.
وجبال الرويان متصلة بجبال الري وضياعها، ويدخل إليها مما يلي الري.
وبين مدينة الري وشالوس ثمانية فراسخ.
وعلى حدّ من حدود الديلم مدينة يقال لها شالوس أيضا في نحر العدو. وفيها منبر ومسجد، وبإزائها مقابل كجو مدينة يقال لها الكبيرة وفيها أيضا منبر.
ومن مدينة شالوس إلى مدينة محدثة في بلاد الديلم يقال لها الطالقان فيها مسجد ومنبر، أربعة عشر فرسخا.
وسفوح هذا الجبل متصلة بالبحر، فيها المستأمنة الذين استأمنوا إلى عمرو بن العلاء، وفيها قوم لهم ديانة قد بنوا المساجد وتزوج إليهم أهل شالوس وهم يغزون مع ولاة طبرستان الديلم ويدلّون على عوراتهم.
وبنيت هذه المدينة في أيام المأمون وأنفق عليها ألف ألف درهم، ووكل بحفظها عباد بن أترب، فضمّ إليه طائفة من العرب وهم إلى اليوم بها قبائل، منهم آل عباد وأهل موسى والشعبانية. ووراء هؤلاء قوم من الديلم لم يعطوا طاعة قط، وقراهم وجبالهم متصلة بجبال أرمينية ولباب الأبواب.
ثم القرية التي تجتمع فيها الولاة ومنها يغزون الديلم يقال لها مزن وكان مستقر بنداسفجان أخي بنداد هرمزد بها.
وكان المازيار بن قارن لما فرغ من قتل عمومته وأكابر ولد بنداسفجان وقوادهم، لم يمكنه قتل ولد شروين بن سهراب لكثرة مالهم ورجالهم، ولأن مستقرهم من جبال طبرستان مما يلي بلاد قومس. وكان بين جبال شروين وجبال
بنداد هرمزد وبنداسفجان، دروب ومضايق ممتنعة، وفي تلك الدروب تسلك القوافل للتجارات إلى طبرستان.
فأظهر المازيار لولد شروين من البرّ والإكرام والحيل بما أنسوا به واطمأنوا إليه. وكان إذا قدم عليه القادم منهم برّه ووصله وحمله وكساه.
/ ثم إنه أظهر غزو الديلم وذكر أنه يقيم على بلدهم حتى يفتحه. وبنى المساجد في مدنه وعمل بفريم منبرا ومكث على ذلك سنة أو نحوها ثم كتب إلى عامل خراسان يسأله أن يبعث إليه بألفي بعير لحمل السلاح ولغيره لغزو الديلم، فلم يشك أنه مجمع على ذلك. وكتب إلى ولد شروين يسألهم أن يخرجوا معه.
وأمر بإخراج منبر إلى آرم وأمر الناس أن يجتمعوا فاجتمعوا وحضر ولد شروين، فخطبهم الفقيه. فلما فرغ [من الخطبة أمره بالانصراف إلى سارية، وأمر من حضر من ولد شروين وغيرهم أن يحضروا منزله فحضروا مستبشرين، فلما صاروا إلى منزله وحضر طعامه، أمر بأخذ سلاحهم وقتلهم جميعا. وترك الخروج إلى الديلم، ثم وجه في هذا الوقت بالسري قائدا في عشرين ألف رجل ودفع إليهم المرور والمعاول وأمر القائد أن يسير حتى ينتهي إلى الديلم وقال: أمّا أن تخرجوا إلى طاعتي أو تدفعون إليّ رهائنكم وإلّا قتلتكم وقلعت منازلكم.
فأعطوه الطاعة ودفعوا إليه الرهائن، ثم أمر أولئك المستأمنة أن يخرج منهم عشرة آلاف رجل فيخربوا مدينة الرئاسة ففعلوا ذلك.
وهؤلاء المستأمنة في رستاق عظيم يقال له مزن. وإلى هذا الموضع كان انتهى عمرو بن العلاء. ومنه كانت تغزو ولاة طبرستان الديلم. وهم يتصلون بالديلم وقزوين والباب الأبواب وبلاد بابك.
وهؤلاء المستأمنة ان رأوا للمسلمين قوة كانوا معهم، وإن رأوا للعدو قوة كانوا معهم.
وبعد هذا الموضع جبل يتصل بقزوين وبلاد بابك يكون نحوا من عشرين
فرسخا إلى حيث انتهى الولاة وعرفاء الديلم. وما وراء ذلك لم يوصل إليه فيخبر عنه.
وكانت طبرستان في الحصانة والمنعة على ما هي عليه، وكانت ملوك فارس تولّيها رجلا ويسمّونه الأصبهبذ، فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام وافتتحت الممالك المتّصلة بطبرستان، فكان صاحب طبرستان يصالح على الشيء اليسير، فيقبل منه لصعوبة المسلك إليها وخشونتها حتى ولّى عثمان بن عفّان سعيد بن العاص بن أميّة الكوفة سنة، فكتب مرزبان طوس إليه وإلى عبد الله بن عامر بن كريز وهو على البصرة يدعوهما إلى خراسان على أن يملّك عليها أيّهما غلب وظفر، فسبق ابن عامر وخرج سعيد فغزا طبرستان ومعه في غزاته الحسن والحسين أبناء عليّ بن أبي طالب ﵇، ففتح سعيد من طبرستان طميش ونامية وصالح ملك جرجان على مائتي ألف درهم بغليّة وافية فكان يؤدّيها إلى غزاة المسلمين، وافتتح أيضا من طبرستان الرّويان ودنباوند، وأعطاه أهل الجبال مالا، ثم ولي معاوية فولّى طبرستان مصقلة بن هبيرة بن شبل، فتوغّل بمن معه في بلاد طبرستان، فلمّا جاوز المضايق أخذها العدوّ عليهم ودهدهوا الصخور على رؤوسهم فهلكوا أجمعين وهلك مصقلة فضرب الناس به المثل، فقالوا: حتى يرجع مصقلة من طبرستان.
ثم إن عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان ولّى محمّد ابن الأشعث الكنديّ طبرستان فصالحهم وعقد لهم عقدا، ثم أمهلوه حتى دخل وأخذ عليه المضيق وقتل ابنه أبو بكر وفضخوه ثم نجا، فكان المسلمون يغزون ذلك الثغر وهم حذرون من التوغّل في أرض العدوّ.
ثم ولى يزيد بن المهلّب خراسان وسار يريد طبرستان، فاستجاش اصبهبذ الديلم وقاتله يزيد، ثم إنه صالحه على أربعة آلاف ألف درهم وسبع مائة ألف درهم مثاقيل في كلّ سنة وأربع مائة وقر زعفران، وان يخرجوا أربع مائة رجل على رأس كلّ رجل ترس وجام فضّة ونمرقة حرير وفتح يزيد الرّويان ودنباوند على مال وثياب وآنية.
ولم يزل أهل] طبرستان يؤدون هذا الصلح مرة ويمتنعون أخرى ويحاربون ويسالمون. فلما كان أيام مروان بن محمد، غدروا ونقضوا ومنعوا ما كانوا يحملونه. فلما صارت الخلافة إلى بني العباس [استخلف أبو العباس أمير المؤمنين، فوجّه إليهم عامله فصالحوه ثم إنهم غدروا أيضا ونقضوا وقتلوا المسلمين في خلافة المنصور] فوجّه إليهم خازم بن خزيمة التميمي وروح بن حاتم ومعهما مرزوق أبو الخصيب. فسألهما مرزوق حين ضاق عليهم الأمر وصعب أن يضرباه ويحلقا رأسه ولحيته ليوقع الحيلة على الاصبهبذ. ففعلا ذلك وهرب بمواطاة منهما إلى الاصبهبذ فقال له: إن هذين الرجلين استغشاني. فإنهما لما أشرت عليهما أن لا يقصدا بلدك وعرفتهما صعوبة وخشونة طرقه وعقابه ففعلا بي ما ترى. فإن قبلت انقطاعي إليك وأنزلتني المنزلة التي استحقها منك دللتك على عورات العرب وكنت يدا معك عليهم، وإن لم تقبل نصحي واتهمتني انصرفت عنك إلى غيرك من الملوك.
فقبله الاصبهبذ وأحسن إليه واستخصه وأظهر الثقة به والمشاورة له. فكان يريه أنه له ناصح ومشفق عليه. فلما اطلع على أموره وعوراته كتب إلى خازم وروح بما احتاجا إلى معرفته واحتال لباب القلعة حتى فتحه وأدخل المسلمين إليها فملكوها.
وكان عمرو بن العلاء جزارا من أهل الري فجمع جمعا وقاتل الديلم فأبلى بلاء حسنا فأوفده [جهور بن مرار العجلي] إلى المنصور فقوّده [وجيّشه] وجعل له منزله. وتراقت به الأمور حتى ولي طبرستان واستشهد في خلافة المهدي.
وافتتح محمد بن موسى بن حفص بن عمرو بن العلاء ومازيار بن قارن جبال شروين من طبرستان، وهي من أمنع الجبال وأصعبها وأكثرها شجرا وغياضا. وكان فتحهما إياها في أيام المأمون. فقلد المأمون عند ذلك مازيار، طبرستان والرويان ودنباوند وسماه محمدا وجعل له مرتبة الاصفهبذ. فلم يزل واليا عليها حتى توفي
المأمون واستخلف المعتصم، فأقرّه عليها ولم يعزله عنها. فأقام على الطاعة مدة ثم غدر وخالف وذلك بعد ست سنين [وأشهر] من خلافة المعتصم.
فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر- وهو عامله على خراسان والري وقومس وجرجان- يأمره بمحاربته. فوجه إليه عبد الله، الحسن بن الحسين [عمّه] في جماعة من رجال خراسان. ووجه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب في خلق من جند الحضرة، فلما قصدته العساكر، خرج إلى الحسن بن الحسين بغير عهد ولا عقد، فأخذه وحمله إلى سرمرى في سنة خمس وعشرين ومائتين فضرب بالسياط بين يدي المعتصم حتى مات وصلب في سنة خمس وعشرين ومائتين مع بابك على العقبة التي بحضرة مجلس الشرطة. وافتتحت طبرستان وتقلدها عبد الله بن طاهر، وطاهر بن عبد الله بعده.
وكان صاحبها قبل ذلك في أيام المنصور وبعدها، إذا أحس من عامل خراسان بضعف لم يعطه الطاعة ولم يعطه الصلح الذي فورق عليه. فلما قتل المنصور أبا مسلم وفعل تلك الأفعال، هابه اصبهبذ خراسان وكتب إليه بالطاعة ووجه رسوله بالهدايا فقبل المنصور ذلك منه وبرّ رسوله وألطفه وأقام بالحضرة يكاتب صاحبه بما يحتاج إلى علمه.
وكان الاصبهبذ يوجه بالهدايا والألطاف في النيروز والمهرجان. وطالت أيام المنصور على الاصبهبذ فكتب إلى رسوله بالانصراف إليه وأمسك أن يبعث بما كان به من الهدايا. فلما خالف عبد الرحمن بن عبد الجبار على المنصور وجه إليه أبا عون القائد ومعه أبو الخصيب. فلما ظفرا بعبد الجبار وأسراه، كتب المنصور إلى أبي الخصيب بولايته قومس وجرجان وطبرستان ويكون دخوله من طريق جرجان.
وكتب إلى أبي عون أن يسير إلى طبرستان ويكون دخوله من طريق قومس.
وكان الاصبهبذ في مدينة يقال لها الاصبهبذان بينها وبين البحر أقل من
ميلين، فبلغه خبر [دخول] الجيش، فهرب إلى الجبل، إلى موضع يقال له الطاق.
وهذا الموضع كان في القديم خزانة لملوك الفرس. وكان أول من اتخذه خزانة، منوجهر، وهو نقب في موضع من جبل صعب السلوك لا يجوزه إلّا الراجل بجهد. وهذا النقب شبيه بالباب الصغير. فإذا دخله الإنسان مشى فيه نحوا من ميل في ظلمة شديدة. ثم يخرج إلى موضع واسع شبيه بالمدينة قد أحاطت بها الجبال من كل جانب، وهي جبال لا يمكن أحد الصعود إلى أقلّها ارتفاعا، ولو استوى له ذلك ما قدر على النزول.
وفي هذه الرحبة الواسعة مغائر وكهوف لا يلحق أمد بعضها، وفي وسطها عين غزيرة الماء تنبع من صخرة ويغور ماؤها في صخرة أخرى، بينهما نحو عشرة أذرع، ولا يعرف أحد لما بعد هذا موضعا.
وكان في أيام ملوك الفرس، يحفظ هذا النقب رجلان معهما سلّم من حبل يدلّونه من الموضع إذا أراد أحدهما النزول في الدهر الطويل. وعندهما جميع ما يحتاجان إليه لسنين كثيرة.
فلم يزل الأمر في هذه النقب وفي هذه الخزانة على ما ذكرنا إلى أن ملك العرب، فحاولوا الصعود إليها فتعذر ذلك، ولم يقدروا عليه إلى أن ولي المازيار طبرستان، فقصد هذا المكان وأقام عليه دهرا حتى استوى صعود رجل من أصحابه إليه. فلما صار إليه دلى حبالا وأصعد قوما فيهم المازيار حتى وقف على ما في تلك الكهوف والمغائر من الأموال والسلاح والكنوز، فوكل بجميع ذلك قيّما من ثقاته وانصرف. فكان الموضع في يده إلى أن أسر ونزل الموكّلون به أو ماتوا، وانقطع السبيل إليه إلى هذه الغاية.
وذكر سليمان بن عبد الله أن إلى جانب هذا الطاق شبيها بالدكان، وانه إن صار إليه إنسان فلطخه بعذرة أو بشيء من سائر الأقذار، ارتفعت في الوقت سحابة عظيمة فمطرت عليه حتى تغسله وتنظفه وتزيل ذلك القذر عنه. وان ذلك شهر في
البلد يعرفه أهله ولا يتمارى فيه اثنان من أهل تلك الناحية في صحته، وانه لا يبقى عليه شيء من الأقذار صيفا ولا شتاء.
قال: ولما هرب الاصبهبذ إلى الطاق وجّه أبو الخصيب في أثره قوادا وجندا، فلمّا أخبر بهم هرب إلى الديلم وعاش بعد هروبه سنة ثم مات.
وأقام أبو الخصيب في البلد ووضع على أهله الخراج والجزية وجعل مقامه بسارية وبنى بها مسجدا جامعا وجعل فيه منبرا، وكذلك بآمل أيضا.
وكانت ولايته سنتين وستة أشهر.
ثم ولى أبو العباس الطوسي.
ثم أبو خزيمة، سنتين.
ثم روح بن حاتم، سنتين وستة أشهر.
ثم خالد بن برمك، خمس سنين [وعمل بها العجائب وظفر بخزائن ملوك فارس في الطاق وبنت المصمغان].
ثم عمرو بن العلاء، أربع سنين.
ثم سعيد بن دعلج، سنتين.
ثم عمرو بن العلاء ثانية، سنتين.
ثم تميم بن سنان، ثلاث سنين.
ثم يزيد بن سويد، سنة وأربعة أشهر.
ثم سعيد الحرشي، ستة أشهر.
ثم مقاتل بن صالح، سنة.
ثم سلم بن نافع، ستة أشهر.
ثم جرير بن سنان، أربع سنين وأربعة أشهر.
ثم سليمان بن داود، أربعة أشهر.
ثم هاني بن هاني، سنتين.
ثم حميد بن قحطبة، سنة وستة أشهر.
ثم مقاتل بن صالح أيضا ثانية، ستة أشهر.
ثم إبراهيم بن عثمان ستة أشهر.
ثم سعيد بن سلم، ستة أشهر.
ثم الجنيد بن دعلج، ستة أشهر.
ثم حماد بن عبد العزيز ستة أشهر.
ثم المثنى بن الحجاج بن عبد الملك بن القعقاع، ستة أشهر.
ثم يحيى بن معاذ، تسعة أشهر ثم موسى بن يحيى، تسعة أشهر.
ثم عبد الله بن حازم، سنة وستة أشهر.
ثم سعيد الجوهري، سنة.
ثم مهرويه، سنتين.
ثم عبد الله بن الحرمي، ثلاث أربع سنين.
ثم عبد الله بن مالك، أربع سنين.
ثم موسى بن جعفر، سنتين.
ثم عبد الله بن سعيد، سنتين.
ثم عبد الله بن أبي سعد، سنة.
ثم محمد بن أخيه، سنة.
ثم موسى بن حفص، أربع سنين.
ثم محمد بن موسى، سنتين.
/ ثم طاهر بن الحسين.
ثم عبد الله بن طاهر.
ثم طاهر بن عبد الله.
ثم محمد بن طاهر. وكان خليفته عليها سليمان بن عبد الله بن طاهر. فخرج عليه الحسن بن زيد العلوي الحسني في سنة تسع وأربعين ومائتين. فأخرجه عنها وغلب عليها إلى أن مات وقام مكانه أخوه محمد بن زيد.
وذكر أبو يزيد بن أبي عتاب قال: رأيت فيما يرى النائم سنة ثمان وأربعين ومائتين وأنا بمدينة الري، وقد بتنا على فكر من الاختلاف بين القائلين بالسيف وبين أصحاب الامامة. فقال القائل منا:
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع