من «فضائل مصر المحروسة» لابن الكندي (ت بعد ٣٥٥هـ)
الخواص والعجائب التي بمصر
وأما الخواص التي بها والعجائب والبركات والحكم، فجبلها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور حيث كلم الله تعالى موسى، وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون
وعيسى ﵈. وبها كان ملك يوسف وبها النخلة التي ولدت مريم عيسى تحتها (بسِدْمَنْت) من كورة أَهْنَاس، وبها اللبخة التي أرضعت عندها مريم عيسى بأشمون، فخرج من هذه اللبخة الزيت، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد مارية أم إبراهيم (سرية) رسول الله ﷺ بحفن، أوصت أن يبني بها مسجد فبنى.
وبها من الأبنية وآثار الحكمة: البرابي والهرمان، وليس على وجه الأرض بناء باليد حجرًا فوق حجر أطول منهما وجاءت الأخبار أنهما قبرا هرمس وأغاثيمون، والصابئة تحجهما من حران.
قال عمر بن أبي عمر: أنا لقيت من الصابئة من حجمها.
وبها منارة الإِسكندرية، وبها عمود عين شمس.
[وبها] صدع أبي قير الذي تفر إليه طير [البواقيرات في يوم من السنة كان معروفًا فكلما أدخل بوقير منها منقاره في الصدع مضى لسبيله فلا يزال يفعل ذلك حتى يلتقي الصدع على بوقير منها فيجسه] ولا يزال معلقًا حتى تذروه الرياح.
وبها حائط العجوز من العريش إلى أسوان؛ يحيط بأرض مصر كلها.
وبالنيل السمكة التي تسمى الرَّعادة، إذا وضع الرجل الجلد يده عليها لم يتمالك أن يضطرب جسمه كله اضطرابًا شديدًا.
وبها مجمع البحرين، وهو البرزخ الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾، وهما بحر الصين وبحر الروم، والحاجز بينهما مسيرة ليلة ما بين القلزم والفرما. وليس يتقاربان في بلد من البلدان تقاربهما بهذا الموضع، وبينهما في السفر مسيرة شهور.
وليس بالدنيا بلد من البلدان يأكل أهله صيد البحر طريًا غير أهل مصر. وبها من الطرز والقصب التنيسي والثوب الدَّبِيقِيَ ما ليس بغيرها، وليس في الدنيا طراز يبلغ الثوب الساذج منه الذي ليس فيه ذهب مائة دينار غير ثوب تنيس ودمياط. ويقال: إنه ليس في الدنيا منزل إلا وفيه من ثوب تنيس ولو خرقة.
وبها الثياب الصوف والأكسية المرعز، وليس هي في الدنيا إلا بمصر.
وذكر بعض أهل مصر أن معاوية لما كبر كان لا يدفأ، فأجمعوا أنه لا يدفئه إلا أكسية تعمل في مصر، من صوفها المرعز العسلي غير مصبوغ، فعمل له منها عدد، فما احتاج منها إلا إلى واحد.
ولهم طراز (البهنسا) من الستور والمضارب ما يفرقون به طراز أهل الدنيا.
ولهم النتاح العجيب من الخيل والبغال والحمير ما يفوق نتاج أهل الدنيا، وليس في الدنيا فرس في نهاية الصورة في العنق غير الفرس المصري، وليس في الدنيا فرس لا يردف غير المصري، وسبب ذلك قصر ساقية وبلاغة صدره وقصر ظهره، وذكر أن الوليد عزم على أن يجري الخيل ويمتحن خيل البلدان، فكتب إلى سائر الأمصار أن يتخير له خيل كل بلد، ويتوجه به إليه، فلما اجتمعت عرضت عليه، فمرت به المصرية، فلما رآها دقيقة العصب، لينة المفاصل والأعطاف، قال: هذه خيل ما عندها طائل، فقال له عمر بن عبد العزيز وهو جالس معه: وأين الخير كله إلا لهذه وعندها! فقال له: ما تترك تعصبك يا أبا حفص لمصر على كل حال، فلما أجريت الخيل جاءت المصرية كلها سابقة ما خالطها غيرها.
ولهم معدن الذهب، يفوق (معدنهم) كل معدن.
ولهم معدن الزمرد، وليس في الدنيا زمرد إلا معدن بمصر، ومنها يحمل إلى سائر الدنيا. ولهم القراطيس، وليس هي في الدنيا إلا بمصر (ولهم القمح اليوسفي، وليس هو في الدنيا إلا بمصر). ولهم زيت الفجل ودهن البلسان
والأفيون والأبرميس وشراب العسل والبسر البرني الأحمر واللبخ والخس والكبريت، والريش والشمع والعسل وخل الخمر والترمس والجُلْبَان والذرة والنيدة والأُتْرُجّ الأبلق والفراريج السرمكية، وذكر أن مريم ﵇ شكت إلى ربها قلة لبنها فألهمها أن عملت النيدة فأطعمتها عيسى ﵇.
وذكر أهل العلم أنه لا يكاد يرى مترهبو الشام إلا عمشًا من أكلهم العدس ورهبان مصر سالمون من ذلك لأكلهم الجلبان، ولهم البقر الخَيْسِيَّة المؤبدة للحلب فقط، وهي أحسن البقر صورة، وبقر مصر ليس في الدنيا بقر أعظم منها، حتى أن العفو منها يساوي أكثر من عفو ثور من غيرها. ولهم حطب السنط والأبنوس والقرط الذي تعلفه الدواب. وذكر بعض أهل العلم أنه يوقد بحطب السنط عشرين سنة في الكانون أو التنور فلا يوجد له رماد طول هذه المدة.
وقال بعض أهل العلم: ليس في الدنيا شجرة إلا وهي بمصر، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.
وبوجد بمصر في كل وقت من الزمان من المأكور والمأدوم والمشروب والمشموم وسائر البقول والخضر، جميع ذلك في الصيف والشتاء، لا ينقطع منه شيء لبرد ولا لحر، يوجد ذلك كله في الصيف ويوجد بعينه في الشتاء غير مفقود منه شيء واحد.
وذكر أن بختنصر قال لابنه بلسطان: ما أردت سكنى مصر إلا لهذه الخصال وبلسطان هو الذي بنى قصر الشمع.
وقال بعض من سكن مصر: لولا ماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بئونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، وسمك كيهك، ما سكنت مصر.
ومصر مع ذلك فرضة مكة والمدينة وساحلهما، وفرضة صنعاء وعدن وعُمَانُ والشِّحر والسند والهند والصين وجزائر الصين وسَرَنْدِيب وغيرها، يجلب العطر والجواهر والطرائف والآلات في البحر حتى توافى المراكب بالقلزم.
وهي فرضة بحر الروم من الشام كلها، وبلد الروم من أَنْطَاكِيَة إلى ما وراءها من قُسْطَنْطِينَة ورومية وبلد الإِفرنجة وأنطابلس وطرابلس والقيروان
وتاهرت. وسِجِلْمَاسَة والسوس وطنجة والأندلس وجزائر البحر صِقِلِّيَّة وأَقْرِيطِش، وقبرس، ورودس. يحمل إليها رقيق هذه البلدان كلها من الجواري والغلمان والديباج والحرير والمصطكي والمَيْعَة والمرجان والعنبر والزعفران وسائر أصناف التجارات، ويحمل من مصر إليها مثل ذلك، ولا يقصدون بلداً سواها، ولا يؤمون غيرها، فلأهلها خيار ذلك كله، ولسائر الناس حثالته، فبارك الله، لأبي المسك فيما ولاه وهناه بما أعطاه، وأوزعه على ذلك شكره، وألهمه خشيته، وأصلح له جنده ورعيته.
تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع