تجاوز إلى المحتوى

من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

ذكر ما جاءَ في ذم البصرة

لما قدم أمير المؤمنين البصرة بعد وقعة الجمل ارتقى منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة يا بقايا ثمود يا أتباع البهيمة يا جند المرأة، رغا فاتبعتم وعقر فانهزمتم، أما إني ما أقول ما أقول رغبة ولا رهبة منكم غير أني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: تفتح أرض يقال لها البصرة، أقوم أرض الله قبلة، قارئها أقرأ الناس وعابدها أعبد الناس وعالمها أعلم الناس ومتصدقها أعظم الناس صدقة، منها إلى قرية يقال لها الأبلّة أربعة فراسخ يستشهد عند مسجد جامعها وموضع عشورها ثمانون ألف شهيد، الشهيد يومئذ كالشهيد يوم بدر معي، وهذا الخبر بالمدح أشبه، وفي رواية أخرى أنه رقي المنبر فقال:

يا أهل البصرة ويا بقايا ثمود يا أتباع البهيمة ويا جند المرأة، رغا فاتبعتم وعقر فانهزمتم، دينكم نفاق وأحلامكم دقاق وماؤكم زعاق، يا أهل البصرة والبصيرة والسّبخة والخريبة أرضكم أبعد أرض الله من السماء وأقربها من الماء وأسرعها خرابا وغرقا، ألا إني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: أما علمت أن جبريل حمل جميع الأرض على منكبه الأيمن فأتاني بها؟ ألا إني وجدت البصرة أبعد بلاد الله من السماء وأقربها من الماء وأخبثها ترابا وأسرعها خرابا، ليأتينّ عليها يوم لا يرى منها إلا شرفات جامعها كجؤجؤ السفينة في لجة البحر، ثم قال: ويحك يا بصرة ويلك من جيش لا غبار له! فقيل: يا أمير المؤمنين ما الويح وما الويل؟ فقال: الويح والويل بابان، فالويح رحمة والويل عذاب، وفي رواية أن عليّا، ﵁، لما فرغ من وقعة الجمل دخل البصرة فأتى مسجدها الجامع فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي، ﷺ، ثم قال: أما بعد، فان الله ذو رحمة واسعة فما ظنكم يا أهل البصرة يا أهل السبخة يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى الله الرابعة يا جند المرأة، ثم ذكر الذي قبله ثم قال: انصرفوا إلى منازلكم وأطيعوا الله وسلطانكم، وخرج حتى صار إلى المربد والتفت وقال: الحمد لله الذي أخرجني من شرّ البقاع ترابا وأسرعها خرابا. ودخل فتى من أهل المدينة البصرة فلما انصرف قال له أصحابه: كيف رأيت البصرة؟ قال: خير بلاد الله للجائع والغريب والمفلس، أما الجائع فيأكل خبز الأرز والصحناءة فلا ينفق في شهر إلّا درهمين، وأما الغريب فيتزوّج بشقّ درهم، وأما المحتاج فلا عليه غائلة ما بقيت له استه يخرأ ويبيع، وقال الجاحظ: من عيوب البصرة اختلاف هوائها في يوم واحد لأنهم يلبسون القمص مرة والمبطّنات مرة لاختلاف جواهر

الساعات، ولذلك سمّيت الرّعناء، قال الفرزدق:

لولا أبو مالك المرجوّ نائلهما كانت البصرة الرّعناء لي وطنا

وقد وصف هذه الحال ابن لنكك فقال:

نحن بالبصرة في لون من العيش ظريف
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة
نحن، ما هبّت شمال،بين جنّات وريف
للشاعر ابن لنكك البصري، اقرأ القصيدة
فإذا هبّت جنوب،فكأنّا في كنيف

وللحشوش بالبصرة أثمان وافرة، ولها فيما زعموا تجار يجمعونها فإذا كثرت جمع عليها أصحاب البساتين ووقفهم تحت الريح لتحمل إليهم نتنها فإنه كلما كانت أنتن كان ثمنها أكثر، ثم ينادى عليها فيتزايد الناس فيها، وقد قصّ هذه القصة صريع الدّلاء البصري في شعر له ولم يحضرني الآن، وقد ذمّتها الشعراء، فقال محمد بن حازم الباهلي:

ترى البصريّ ليس به خفاء،لمنخره من البثر انتشار
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
ربا بين الحشوش وشبّ فيها،فمن ريح الحشوش به اصفرار
يعتّق سلحة، كيما يغاليبه عند المبايعة التجار
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي:

لهف نفسي على المقام ببغداد، وشربي من ماء كوز بثلج
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
نحن بالبصرة الذميمة نسقي،شرّ سقيا، من مائها الأترنجي
أصفر منكر ثقيل غليظخاثر مثل حقنة القولنج
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
كيف نرضى بمائها، وبخيرمنه في كنف أرضنا نستنجي

وقال أيضا:

ليس يغنيك في الطهارة بالبصرة، إن حانت الصلاة، اجتهاد
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
إن تطهّرت فالمياه سلاح،أو تيمّمت فالصعيد سماد
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

وقال شاعر آخر يصف أهل البصرة بالبخل وكذب عليهم:

أبغضت بالبصرة أهل الغنى،إني لأمثالهم باغض
قد دثّروا في الشمس أعذاقها،كأنّ حمّى بخلهم نافض

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الباء والصاد وما يليهما

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.