تجاوز إلى المحتوى

من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

نوبه

ار من الأرضين سبعة فراسخ في مثلها، وجميع أهل ذلك الرستاق عبيد له يحكم فيهم بما يريد، وصيروا للبيت وقوفا كثيرة وضياعا عظيمة سوى ما يحمل إليه من الهدايا التي تتجاوز الحدّ، وكل ذلك يصل إلى برمك الذي يكون عليه، فلم يزل يليه برمك بعد برمك إلى أن افتتحت خراسان في أيام عثمان بن عفّان وانتهت السدانة إلى برمك أبي خالد بن برمك فسار إلى عثمان مع رهائن كانوا ضمنوا مالا عن البلد، ثم إنه رغب في الإسلام فأسلم وسمي عبد الله ورجع إلى أهله وولده وبلده، فأنكروا إسلامه وجعلوا بعض ولده مكانه برمكا، فكتب إليه نيزك طرخان أحد الملوك يعظم ما أتاه من الإسلام ويدعوه إلى الرجوع إلى دين آبائه، فأجابه برمك: إني إنما دخلت في هذا الدين اختيارا له وعلما بفضله من غير رهبة ولم أكن لأرجع إلى دين بادي العوار مهتك الأستار، فغضب نيزك وزحف إلى برمك في جمع كثير، فكتب إليه برمك: قد عرفت حبي للسلامة وإني قد استنجدت الملوك فأنجدوني فاصرف عني أعنّة خيلك وإلا حملتني على لقائك! فانصرف عنه ثم استغرّه وبيّته فقتله وعشرة بنين له فلم يبق له سوى طفل وهو برمك أبو خالد فإن أمه هربت به وكان صغيرا إلى بلاد القشمير من بلاد الهند فنشأ هناك وتعلم علم الطبّ والنجوم وأنواعا من الحكمة وهو على دين آبائه، ثم إن أهل بلده أصابهم طاعون ووباء فتشاءموا بمفارقة دينهم ودخولهم في الإسلام، فكتبوا إلى برمك حتى قدم عليهم فأجلسوه في مكان آبائه وتولى النوبهار، ثم تزوّج برمك بنت ملك الصغانيان فولدت له الحسن وبه كان يكنى وخالدا وعمرا وأختا يقال لها أم خالد، وسليمان بن برمك أمه امرأة من أهل بخارى، وكان ابن برمك وأم القاسم من امرأة أخرى بخاريّة أيضا، ولما فتح عبد الله بن عامر بن كريز خراسان أنفذ قيس بن الهيثم حتى قدم مدينة بلخ وقدّم بين يديه عطاء ابن السائب فدخل بلخ وخرّب النوبهار، وقال بعض الشعراء يذكر النوبهار:

أوحش النوبهار من بعد جعفر،ولقد كان بالبرامك يعمر
قل ليحيى: أين الكهانة والسحر وأين النجوم عن قتل جعفر؟
أنسيت المقدار أم زاغت الشمس عن الوقت حين قمت تقدّر!

وقال أبو بكر الصولي: حدثنا محمد بن الفضل المذاري عن علي بن محمد النوفلي قال: كان برمك يعمّر النوبهار ويقوم به، وهو اسم لبيت النار الذي كان ببلخ يعظم قدره بذلك، فصار ابنه خالد بن برمك بعده، فقال أبو الهول الحميري يمدح الفضل بن الربيع ويهجو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي:

فضلان ضمّهما اسم وشتّت الأخبارآثار فضل الربيع مساجد ومنار
وفضل يحيى ببلخ آثاره النوبهاروما سواه إذا ما أثيرت الآثار
بيت يوحّد فيه ويعبد الجبّاروبيت شرك وكفر به تعظّم نار

نُوبَةُ:

بضم أوله، وسكون ثانيه، وباء موحدة، والنّوب: جماعة النحل ترعى ثم تنوب إلى موضعها، فشبّه ذلك بنوبة الناس والرجوع مرة بعد مرة،

وقيل: النّوب جمع نائب من النحل، والقطعة من النحل تسمى نوبة، شبهوها بالنوبة من السودان، وهو في عدة مواضع: النوبة بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر وهم نصارى أهل شدة في العيش، أول بلادهم بعد أسوان يجلبون إلى مصر فيباعون بها، وكان عثمان ابن عفان، ﵁، صالح النوبة على أربعمائة رأس في السنة، وقد مدحهم النبي، ﷺ، حيث قال: من لم يكن له أخ فليتخذ أخا من النوبة، وقال: خير سبيكم النوبة، والنوبة:

نصارى يعاقبه لا يطؤون النساء في الحيض ويغتسلون من الجنابة ويختتنون، ومدينة النوبة: اسمها دمقلة وهي منزل الملك على ساحل النيل، وطول بلادهم مع النيل ثمانون ليلة، ومن دمقلة إلى أسوان أول عمل مصر مسيرة أربعين ليلة، ومن أسوان إلى الفسطاط خمس ليال، ومن أسوان إلى أدنى بلاد النوبة خمس ليال، وشرقي النوبة أمة تدعى البجه ذكروا في موضعهم، وبين النوبة والبجه جبال منيعة شاهقة، وكانوا أصحاب أوثان، قالوا: والنوبة أصحاب إبل ونجائب وبقر وغنم ولملكهم خيل عتاق وللعامّة براذين ويرمون بالنبل عن القسيّ العربية، وفي بلدهم الحنطة والشعير والذّرة، ولهم نخل وكروم ومقل وأراك، وبلدهم أشبه شيء باليمن، وعندهم أترنج مفرط العظم، وملوكهم يزعمون أنهم من حمير، ولقب ملكهم كابيل، وكتابته إلى عمّاله وغيرهم:

من كابيل ملك مقرّى ونوبة، وخلفهم أمه يقال لهم علوا بين ملك النوبة وبينهم ثلاثة أشهر، وخلفهم أمة أخرى من السودان تدعى تكنة، وهم وعلوا عراة لا يلبسون ثوبا البتة إنما يمشون عراة وربما سبي بعضهم وحمل إلى بلاد المسلمين فلو قطّع الرجل أو المرأة على أن يستتر أو يلبس ثوبا لا يقدر على ذلك ولا يفعله إنما يدهنون أبشارهم بالأدهان، ووعاء الدهن الذي يدّهن به قلفته فإنه يملأها دهنا ويوكي رأسها بخيط فتعظم حتى تصير كالقارورة فإذا لدغت أحدهم ذبابة أخرج من قلفته شيئا من الدهن فادّهن به ثم يربطها ويتركها معلّقة، وفي بلادهم ينبت الذهب وعندهم يفترق النيل، قالوا: ومن وراء مخرج النيل الظلمة. ونوبة أيضا: بلد صغير بإفريقية بين تونس واقليبيا. ونوبة أيضا: موضع على ثلاثة أيام من المدينة له ذكر في المغازي، ونوبة أيضا: ناحية من بحر تهامة تسمى بالنوبة لأنهم سكنوها. ونوبة أيضا:

هضبة حمراء بحزيز الحوأب من أرض بني عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، وفي حديث عبد الله بن جحش:

خرجنا من مليحة نوبة، ذكره الواقدي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب النون والواو وما يليهما

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.