تجاوز إلى المحتوى

من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)

قلعة عجلون

وهي بين بلد السواد - من أعمال الأردن - وبين بلاد الشراة. مُحدثة صغيرة على جبل مطلّ على الغور، تُرى من القدس ومن جبال نابلس.

طولها تسع وستون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، وعشر دقائق.

والجبل التي هي مبنية عليه يعرف بجبل " عوف " لأنه كان ينزله قوم من " بني عوف "، في أول ولاية الخلفاء المصريين، وكانوا أمراء أولي بأس ونجدة، يقاتل بعضهم بعضاً لتشعب قبائلهم.

ولم زالوا كذلك إلى أيام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، فأقطع ناحيتهم الأمير عز الدين أسامة، وكان من أكابر الأمراء العادلية. فشرع في بناء قلعة يعتصم بها نوابه من عدوان بني عوف، فمنعوه، فأوهمهم أنه إنما يعمرها حراسة لهم من الفرنج، فأجابوه، وأعانوه على بنائها. فلما كملت استدعى مشايخ بني عوف إليها، ومدّ لهم سماطاً، فلما أكلوا أمر غلمانه بالقبض عليهم وحبسهم.

وقيل: إنه كان في مكانها دير قديم يسكنه نصراني اسمه " عجلون " فهدم وبقيت القلعة مكانه، فسميت باسم الراهب.

وكذلك " الباعوثة " فإنه كان مكانها دير يسكنه نصراني يسمى " الباعوثة " فُسمي باسم الراهب.

وهذا الدير مذكور في كتب الديارات. وكان بها قلض من قبل الخلفاء المصريين، وله من الأقطاع سبع وعشرون قرية، من جملتها " عمْتا " وما زال التوقيع بها في يد عقبة إلى استولى التتر على البلاد، فعدم منهم. وحدود " جبل عوف " من القبلة وادي الزّرقاء الفاصل بين بلد " عجلون " وبين بلد الصلت؛ فكل ما هو في قبليه فمن عمل " الصلت ". وكل ما هو من شماليه من عمل " عجلون " ومن الشرق ينتهي بعضه إلى بلاد تعرف " بالحبابية ". من أعمال " عجلون "، وليست من جبل عوف ولكنها داخلة في الولاية.

وتمام الحد المذكور بلاد السواد، ومن الغرب الغور، ومن الشمال بلد السواد. ولم يزال حصن " عجلون " في يد بانية عز الدين أسامة إلى أن قبضه الملك العادل. وبقي في يده إلى أن سلمه لولده الملك المعظم في سنة تسع وستمائة.

ولم يزل في يده إلى أن توفي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة، فانتقل إلى ولده الملك الناصر داود فكان في يده مع دمشق والكرك والشوبك.

فلما ملك الملك الكامل دمشق وسلمها للأشراف، أقرّ على الملك الناصر الكرك والشوبك، والأغوار.

وبقيت " عجلون " في يد الملك الأشراف إلى أن توفي في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكان بنابلس ألمير ظهير الدّين بن سنقر الحلبي في خدمة الملك الناصر، فكاتب النائب المقيم بعجلون، وبذل له أربعين ألف درهماً، وخلعة، ومركوباً، وقماشا، فسلمها إلى نواب الملك الناصر صلاح الدين داود.

ولم تزل في يده ذي القعدة سنة تسع وثلاثين. وفيها استخدم الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم الأمير سيف الدين علي بن قلج النوري، فأقطعه هذه القلعة فيما أقطعه.

ولم تزل في يده إلى أن تسلمها الملك الصالح نجم الدين أيوب أبن الملك الكامل، سنة ثلاث وأربعين وستمائة.

ولم تزل في يده إلى أن توفي في الخامس عشر من شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة. وولي بعده ولد الملك المعظم. ولم تزل في يد نوابه إلى أن قُتل في المحرم سنة ثمان وأربعين، وملك الناصر صاحب حلب دمشق، فبذل لنوابه مالاً حتى سلْموه له، وانعم على قاضيه بألفي دينار فلم يأخذها.

وبقي الحصن في يده إلى أن استولى التتر على البلاد وانقضت دولة الناصر، وخرج من دمشق هارباً.

فلما نزل التتر على الحصن عصي عليهم من فيه فوصل إليه الملك الناصر المذكور، ودخله، وسلمه إليهم، وذلك في رجب فاستولى على جميع حواصله وذخائره وكان به جوارٍ للملك الناصر فأنزلوهن منه حفاةً عراةً، وهدموا شراريف القلعة.

ولم يزل في أيديهم إلى أن كسروا على " عين جالوت " في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمئة، فتسلمه الملك المظفر، وأمر بعمارته.

ولما قتل الملك المظفر في ذي القعدة من السنة، واستولى الملك الظاهر على البلاد المصرية والشامية صار إليه بعد أن ملك دمشق في صفر سنة تسع وخمسين وستمائة، فجدّده وعمره، ونقل إليه الذخائر، وولّى فيه عز الدين أيبك العلائي. ولم يزل في يده إلى أن نقله قلعة صفد لما فتحها وولّى فيه الأمير سيف الدين وهو بها إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.

ثم لما توفي الملك الظاهر ثامن عشري محرم سنة ست وسبعين صار إلى ولده الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة قان، فاستمر بيده إلى أن خرج الملك عنه لأخيه الملك العادل سيف الدين سلامش ليلة الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين، وولى أتابكيته الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي.

فلم يزال في يد نواب الملك العادل إلى أن جلس السلطان الملك المنصور المذكور، على تخت الملك يوم الثلاثاء خامس عشري شهر رجب من سنة ثمان وسبعين، فسير إليه نوابه واستمر بيده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسمُ الثاني منَ الكِتاب في ذكر ما هُو خارج عن دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.