من «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لعز الدين ابن شداد (ت ٦٨٤هـ)
ذكرُ ما في هذا الجند من البلادِ الساحلية
وهي: عرقة - وجبيل - وصيدا - وبيروت - وأطرابلس فأما عرقة فمدينة قديمة في سفح جبل قليل العلوّ، والبحر منها على ثلاثة أميال. ولها في وسطها حصنٌ عالٍ حصين. وشرب أهلها من مياه تأتيهم من نهر يجري ملاصق لها، عليه أرحاء، وبها قصب السكر؛ وبناؤها بالجصّ والتراب.
طولها ستّ درجة، وعرضها خمس وثلاثون درجة ودقيقتان.
قال البلاذري: " أتى يزيد بن أبي سفيان بعد فتح دمشق - صيدا - وبيروت - وعرقة، وجبيل، وهي سواحل؛ وعلى مقدمته أخوه معاوية ففتحا فتحا يسيراً وأجلى كثيراً من أهلها. وتولى فتح عرقة معاوية بنفسه في ولاية يزيد. ثم إن الروم غلبوا على هذه السواحل في آخر خلافة عمر بن الخطّاب ﵁ وأول ولاية عثمان، فقصدهم معاوية فأخرجهم عنها، ثم رمها وشحنها مقاتلة.
قلتُ: ولم تزل ثغور الشام يتصرف فيها نواب من يلي الأجناد الشامية أيام بني أمية، وصدراً من أيام بني العباس إلى أن ملك العبيديون الشام، فاعتنوا بالثغور، فأفردوها، وولوا في كل ثغرٍ منها والياً من مصر، ورتبوا معه جنداً لحفظه من عدوٍ يقصده.
ولم تزل " عرقة " يتصرف فيها نواب من يلي دمشق، إلى أن خرج ملك الروم " قانورا "، وقصد نواحي حلب وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة فاستولى على كثير من بلاد الشام ثم سار إلى عرقة فأخذها وسبى أهلها في سنة تسع وخمسين وثلثمائة، وذلك في أول مُلك المصريين الشام.
ثم خرج عن البلاد، فعاد المسلمون إليها وسنوها، واستمرت في أيديهم إلى أن قصدها باسيل ملك الأرمن فملكها، وهدمها، وانصرف عنها إلى بلاده وذلك في سنة تسعين وثلاثمائة. ثم عاد المسلمون إليها فعمروها. ولم تزل بعد في يد نواب من يلي دمشق إلى أن تغلب عليها خلف بن ملاعب لما ملك حمص، والأمير يومئذ على دمشق معلىّ حيدرة بن منزو من قبل المستنصر صاحب مصر.
ولم تزل في يده إلى أن أخذ منه حمص تاج الدولة تتش وذلك في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. ولم تزل في يد تاج الدولة تتش، ثم في يد ولده شمس الملوك دقائق، من بعده، إلى أن نزل عليها الفرنج، وفيها نائب له فكتب إليه يستنجده، فبعث إليه ظهير الدين طغتكين الأتابك في عسكر، فالتقى بالفرنج وكانوا سمعوا بمجيئه فساروا إليه، ووقعتْ بينهما حرب كانت على الأتابك، فعاد إلى دمشق، ورجع الفرنج إلى " عرقة " فحاصروها، حتى نفذ قوت من فيها، وتسلّموها بالأمان.
ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها الملك العادل نور الدين محمود سنة سبع وستين وخمسمائة.
وبقيت في أيدي المسلمين إلى أن مات الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتخاذل أولاده بعضهم عن بعض، تغلب عليها البرنس صاحب أنطاكية وأطرابلس.
ولم تزل في يده إلى أن قصدها السلطان الملك الظاهر ركن الدين، ففتحها عند فتحه " حصن الأكراد " في رجب سنة تسع وستين وستمائة.
ولما وقعت بين السلطان الملك الظاهر وبين صاحب أطرابلس الهدنة على المناصفات في البلاد التي في يده، نزل له من " عرقة " ولم ينصفه عليها. وهي في يده في عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع