تجاوز إلى المحتوى

من «تاريخ المستبصر» لابن المجاور (ت ٦٩٠هـ)

ذكر ذمام العرب

إذا مسك عربي لصا أو ربيطا أو من يكون له عليه دم فإن أكل الربيط في بيت صاحبه تمرا أو لحما قتله بعد يومين وليلتين وقيل بعد ثلاثة أيام ويقال بعد سبعة أيام. وإنّ أكل خبزا قتله بعد يومين وليلة وقيل يومين وليلتين ويقال بعد سبعة أيام. وإن شرب ماء في بيته بعد يوم واحد ويقال بعد ساعة واحدة. وإن شرب حليبا احرم عليه دمه بعد ثلثة أيام بلياليها. ويقال إنّ السلام يكون في ذمامة إلى أن يغيب كل من صاحبه فان سلم عليه صاحبه بطل حقه وأمن من جميع ما يكره. قيل: ولم ذا؟ قال: لان اللحم يبقى بمعدة الإنسان يومان وليلتين ويبقى الخبز يومان وليلة ويبقى الماء يوما واحدا. والسلام ما يغيب عن النظر فما تقنضي المروة أن تقتل إنسان وخبزك في أمعاءه.

فصل

هجا دعبل بن علي الخزاعي بن عبيد الله الخزاعي فلقيه المطلب في طريق فقال له: سر معي إلى منزلي! فذهب به. فلما دخل قال: والله لأقتلنك شر قتلة. فقال له دعبل: لا تقتلني وأنا جائع أشبعني وافعل ما شئت ستجدني إنّ شاء الله من الصابرين. قال له: ما احسن ما طلبت النجاة! إنّ أطعمتك وجبت الحرمة والأمان وإنّ لم أطعمك بخلت أي بخل. فقال دعبل: والله لا ذكرتك بسوء أبداً. فأطلقه وأحسن جائزته. وإذا عض الذي عليه الدم ذيل امرأة أو طفل يحرم ذنب المذنب على صاحبه. فإن هرب الذي عليه الدم إلى بيت إنسان استجار به فأن عفي عنه صاحب البيت الذي جرم بينهم وحكى إنّ قوماً استجاروا بحجر بن مهلهل فأجارهم من الهوى وبني لهم سورا من الحجر والجص ونصب على السور سرادقات من الأدم ولم يخلي الهوى يهب عليهم.

فصل

نزل سقاء بئراً بطريق مكة يبرح منه الماء في دلاء لقلته فرحل الحاج على غفلة بقى السقاء مكانه ثلاثة أيام بلياليها، فبعد انقضاء هذه الأيام قدم رجل من وجوه العرب فأدلى دلوه فنظر الأعرابي السقاء في قرار البئر فاستقى وسقى حصانه وشرب واستخرج السقاء من البئر وأردفه وراءه وسار به غير بعيد إلى إنّ وصل خبت قفر ليس به مما خلق الله ﷿ من المخلوقات سوى فرد حي أي بيت شعر له، وفي الحي امرأة واحدة وهي زوجته فقامت المرأة غسلت يد السقاء ورجله بماء حار وأدفأته. ونام السقاء واستراح واستيقظ وجد طبيخا حاراً فتعشى وشبع ونام صاحب البيت وزوجته إلى الصباح. فخرج صاحب البيت اسرج وألجم وركب حصانه وغدا الصيد. وبقى السقاء عند المرأة تهتم بحاله وتدور في أموره إلى إنّ تعافى وصح مما به، فلما دار الدم فيه فتح عينه. وقدم صاحب الحي عند اصفرار الشمس واحصر بين يديه الذي رزقه الله سبحانه من الصيد طبخا أو أكلاً جميعاً. وبقى السقاء على حاله مدة ثلاثة أيام على الرسم والعادة وفي الرابع شبع وتعافى واستراح، فمد عينه إلى المرأة فوجدها صورة عجيبة فطالت يده مع قصر رجله في مثل هذا المكان وراودها عن نفسها مراراً فنهته فلم ينته فقام معها بالكلية وقامت معه بالمنية. فلما أبصرت العفيفة عين الحقيقة قامت إليه وأدارت كتافه وشدته في جوار كلب كان عندها.

ففيهن من تسوى ثمانين بكرةوفيهن من تسوى عقال بعير
وفيهن من لا بيض الله وجههاإذا قعدت بين النساء بزير

فلما رجع زوجها نظر الحال غير الحال فقام إليه وحله وقدم إليه ما حضر. وبقي يراودها عن نفسها ثلاثة أيام متواليات وتفعل بن الدست. قال أبن المجاور: ولا شك إنّ هذه المرأة كان طالعها بالسنبلة كما ذكره أبو الريحان محمّد بن أحمد البيروني في كتاب التفهيم في علم التنجيم: إما الحمل والثور والأسد والسنبلة والجدي والحوت ذوات شبق وحرص على النكاح وفي الميزان والقوس شيء من ذلك، وإما في أمور النساء فالثور والأسد والعقرب والدلو دال على عفتهن وحصانتهن والحمل والسرطان والميزان دال على فسادهن والجوزاء والسنبلة والحوت على توسط ذلك فيهن السنبلة اعف. فلما عر الحد عن الحد قال البدوي للسقاء: إلى أين تريد أوصلك؟ قال: إلى الكوفة. فشد على حصانه ونفسه وركب وأردف السقاء وراءه وسار به يومين وليلة إلى أن اشرف على نجد الكوفة. فلما نزل البدوي السقاء عن حصانه ودع كل صاحبه، فحينئذ قال البدوي: بالله عليك إلاّ ما كتمت حالك لي وحدثت بحالك معي اعد الله جزاك خيرا.

كما قال:

لا نضيع فعل الجميل بضعهإن اصطنعت لذي خطا وذنوب
والشوك لو تسقيه ماء الورد ماويحمل الخرنوب

وقال آخر: ليس الكريم الذي إن زل صاحبه بث الذي كان من أسراره علما

إنّ الكريم الذي تبقى مودتهويحفظ السر إن صافي وإن جرما

وقال آخر: لا تجلسن مع السفيه فانه بفساده لصلاح أمرك يذهب

ولقد ظفرت ببيت شعر قالهبعض من الأعراب وهو مهذب
ما ينفع الجرباء قرب صحيحةمنها ولكن الصحيحة تجرب

ولماذا يقال: جراد نجدي لا يأكل الحشائش ويشم أطيب الأهوية ويشرب أطيب المياه ويترقى في أطيب الأمكنة ويرجع دواء كل داء؟ ويقال: إنّه يظهر في نجد من أعمال تسمى الدهناء والموضع هو مشرق البحر، وقال آخر: بل هو يخرج من البحر بإذن الله ﷿ قال أبن المجاور: وهو قريب من اليمن والسلوى ينزل على شجر الزيتون بجبال الروم وغيرها. والسلوى هو طير يجيء إلى دمياط على وجه الأرض، وقد تقدم ذكره، ولم يعلم من أين يأتي، وكذلك الجراد يأتي من علم الله ﷿. فإذا غرس الجراد في الأرض وأقفر يسمى العرجل فإذا بت ودب عل وجه الأرض يسمى الدباء فإذا طار يسمى الجراد. وقال رجل من المفرسين: إنّه كتب على جناحه اسم الله الأعظم فلذلك يقدر على الطيران ويتسلط على أكل الزرع وغيره لأجل جند الله ﷿ سلطه على بلاده وعباده.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر أسماء مكة وصفاتها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.